الأساليب البلاغية في القرآن
الكاتب: مقتبس بتصرف(أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 19/10/2008 - (ميلادي)  ~  19/10/1429 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة

الاكتفاء

وهو أن السياق يقتضي ذكر متقابلين اثنين، فيكتفي بأحدهما عن الآخر ويترك الذهن يتملى الموقف ويضيف ما يناسبه. كقوله تعالى "سرابيل تقيكم الحر". (النحل 81) أي والبرد، وتعليل هذا لأن الخطاب موجه للبيئة العربية الحارة.

ومنه قوله تعالى "وله ما سكن في الليل والنهار" (الأنعام 13) أي وما تحرك. ومنه قوله "رب المشارق" (الصافات 45) أي والمغارب.

الاحتباك

وهو ما يقع في متقابلين حذف من كل منهما ما ذكر في مقابله في الجانب الآخر.

ومنه قوله تعالى:" وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا" (التوبة 102) أي خلطوا عملا صالحا بسيء وآخر سيئا بصالح. ومنه "فئة تقاتل في سبيل الله".

الحذف

"وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" (الزمر 73) 0 قال السيوطي : " فحذف الجواب ، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى ، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه ، وتركت النفوس تقدر ما شأنه ، ولا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك ، لقوله (عليه الصلاة والسلام) : فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر".

الحكم التكليفي

بعد ذلك يقول الحق سبحانه عن البيت الحرام : "ومن دخله كان آمنا" هناك فرق بين إخبار الحق بواقع قد حدث، وبين إخبار بتكليف. إن الإخبار هنا معناه ألا يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو يهاجمه أحد أبدا ويقصد به تكليف خلقه به، والتكليف عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فهذا معناه : يأيها المؤمنون ، من دخل البيت الحرام فامنوه . ولله المثل الأعلى-تقول أنت لولدك : يا بنى هذا بيت يفتح للضيوف. أهذا يدل على إنجاز الإكرام لكل من دخل هذا البيت وحصوله له بحيث لايتخلف أبدا أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه ؟ ومثاله قول الله تعالى : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (النور 26)

تفسير الشيخ الشعراوي لمسألة الخطاب في القرآن.

إذا استعرضت كل "قل" في القرآن وردت بعد سؤال تجدها على نمط، هذا النمط موجود فيه "قل" لكن مرة تأتي بالفاء و مرة تأتي بغير الفاء

"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج"، "يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير" ، "يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير" كل شيء أتى دون فاء إلا في موضع واحد "و يسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا" جاء بالفاء لأن هذا السؤال لم يسأل بينما الأسئلة الأولى سئلت. فكأن المعنى إذا سألوك عن الجبال فقل

و مرة أخرى جاء الجواب عن السؤال بدون "قل" لا بالفاء ولا بغيرها فإذا أردنا أن نفهم الأساليب نجد الحق سبحانه و تعالى قالها في "وإذا سألك عبادي عني فأني قريب" هناك فرق بين السؤال عن حكم و هو مهمة الرسالة لأن الرسول يبلغ منهجا و السؤال عن الإله الذي بعث المنهج و الذي لا يدخل من ضمن الرسالة لأن مهمة الرسول تبليغ المنهج و ليس تعريف الناس بالله.

لذلك لما سئل الإمام علي قالوا له "اعرفت ربك بمحمد أم عرفت محمدا بربك؟" فكان الجواب "لو عرفت ربي بمحمد (يعني لو قال لي محمد أن هناك اله) لكان محمد أوثق عندي من ربي. و لو إنني عرفت محمدا بربي ما احتجت إلى رسول، (لأن معنى ذلك أن الله كلمني و قال لي اني بعثت رسولا إليك اسمه محمد فلماذا احتاج إليه إن كان الله قد كلمني مباشرة). قال عرفت ربي بربي (الفطرة)، و جاء محمد فبلغني مراد ربي".

هذا ما يقوله الشيخ الشعراوي في تفسير هذه الآية و أنا أزيد لأقول ما سمعته من تفاسير أخرى  أن "قل" حذفت من هذه الآية دلالة على مدى القرب بيننا و بين الله بحيث لا نحتاج لوسيط لمناجاته. لأن كلمة "قل" تطيل المسافة بيننا و بينه.

الاسئلة في القرآن

يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1 الانفال)

السؤال يقتضى سائلا : وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقتضى مسئولا هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، ويقتضى مسئولا عنه وهو موضوع السؤال المطروح . والمسئول عنه قد يكون واضحا بنص السؤال ، مثلما نسال صديقنا : ماذا أكلت اليوم ؟ و قد يكون واضحا بنص الجواب كما فى قول الله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ( من الآية 222 سورة البقرة )، فهم لم يسالوا عن أسباب المحيض ، أو لماذا ينقطع عن الحامل أو من بلغت الكبر، لكن كان موضوع السؤال الذى هو واضح من إجابة الحق تبارك وتعالى : أيجوز أن يباشر الرجل المرأة أثناء المحيض أم لا ؟ وسؤال آخر سألوه للرسول صلى الله عليه وسلم عن اليتامى ، يحدد الجواب فيه موضوع السؤال : يقول الله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم ( من الاية 220 من سورة البقرة) لأنهم كانوا يتخوفون من مخالطة اليتامى في الأموال ومن مؤاكلتهم ، وغير ذلك من ألوان التعامل ، ورعا وبعدا عن الشبهات وجاءت الإجابة لتحدد موضوع السؤال

ومرة يأتى السؤال وفيه تحديد مناط الإجابة لأنها عامة مثل قوله الحق تبارك وتعالى : . يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( من الآية 189 من سورة البقرة) هم سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم : لماذا يبدأ الهلال صغيرا ولماذا يكبر، ولماذا يختفى فى المحاق ؟  وهذا سؤال فى الفلك ولم يجبهم الرسول صلى الله على وسلم إلا فى الحدود التى يستفيدون منها وهى القيمة النفعية العملية ، وجاءت الإجابة : قل هى مواقيت للناس والحج . لأننا ورغم وجودنا فى هذا القرن العشرين إلا أن البعض من الناس مازال يكذب الحقيقة العلمية التى ثبتت بما لا ياتي مجالا للشك . ونقول للعامة : إن الهلال يشبه قلامة الظفر ثم يكبر ليستدير ثم يختفى قليلا قليلا. ولو قال لهم : إن الهلال يظهر حين تتوسط الارض بين الشمس والقمر ثم يبدأ فى الاكتمال تباعا، لما استطاعت عقولهم أن تستوعب هذه إلمسالة ، فجاء لهم بالحكمة المباشرة النفعية تدركها عقولهم تمام ، ثم ارتقت العقول بالعلم ووصلنا إلى دراسة حركة الأفلاك التى توضح كل التفاصيل الفلكية . وهناك سؤال يجىء فى أمر محدد، مثل قول الحق : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ( من الأية 217 من سورة البقرة ) وهكذا عرفنا أن مو ضوع السؤال هو عن حكم القتال فى اشهر الحرام ، لا طلب تحديد الأشهر الحرم بالذات . و نعود الى اللآية التي نحن بصددها، يقول الحق تبارك وتعالى هنا : "يسالونك عن الأنفال " وا لأنفال جمع نفل (بفتح الحرف الأول والثانى ) ، مثل كلمة سبب واسباب ، والمراد بالنفل هنا الغنيمة ؟ لأنها من فضل الله تعالى وهى من خصائص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد اختصت بها هذه الأمة دون ا لأم السابقة ، والنفل بالسكون الزيادة ، ومنه صلاة  النافلة ؟ لأنها زيادة عن الفريضة الواجبة ، وفى هذا المعنى يقول ربنا عز وجل فى آية ثانية : " ومن الليل فتهجد به نافلة لك ". ونافلة تعنى أمرا زائدا غير مفروض ، ولذلك نقول : إن النفل هو العبادة الزائدة ، وشرطها أن تكون من جنس ما فرض عليك ؟ لأن الإنسان لا يعبد ربه حسب هواه الشخصى ، بل يعبد العبد ربه باى لون من ألوان العبادة التى شرعها الله ، واذا أراد زيادة فيها فلتكن من جنس ما فرض الله ، حتى لا يبتدع احد عبادات ليت مشروعة .

استعمال الضمير

حين يتكلم الحق سبحانه عن ذاته ، قد يتكلم بضمير المتكلم . فيقول : "إنني أنا الله" (من الآية 14 سورة طه )  وقد يقول سبحانه : " إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون" ( سورة الحجر) ، ومرة يتكلم عن ذاته بما نسميه نحن ضمير الغيبة مثل قوله " و هو القاهر فوق عباده" ( من الآية 61 سورة الأنعام )

1-ضمير المتكلم معه دليله ، إن المتكلم يقول : أنا ، ويخاطبك فيقول : أنت.  لكن الذي يتكلم بضمير الغيبة لابد أن يعود الضميرعلى مرجع لهذا الضمير . وحين يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه - سبحانه - يريد أن يبين لنا أنه في أجلى مجال المشاهدة والحضور. سبحانه يقول : " هو " قبل أن يذكر المرجع ، وهو " الله "، مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم ، فكأنه إذا أطلق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته العليا، فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو، ولذلك يقول : "قل هو الله أحد"

2-فإذا قال سبحانه : "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون". إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه ، لأنه يتطلب علما بما يتكلم به ، ويتطلب قدرة لإبرازه ، ويتطلب حكمة ، ويتطلب صفات كثيرة ، فإذا قال سبحانه : "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون". ( سورة الحجر ) فالتنزيل فعل ، والفعل يقتفى صفات متعددة . فلابد أن يأت بضمير التعظيم وهو الجمع  لأن كل صفات الكمال متجلية فى التنزيل .

3- ولكن إن تكلم عن الذات فى التوحيد لا يأت بضمير الجمع أبدا لأنه يريد أن تنفى عن ذاته أنه متعدد.لأنه هو الواحد الذي لا شريك له ، فحين يتكلم عن الذات يقول "إنني أنا الله".

صفات الجلال و صفات الجمال

1-واتقوا النار التي أعدت للكافرين (ال عمران 131) / يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (التوبة 119)

كيف نوفق بين الأمر بأن نتقي النار أي العذاب و بين أن نتقي الله رب العالمين؟

 اتقوا الله أي اتقوا صفات الجلال عند الله فالنار من متعلقات جلال الله و قدرته إذن فالله أحق أن نخشاه من النار لأنه خالق النار ،و لكن كل شيء تخشاه تفر منه إلا الله تخشاه فتفر إليه. "ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين"

2- إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (الأنفال 2) / الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (الرعد 28)

كيف نوفق بين كون القلوب تطمئن بذكر الله و بين كونها تخشاه ؟

إن المراد بالذكر ذكر عظمة الله و جلاله و شدة انتقامه ممن عصى أمره لأن الآية نزلت عند اختلاف الصحابة في غنائم بدر فناسب ذكر التخويف (يسألونك عن الأنفال) أما آية الرعد نزلت فيمن هداه الله و أناب إليه (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)، و المراد بالذكر ذكر رحمته و عفوه و لطفه لمن أطاعه و أناب إليه.

و جمع بينهما في "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ( الزمر 23)

أي تقشعر عند ذكر عظمته و جلاله و عقابه، ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر رحمته و عفوه و كرمه.

المنهج الواحد

واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45)

كل مؤمن يدخل منهج الايمان محتاج الى الاستعانة بالصبر ليحمل نفسه على مشقة المنهج وتكاليفه وليمنع نفسه عن الشهوات التى حرمها الله سبحانه وتعالى. والصبر كبير أن تتحمله النفس وكذلك الصلاة . لأنهما ياخذان من حركة و حياة الانسان. والصبر هنا مطلوب ليصبروا على ما يمتنعون عنه من نعيم الدنيا وزخرفها والصلاة تمنع الاستكبار في النفس.

 وكان سياق الأية يقتضي أن يقال : " وانهما" لكن القرآن قال : "و انها لكبيرة"  فهل المقصود واحدة منهما؟  الصلاة فقط أم الصبر؟ نقول انه عندما يات أمران منضمان الى بعض لا تستقيم الامور الا بهما يكونان علاجا واحدا. واقرأ قوله تعالى  "يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين" ( التوبة 62) فقال يرضوه ولم يقل يرضوهما . نفس التفسيرالسابق نفهمه : ليس لله حق وللرسول حق . لكن الله ورسوله يلتقيان على حق واحد . وكذلك قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ( الجمعة 11) ،وكان المفروض أن يقال اليهما ولكن التجارة واللهو لهما عمل واحد . هو ثني المؤمنين عن العبادة والذكر .

وفي هذه الآيات لطيفة وهي ان الكلام لما اقتضى اعادة الضمير على احدهما اعاده في آية الصبر والصلاة على الصلاة لأنها الاقرب ولأنها الاصعب. وكذلك في آية "ومن يكسب خطيئة او اثما ثم يرم به بريئا" اعادها الى الاقرب. الا في آية التجارة واللهو فإنها عادت الى التجارة لأنها هي التي الهت الناس.

الخيال في القرآن

"ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين" الأنعام (27)

عندما ننظر إلى قول الحق : "ولو ترى إذ وقفوا على النار" ، هنا لا نجد جوابا مثل ما تجده فى قولك : لورأيت فلانا لرحبت به أو لورأيت فلانا لعاقبته . أن في كل من هاتين الجملتين جوابا ،لكن فى هذا القول الكريم لا نجد جوابا و هذا من عظمة الأداء القرآني فهناك أحداث لا تقوى العبارات على أدائها ، و لذلك يحذفها الحق سبحانه وتعالى ليذهب كل سامع فى المعنى مذاهبه التى يراها.

و في حياتنا نجد مجرما في بلد من البلاد يستشري فساده وإجرامه في سكانها تقتيلا و تعذيبا وسرقة واعتداءات ، ولا أحد يقدر عليه أبدا ، ثم يمكن الله لرجال الأمن أن يقبضوا عليه فنرى هذا القاتل المفسد يتحول من بعد الجبروت إلى جبان رعديد يكاد يقبل يدا لشرطي حتى لا يضع القيود فى يديه . ويرى إنسان ذلك المشهد فيصفه  للآخرين قائلا : آه لورأيتم لحظة قبضت الشرطة على هذا المجرم ، وهذه العبارة تؤدي كل معاني الذلة التي يتخيلها السامع ، إذن فحذف الجواب دائما تربيب لفائدة الجواب ليذهب كل سامع فى تصور الذلة إلى ما يذهب . لأن المشاهد لوشاء لحكى ما حدث بالتفصيل لحظة القبض على المجرم وبذلك يكون قد حدد الذلة و المهانة في إطار ما رأى هو ، ويحجب بذلك تخيل وتصور السامعين .

وقد أراد البعض أن يتصيد لأساليب القرآن ، ومنهم من قال  كيف تقولون أن القرآن عالي البيان ، فصيح الأسلوب ، معجز الأداء ، وهو يقول عن شجرة الزقوم؟ إن القرآن الكريم يقول عن هذه الشجرة:

أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) (الصافات)

نحن لم نر شجرة الزقوم ، ولم نر رأس الشيطان . ويسخر الذين يتصيدون للقرآن في أقوالهم : بما أن أحدا من البشر لم يشهد رأس الشيطان ، وكذلك شجرة الزقوم فكيف يشبه الله المجهول بمجهول ؟ وتساءلوا بطنطنة : ماذا يستفيد السامع من تشبيه مجهول بمجهول ؟ ونقول ردا عليهم : إن غباء قلوبكم وفقدان طبعكم لملكة اللغة العربية هو الذى يجعلكم لاتفهمون مافى هذا القول من بلاغة.

وحين نقرب المثل نقول : هب أن إنسانا أقام مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم ليرسم كل منهم صورة للشيطان ، ويوم تحديد الفائز ستوجد أكثر من صورة للشيطان ، وستفوز أكثر الصور بشاعة ، ذلك أن الفوز هنا ليس فى الجمال، و لكن الفوز هنا فى مهارة تصوير القبح . وهكذا تتعدد أمامنا صور القبح ، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وقد أراد إطلاق الخيال لتصور شجرة الزقوم ، وكذلك تصور رأس الشيطان ؟ أراد الحق بهذا الأسلوب البليغ إشاعة الفائدة من إظهار بشاعة صورة الشجرة التي يأكل منها أهل الكفر .

الاحتباك

قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (ال عمران 13)

يقول الشيخ شعراوي رحمه الله في تفسير هذه الآية التي تتحدث عن معركة بدر حيث كان المؤمنون حوالي ال 300 و الكفار ألفا .

حذفت صفة مؤمنة من "فئة تقاتل في سبيل الله" لدلالة النقيض عليها في "و أخرى كافرة" و حذفت "تقاتل في سبيل الشيطان " من "و أخرى كافرة" لدلالة النقيض عليها في "فئة تقاتل في سبيل الله"  فيصبح المعنى كالتالي "فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان"

 أما في تفسير "يرونهم مثليهم" فأورد الاحتمالات التالية تبعا لإرجاع الضمير في يرونهم و مثليهم إلى المؤمنين أو الكفار:

1-                يرى الكفار المؤمنين مثلي عدد المؤمنين أي يرى الكفار المؤمنين حوالي ال 600 و معناها أن الله ألقى الرعب في نفوس المشركين فرأوا المؤمنين ضعفي عددهم الفعلي.

2-                 يرى الكفار المؤمنين مثلي عدد الكفار  أي يرى الكفار المؤمنين حوالي ال 2000 و معناها أن الله ألقى الرعب في نفوس المشركين إلى درجة كبيرة فرأوا المؤمنين ضعفي عدد جيشهم نفسه فطبيعي أن تنهار معنويات جيش يقاتل بدعوى الباطل ضد فئة تزيده عددا و إيمانا.

3-                يرى المؤمنون الكفار مثلي عدد المؤمنين أي يرى المؤمنون الكفار 600 فقط أي أن الله قلل الكفار في أعين المسلمين إلى ضعفي عددهم فقط و هي النسبة التي وعدوا فيها بالنصر مصداقا للأية "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين" (الأنفال 66)

4-                 يرى المؤمنون الكفار مثلي عدد الكفار أي  يرى المؤمنون الكفار 2000 أي أن الله كثر الكفار في أعين المسلمين وهم الضعفاء القلة ليري المؤمنين أن النصر ليس بالعدد بل بالأيمان مصداقا لتكملة الآية "و الله يؤيد بنصره من يشاء".

وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (الانفال 44)

الاحتباك (2)

لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (التوبة 25)

وقوله : "لقد نصركم ا الله فى مواطن كثيرة " يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند الله وحده ، والدليل على أن النصر من عند الله أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه فى مواطن كثيرة ، و مواطن جمع "موطن " والموطن هو ما استوطنت فيه . وكل الناس مستوطنون فى الأرض ، وكل جماعة منا تحيز مكانا من الأرض ليكون وطنا لها ، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذى هو الأرض لأن الأرض موطن البشرية كلها ، ولكن الناس موزعون عليها ، وكل جماعة منهم تحيا فى حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه . والله سبحانه هنا يقول : " لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة "، وما دام الحديث عن النصر، يكون المعنى : إن الحق سبحانه قد نصركم فى مواطن الحرب أى مواقعها ، مثل يوم بدر، ويوم الحديبية ، ويوم بنى النضير، ويوم الأحزاب ، ويوم مكة ، وكل هذه كانت مواقع نصر من الله للمسلمين ، ولكنه فى هذه الآية يخص يوما واحدا بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة، فبعد أن تحدث إجمالا عن المعارك الكثيرة يقول :ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم " إذن : فكثرة عدد المؤمنين فى يوم حنين كان ظرفا خاصا ، أما المواطن الأخرى ، مثل يوم بدر فقد كانوا قلة ، ويوم فتح مكة كانوا كثرة، ولكنهم لم يعجبوا ولم يختالوا بذلك ، إذن : ففى يوم حنين اجتمعت لهم الكثرة مع الإعجاب ، وبذلك يكون يوم حنين له رمزية ، فهو يوم خاص بعد الحديث العام . "ويوم حنين إذ أعجبتكم"  هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه ، إذن فيوم حنين ليس معطوفا على مواطن كثيرة ولكنه جملة مستقلة بنفسها  لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن فى بقية المواطن ، وهذه دقة فى الأداء اللغوى تتطلب بحثا لغويا . فكلمة مواطن هى ظرف مكان ، ويوم حنين هى ظرف زمان ، فكيف جاز أن نعطف ظرف الزمان على ظرف المكان ؟ ونقول : هذا هو ما يسميه العرب " احتباك " لأن كل حدث مثل " أكل" و " شرب"  و " ضرب " و " ذاكر " كل حدث لابد له من زمان ولابد له من مكان ، فإذا قلت : أكلت ، نقول : متى؟ فى الصبح ، أو فى الظهر، أو فى العصر، أو فى العشاء وأين ؟ فى البيت ، أو فى الفندق ، أو فى المطعم ، أو فى الشارع .إذن : فلابد لكل حدث من ظرف زمان وظرف مكان ، فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة ؟ ظرفية مكان حدوث الفعل ، وظرفية زمان حدوث الفعل . فإذا قلت : أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك أين تم الاكل ؟ أو إذا قلت : أكلت فى البيت ولم أسألك عن موعد الأكل ظهرا أو عصرا او ليلا، يكون الحدث غير كامل الظرفية ، ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان فى الظرفية ، ولكنهما يختلفان ، فالمكان ظرف ثابت لا يتغير . والزمان دائم التغير، فهناك الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء . والزمان يدور، هناك ماض وحاضر ومستقبل ، وهكذا يشترك الزمان والمكان فى الظرفية ، ولكن الزمان ظرف متغير، أما المكان فهو ظرف ثابت . وجاءت الآية هنا بالاثنين ، ف "يوم حنين" هو زمان ومكان لحدث عظيم ، وأخذت الآية ظرف المكان فى "مواطن كثيرة" وظرف الزمان فى "يوم حنين"  فإذا قيل : لم يحضر ظرف الزمان والمكان فى كل واحدة، نقول : لا، لقد حضر ظرف المكان فى ناحية وظرف الزمان فى ناحية ثانية، وهذا يسمونه - كما قلنا - " احتباك " . وقد حذف من الأول ما يدل عليه الثانى، وحذف من الثانى ما يدل عليه الأول ، فكان المعنى : لقد نصركم الله يوم مواطن كذا وكذا وكذا . فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى "ومواطن يوم حنين "، أى" جاء بالاثنين هنا . ولكن شاء الله سبحانه وتعالى ألا يكون هناك تكرار ، فاحضر واحدة هنا وواحدة هناك ، وهذا يظهر واضحا فى قوله تعالى : "قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة"  (آل عمران : 113 ) فما دامت الأخرى "كافرة"  تكون الأولى " مؤمنة " ، ولكن حذفت "مؤمنة " لأن كافرة تدل عليها ، وما دامت الأولى المؤمنة تقاتل فى سبيل الله ، فالفئة الكافرة تقاتل فى سبيل الشيطان . وحذفت تقاتل فى سبيل الشيطان لأن تقاتل فى سبيل الله دلت عليها . وذلك حتى لا يحدث تكرار . ونجد أن المؤمن الذى يستمع إلى كلام الله تعالى لابد أن يكون عنده عمق فهم ، وحين يكون كله آذانا صاغية حتى يعرف ويتنبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية .

الابهام

الله سبحانه هو الذى يحيي ويميت . وفى الحياة والموت استبقاء للنوع الانساني. ويعالج الحق هذه المسالة بواقع سبق أن عاشه موسى عليه السلام مع قومه وهم بنو اسرائيل ، ونعرف أن قصة  موسى مع قومه قد أخذت أوسع قصص القرآن - الأمة التى أتعبت الرسل ، وأتعبت الأنبياء ، وكان لا بد أن يعرض الحق هذا الامر برمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من واقع ما حدث ، فقال سبحانه : "الم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " . ونعرف من هذا القول أن علة الخروج إنما كانت مخافة أن يموتوا . أما عن سبب هذا الموت فلم تتعرض له الأيات ، وان تعرض المفسرون له وقالوا كلاما طويلا ، فمنهم من قال : خرجوا هربا من وباء يحل بالبلد خشية أن يموتوا ، وبعضهم قال : إنهم خرجوا من عدو قد تسلط عليهم ليستاصلهم ، المهم أنهم أرادوا أن يفروا خوفا من الموت. أذن فالقرآن يعالج تلك المسالة من الزاوية التى تهم ، ولكن ما هو السبب ولماذا الخروج ؟ فذلك أمر لا يهم ؟ لأن القرآن لا يعطى تاريخا ، فلم يقل متى كانت الوقائع ولا زمنها ، ولا على يد من كان هذا ، ولا يحدد أشخاص القضية ، كل ذلك لا يهتم به القرآن . والذين يتعبون أنفسهم فى البحث عن تفاصيل تلك الأمور فى القرآن إنما يحاولون أن يربطوا الأشياء بزمن مخصوص ، ومكان مخصوص واشخاص مخصوصة .

نقول لهم : إن القرآن لوأراد ذلك لفعل ، ولوكان ذلك له أصل فى العبرة و العظة لبينه الحق لنا ، وأنتم تريدون إضعاف مدلول القصة بتلك التفاصيل ، لأن مدلول القصة إن تحدد زمنها ، فربما قيل : إن الزمان الذى حدثت فيه كان يحتمل أن تحدث تلك المسالة والزمن الأن لم يعد يحتملها ، وربما قيل : إن هذا المكان الذى  وقعت فيه يحتمل حدوثها ، إنما الأمكنة الأخرى لا تحتمل . وكذلك لو حددها بشخصيات معينة لقيل : إن القصص لا يمكن أن تحدث إلا على يد هذه الشخصيات،  لأنها فلتات فى الكون لا تتكرر .

ان الله حين يبهم فى قصة ما عناصر الزمان والمكان والأشخاص وعمومية الأمكنة انه -سبحانه -يعطى لها حياة فى كل زمان وفى كل مكان وحياة مع كل شخص. ولا يستطيع أحد أن يقول : إنها مشخصة . وأضرب دائما هذا المثل بالذين يحاولون أن يعرفوا زمن أهل الكهف ومكان أهل الكهف وأسماء أهل الكهف وكلب اهل الكهف . نقول لهؤلاء : أنتم لاتثرون القصة ، لأنكم عندما تحددون لها زمانا ومكانا وأشخاصا فسيقال : إنها لاتنفع إلاللزمان الذى وقعت فيه. ولذلك إذا أراد الحق أن يبهم فقد أبهم ليعمم ، وان أراد أن يحدد فهو يشخص ومثال ذلك قوله تعالى : "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين" .لم يحدد الحق هنا اسم أى امرأة من هاتين المرأتين ، بل ذكر فقط الأمر المهم أن كلا منهما كانت زوجة لرسول كريم ، ومع ذلك لم يستطع نوح عليه السلام ان يستلب العقيدة الكافرة من زوجته ، ولم يستطع لوط عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته ، بل كانت كل من المرأتين تتآمر ضد زوجها - وهو الرسول مع قومها ، لذلك كان مصير كل منهما النار ، والعبرة من القصة أن اختيار لعقيدة أمر متروك للإنسان ، فحرية العقيدة أساس واضح من أسس المنهج.  وأيضا قال سبحانه فى امرأة فرعون : "وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين" لم يذكر اسمها  لأنه لا يهمنا فى المسالة ، المهم أنها امرأة من ادعى الالوهية ومع ذلك لم يستطع أن يقنع امرأته بانه إله . لكن حينما أراد أن يشخص قال فى مريم عليها  السلام :" ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين" لقد ذكرها الحق وذكر اسم والدها ، ذلك لأن الحدث الذى حدث لها لن يتكرر في امراة أخرى .

التصريح

وفى الريف  نجد أن التاجر  يصنع لنفسه الموازين من الاحجار ، فيعاير قطعة من الحجر بوزن الكيلوجرام ، ويعاير قطعا أخرى لأجزاء الكيلو جرام.  ومن كثرة الاستعمال وملامسة الحجر يعرف التاجر ان الحجر يتآكل ، لذلك يعيد وزن الأحجار التي يستعملها في الميزان كل فترة متقاربة من الزمن. ويقال : إنه يعاير الاوزان . وسمى القسطاس؛ فالقسطاس هو الذى تعاير به الموازين ، فإذا صنع الإنسان شيئا للميزان مما يتآكل أو يتأثر باللمس فيجب عليه ان يعايره كل فترة حتى لا يظلم أحدا ولو بمقدار اللمسة الواحدة .. ولذلك يقول الحق : "ذلكم اقسط عند الله " " اقسط " هنا معناها " اعدل " . فموازين الله غير موازين البشر ، فموازين البشر قد يحدث فيها اختلاف . ونرى بعض التجار ينقصون الميزان بان يجمعوا شيئا تحت كفة الميزان أو غير ذلك من الخدع ، لكن الحق هو العادل الحق . وهو صاحب الميزان الاعدل وهو القائل : "ذلكم أقسط عند الله".

جاءت هذه الآية لان رسول الله صلى الله عليه وسلم اصدر حكما وهو حكم صحيح وعادل بقواعد البشر ، فاوضح الحق له الحكم الاقسط ، صحيح أن عدلك يا رسول الله لا يدخله هوى ولا يميل به غرض او شهوة . ولكن العدل عند الله اكثر دقة وله مطلق الدقة . وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحكم بمنطق القسط البشرى في أمر زيد بن حارثة وكان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان عبدا لخديجة -رضي الله عنها- وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد فترة علم اهل زيد بخبر اختطافه وبيعه كعبد وكيف آل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء أهل زيد إلى رسول الله وطالبوا بابنهم . ورفض زيد أن يعود معهم و أراد أن يبقى مع رسول الله ، و أراد رسول الله أن يكرم زيدا الذي فضله عل أبيه أهله مصداقا لقول الله :

"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"

لذلك كان لا بد للنبى صلى الله عليه وسلم أن يقدر زيد بن حارثة  فاعتقه ودعاه " زيد بن محمد " تكريما له ، على عادة العرب فى تلك الأيام . لكن الله يريد أن يلغى مسالة التبني : " وما جعل أدعياءكم أبناءكم"  وأجرى الله الأحداث ليصحح مسالة التبني لكل العرب ، وكان بداية تطبيق ذلك على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينزل القول الحق : "ادعوهم لآبائهم  هو أقسط عند الله" (من الآية 5 سورة الأحزاب ) لم ينف إذن القسط عن محمد ، ولكن الاقسط يأتي من عند الله . ويطيب الله خاطر زيد بعد أن عاد إليه اسمه الفعل منسوبا لأبيه لا الى رسول الله صل الله عليه وسلم ، ويكافىء الله زيدا بان يجعل اسمه هو الاسم الوحيد فى الإسلام الذى يذكر فى القرآن ويتعبد المؤمنون بتلاوته الى أن تقوم الساعة : "فلما قضى زيد منها وطرا" ( في الآية 37 صورة الأحزاب ) لقد صار اسمه فى القرآن يتلوه المسلمون الى قيام الساعة.

الشرط (النصر في الغار)

إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40)

وقوله تعالى : إلا تنصروه فعل مضارع ، زمنه هو الزمن الحالى ، ولكن الحق يتبع المضارع بفعل ماض هو :  فقد نصره الله فهل يكون الشرط حاضرا ومستقبلا ، والجواب ماضيا ؟و قدم المشككون كل تلك المقدمات ليشككونا فى القران . ونقول لهم إن كلامكم عن الشرط وجوابه صحيح ، ولكن افهموا الزائد ، فحين نحقق فى الأمر نجد أن الجواب سبب فى الشرط.  لأنك حين تقول : إن تذاكر تنجح ، فالطالب إن لم يستحضر امتيازات النجاح فلن يذاكر ، بل لابد أن يتصور الطالب فى ذهنه امتيازات النجاح ليندفع إلى المذاكرة ، إذن : فالجواب سبب دافع فى الشرط ، ولكن الشرط سبب فى الجواب ولكنه سبب واقع ، فتصور النجاح أولا هو سبيل لبذل الجهد فى تحقيق النجاح ، وهكذا تكون الجهة منفكة.  لأن هذا سبب دافع ، وهذا سبب واقع . ونقول : إن المعنى : إلا تنصروه فسينصره الله  بدليل أنه قد نصره قبل ذلك . وهذا ليس جواب شرط ، وإنما دليل الجواب ، فحين يكون دليل الجواب ماضيا ، فهو أدل على الوثوق من حدوث الجواب ، فحين دعاهم الله لينفروا فتثاقلوا ، أوضح لهم سبحانه : أتظنون أن جهادكم هو الذى سينصر محمدا وينصر دعوته ؟ لا،  لأنه سبحانه قادر على نصره ، والدليل على ذلك أن الله قد نصره من قبل فى مواطن كثيرة ، وأهم موطن هو النصر فى الهجرة ، وقد نصره برجل واحد هو أبو بكر على قريش وكل كفار مكة ، وكذلك نصره فى بدر بجنود لم تروها ، إذن : فمسابقة النصر من الله لرسوله سابقة ماضية ، وعلى ذلك فليست هى الجواب ، بل هى دليل الجواب . ونرى فى قوله تعالى : إلا تنصروه فقد نصره الله أن نصر الله له ثلاثة أزمنة  ف " إذ " تكررت ثلاث مرات ، فسبحانه يقول :

أى : أننا أمام ثلاثة أزمنة : زمن الإخراج ، وزمن الغار ، والزمن الذى قال فيه رسول الله لأبى بكر: "لا تحزن إن الله معنا"، وقد جاء النصر فى هذه الأزمنة الثلاثة ؟ ساعة الإخراج من مكة ، وساعة دخل سيدنا رسول الله مع أبى بكر إلى ا ألغار ، وساعة حديثه مع أبى بكر . ولسائل أن يسأل : هل أخرج الكفار رسول الله من مكة ، أم أن الله هو الذى أخرجه ؟ ونقول : إن عناد قومه وتآمرهم عليه وتعننتهم أمام دعوته ، كل ذلك اضطره إلى الخروج ، ولكن الحق أراد بهذا الخروج هدفا آخر غير الذى أراده الكفار ، فهم أرادوا قتله ، وحين خرج ظنوا أن دعوته سوف تختنق بالعزل عن الناس ، فأخرجه الله لتنساح الدعوة ، وأوضح سبحانه : أنتم تريدون إخراج محمد بتعنتكم معه ، وأنا لن أمكنكم من أن تخرجوه مخذولا ، وسأخرجه أنا مدعوما بالأنصار . وقالوا : إن الهجر توأم البعثة . أى : أن البعثة المحمدية جاءت ومعها الهجرة ، بدليل أ رسول الله حينما أخذته أم المؤمنين خديجة رضى ألله عنها إلى ورقة بن نوفل ، بعد ما حدث له  فى غار حراء ، قال له ورقة : ليتنى أكون حيا يخرجك قومك . قال ورقة بن نوفل ذلك لرسول الله قبل أن يبعث بالنبوة ، فقال رسول الله : أمخرجى هم ؟ قال ورقة بن نوفل : نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودى (1) إذن : فالهجرة كانت مقررة مع تكليف رسول الله بالرسالة.

الشرط (2) (النصر في بدر)

ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140)

"إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " لاحظ أن المتكلم هو الله فانتبه جيدا إلى مرادات كلامه. نعرف أنه فى الشرط والجواب، أن الشرط يأتي ثم ياتي بالجواب من بعد ذلك مترتبا عليه ونتيجة له، كقولنا " إن تذاكر تنجح" ان النجاح هو جواب لشرط وهو الاستذكار . و قوله الحق "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " فهل المعنى المراد من هذه الجملة الشرطية أن مس القرح للكافرين الذى حدث فى بدر كان كجزاء لمس القرح للمؤمنين فى أحد ؟ لا ، إنه لا يكون أبدا جوابا لشرط ؟ لأنه لو كان جواب شرط لقال الحق : إن يمسسكم قرح فسيمس القوم قرح مثله . ولكنه لم يقل ذلك لأن القرح الذي أصاب الممشركين فى بدر كان أسبق من القرح الذى أصاب المؤمنين في احد. و كأن الحق يقول "إن يمسسكم قرح فلاتبتئسوا فقد مس القوم قرح مثله" ، و ليس ذلك جواب الشرط ، ولكنه جاء ليستدل به على جواب الشرط. ومثال ذلك ما نقوله لواحد إذا أصابته كارثة :

إن كان قد حدث لك كذا ، فقد حدث لخصمك مثله . إذن فنحن نسليه والمقصود هنا أن الحق يسلى المؤمنين : إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا ، فليكن عندكم سلو ولتجتازوا هذا الأمر ولترض به نفوسكم ؟ لأن القوم قد مسهم قرح مثله.

والأسوة والتسلية ، هل تأتي بما وقع بالفعل أم بما سيقع ؟ . إنها تأتي بما وقع بالفعل ، إذن فهى تعلل تعليلا صحيحا : " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم مثله ". وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة : " وتلك الأيام نداولها بين الناس " . ما معنى المداولة ؟  داول أى نقل الشىء من واحد لاخر . ونحن هنا امام موقعتين  غزوة بدر وغزوة أحد. وكان النصر للمسلمين فى غزوة بدر بالإجماع أما غزوة أحد فلم يكن فيها هزيمة بالإجماع ولم يكن فيها نصر. إذن فقوله الحق : " وتلك الأيام نداولها بين الناس " أى مع التسليم جدلا ان الكفار قد انتصروا -رغم أن هذا لم يحدث - فإننا نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم. وإياك أن تفوتك هذه الملاحظة ، بأن النصر لم ينتقل إليهم إلا بمخالفة منكم ايها المؤمنون . ومعنى مخالفة منكم ، أى أنكم طرحتم المنهج . ومعنى أنكم طرحتم المنهج ، أى أنكم أصبحتم مجرد " ناس " مثلهم. " وتلك الأيام نداولها بين الناس" لم يقل بين المؤمنين والكافرين أى بينكم وبين قريش

وليس المقصود بالأيام ما هو معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار ، ولكن المقصود بالايام هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة. إذن "وتلك الأيام نداولها بين الناس " لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين ، ولكنها مداولة بين الذين مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل ايمانهم ففازت قريش ظاهريا . فلوظللتم على إيمانكم لما حدث ذلك أبدا . لكنكم  تخليتم عن منهج ربكم ، وبذلك استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين ، وبذلك تكون الأيام لذلك مرة ولهذا مرة أخرى، انها مطلق عدالة . علينا ان نتذكر الشرط السابق  لعدم الهزيمة بل للعلو والنصر: "وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" . الحق سبحانه فى مسالة مداولة الأيام ينبه المؤمنين الذين تخلخل إيمانهم: ما دمتم اشتركتم معهم فى كونكم مجرد "أناس " فيصبح النصر يوما لهم ويوما لكم ، فالعبقرى الفطن الذى يحسن التصرف هو من يغلب لأن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة بشر . ومادام المسلمون قد تخلوا عن منهج الله فقد صاروا مجرد بشر فى مواجهة بشر . ولذلك قلنا إنه عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهرت عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين المسلمين . صاحب الحيلة، يغلب ، أو صاحب القوة يغلب ، أو صاحب العدد أو العدة يغلب . ولكن ما الذى يعوض كل تلك الإمكانات ويحقق النصر إنك إن تاخذ الله فى جانبك فلن يجرؤ مخلوق أن يكون فى مواجهة الحق فى معركة . لقد قلنا قديما وعلينا ان نعيها جيدا : إن الولد الصغير حينما يضطهده زملاؤه فيلجا إلى حضن أبيه ، عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله ، لكن أقرانه يستطيعون أن يهزموه عندما يبتعد عن أبيه . فما بالنا ونحن عيال الله ؟ وكذلك شأن الكفار مع المؤمنين .

إن الكفار قادرون على الانفراد بالمؤمنين حينما يتخلى المؤمنون عن منهج الله ،لأن الله لن ينصر أناسا ليسوا على منهجه ، فلو نصر الله أناسا على غير منهجه فان ذلك يبطل قضية الإيمان. وعندما نستقرىء القرآن الكريم نجد أن كل خبر عن الإنسان وهو معزول عن المنهج الإلهى هو خبر كله شر .

فسبحانه يقول : "و العصر ان الانسان لفي خسر" ان الإنسان على اطلاقه لفى خسر ، ولكن من الذى ينجو من الخسران، وتأتي الإجابة من الحق فيقول : "الا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر" وتتأكد القضية فى موضع آخر من القرآن الكريم فيقول -سبحانه -"ان الانسان خلق هلوعا اذا مسه الشر جزوعا و اذا مسه الخير منوعا الا المصلين"  !ذن كل كلام -فى القرآن - عن الإنسان على إطلاقه ياتي من ناحية الشر. ،فما الذى ينجيه من ذلك ؟ إنه المنهج الإلهى .

!ذن فقول الحق : " وتلك الأيام نداولها بين الناس" تحمل تأنيبا ولذعة خفيفة لمن أعلنوا الإيمان ولكنهم تخلفوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أحد .

التشخيص (امه هاوية)

تفسير "فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية" "و أما من خفت موازينه فأمه هاوية"

"فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية" هنا وصف الحق سبحانه وتعالى العيشة بأنها الراضية . والمستعمل في أعراف البشر ولغة الناس ، ان الرضى أنما ينسب الى ذي العقل والى ذي الارادة فكان حسب منطقنا في لغتنا أن يقول : عيشة رضي عنها صاحبها ، ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يعدل عن أسلوب شائع على ألسنة الناس ، الى أسلوب يناسب بلاغة كلامه عن كلام البشر فاننا نلحظ موضحات الأسلوب الاعجازي القرآني على الأسلوب البشري . فالناس في الحياة الدنيا ، يحبون النعيم ، ويحبون أسباب السعادة ، ولكن الذى ينغص عليهم ذلك الحب ، هو خوفهم أن تزول السعادة عنهم . هذا الشعور يجعل الانسان يعيش الحياة الحاضرة سعيدة ، ولكن قلبه قلق على المستقبل هذه الحياة السعيدة. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لنا : ان المعنى الذي يقلق الناس في نعيمهم وسعادتهم في الدنيا ، لا يوجد في الآخرة ، لأن النعمة والسعادة في الآخرة تعيش معك ، وتدوم معك ، دوام الراضي عنك ، والراضي عن الشيء .يلازمه ، ويحبه ولا ينفك عنه . وعلى قدر ما أحسنت في دنياك بان تتبع منهج الله ، وتقيد حريتك في سبيل تنفيذ منهج الله ، فانك تاخذ مطلق الحرية في الآخرة ، فتستدعي أنت من النعمة ما شئت بمجرد الخواطر ، واذا جاءت لك النعمة فهي نعمة مستقرة نعمة دائمة .

"و أما من خفت موازينه فأمه هاوية"

كثيرا ما يمر في القرآن الكريم الحديث عن العذاب، و قد يبدأ هذا الأسلوب بالتصدير المطمع ، ثم ينهيه بالتيئيس المفجع وذلك النقل عملية نفسية مرادة للحق سبحانه وتعالى . ولذلك اذا قرأنا القرآن نجد مثل هذه الأساليب كثيرة يقول : "فبشرهم"، فساعة تسمع هذه الكلمة تستشرف نفوسهم على أن هناك منقذا ، وأن هناك مغيثا ، وأن هناك منجيا ، فإذا استشرفت النفس الى ذلك ، جاء الجواب مفجعا ، فيقول : "فبشرهم بعذاب أليم" كما ويقول أيضا في مثل هذا : "وان يستغيثوا يغاثوا"  الإنسان حين يستغيث من مؤلم ، يريد أن يخفف عنه ذلك المؤلم ،  فتستشرف نفسه  ثم تأتي " بماء كالمهل" ليتألم اكثر . و هكذا يفتح له باب الأمل واسعا ، ثم بعد ذلك يأتي بالمبشر به فيجده عذابا .

 الأم في الحياة مصدر العطف و الحنان و الحماية. فإذا قال : أمه  أشعر الإنسان بجهات العطف ، وبجهات الحنان ، ثم يقول : "فأمه هاوية" إذن بدأها ابتداء مقنعا ، ثم أنهاها انهاء ميئسا . وأيضا لتأخذ من التطوير الدقيق لمعنى الآية ، ان النار تتهافت على المعذب كما تتهافت الأم على وليدها ، فتحضنه وتضمه. لأنه ، أي الانسان المعذب ، لم يرع نعمة الله في تلك الأم أولا ، التي خلقها الله والإنسان لا إرادة له ، ولا قوة ، ولا تعقل ، وبعد ذلك سخرها له ، بما أودع فيها من العطف ، ومن الحنان ، ومن الرقة ، ومن الاستجابة الى كل دوافعه ، فكما كان له منه باعراض عن نعم الله لذا  يعرض عنه الله في الآخرة.

التشبيه (التكوير)

القسم هنا "فلا أقسم بالخنس " أنه قسم على طريقة النفي . و معناه : لا أقسم ، يعني لم يقسم ،ولكن لو أنه لم يقسم لما أتى بجواب . ولكنا لاحظنا أنه جاء بجواب "فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ، والليل اذا عسعس والصبح اذا تنفس " ، قال : "انه لقول رسول كريم" يبقى هذا جواب قسم . إذن لا بد أن نفهم "فلا أقسم " على أنها قسم مؤكد اكثر من قسم الاثبات . لماذا؟ لأنك حين تقسم بشيء على شيء يكون عند المخاطب شبه شك في أنك تؤكد له بالقسم ، والاعتراف بالشك يجعلك تؤكد . فالحق يقول : اذا كنا نقسم على أشياء لأن لكم شبهة فيها، فهذا أمر لا يصح أن نقسم عليه ، لأنه من الوضوح بحيث لا يصح أن يكون فيه شك. وضربنا مثلا للمريض يذهب للطبيب ، فالطبيب الذي يؤكد الصحة لك ، أيصف لك الدواء ؟ أم يقول لك : أنت لا تستحق أن أكتب لك دواء ؟ معنى انت لا تستحق أن أ كتب لك دواء ، ازاحة ما في نفسه من شبهة المرض . ولكن لما يكتب له دواء وان كان بسيطا ، يبقى احترام ما في نفسه من شبهة المرض . فهذا نفي للقسم يؤكد أكثر من القسم.

ما هي الخنس ؟ الخنس اتفقوا على أن معناها ، الكواكب ، أو النجوم تطلع من أماكنها في أبراجها ، ثم تعود الى أبراجها تطلع الأول وتنتهي الى الآخر . ثم تعود الى أبراجها إذن خنس يعني رجع . الجوار الكنس: الكنس هذه مأخوذة من كناس الظبي ، وهو المكان الذي يأوي اليه الظبي . ذلك أن النجوم والكواكب التي يقسم بها نراها في أوقات معينة  فمثلا لما تطلع الشمس لا نرى . يجيء بعدها "والليل إذا عسعس ، والصبح اذا تنفس " ما هي العلاقة التي نريد أن نستنبطها من الآية ؟ الرسالات التي سبقت الإسلام ، ظهرت و اختفت كالنجوم، ولما اختفت وانطمست معالمها ، الجهالة غمرت الدنيا كلها ، فكان لا بد أن يجيء نهار و كأن النجوم والكواكب اشارة الى رسالات السماء التي نهتدي بها ، هنا نهتدي بحسيات ، وهناك نهتدي بالمعنويات. أتى الظلام في الكون ، وهو ظلام الجاهلية الذي جاء قبل الاسلام . وبعد ذلك جاء الإسلام . فيقول : "والليل إذا عسعس". كلمة عسعس مكونة من مقطعين مكررين : عس : يعني سار في ظلام ، كالعسعس الذي يعس في الظلام ، غيرسائر على هدى ، يمد يديه يستقرىء بها الأشياء . وبعد ذلك لم يقل : والليل اذا عس فيه الناس .. لا ، نسب العس الى الليل نفسه . وإذا كان الليل في ذاته وهو الزمن الذي يعس ، يبقى الذي فيه أشد عسعسة منه .. وبعد ذلك تجد والصبح إذا تنفس : أنظر كلمة الصبح اذا تنفس ، يعني أيضا جعل الصبح  له حيوية ، فكأن الصبح من وطأة ظلمة الليل حينما جاء ابتدأ يأخذ نفسه ، كأنه أرهق بالظلمة . ومعنى ابتدأ يتنفس كأنه كانت مخمودة أنفاسه. فكأن النبي بمنهجه هوتنفس الصبح للبشرية لذلك أتت "انه لقول رسول كريم" ، لم يبتدىء بالكلام عن ذات الحق هنا. لأن مسألة الحق هذه قضية منتهية كأنها أصل فطري ، وان نشأ خلاف فيجب أن لا يكون في القمة. الخلاف الذي ينشأ في الوسائط التي تبلغ عن الله فقط ، أما الله فحقيقة فطرية لا يمكن للعقل أن يقف فيها .  

خطاب الأمة

فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) نحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه و سلم  قد قال من البداية إنه لا يشك فى رسالته وحين وعده أهله بالسيادة قال : "والله لو وضعوا الشمس فى يمينى ، والقمر فى يسارى على أن أترك  هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته" نقول : إن الحق سبحانه وتعالى يضمر خطاب الأمة فى خطاب رسوله صلى الله عليه و سلم لأن الأتباع حين يقرأون ويسمعون الخطاب وهو موجه بهذا الأسلوب إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فهم لن يستنكفوا عن أى أمر يصدر إليهم ومثال ذلك: لو أن قائدا يصدر أمرا لأثنين من مساعديه اللذين يقودان مجموعتين من المقاتلين، فيقول القائد الأعلى لكل منهما : إياك أن تصنع كذا أو تصنع كذا . والقائد الأعلى بتعليماته لا يقصد المساعدين بل يقصد كل مرءوسيهم من الجند. وجاء الأمر هنا لرسول الله صلى الله عليه و سلم  لتفهم أمته أن الرسول صلى الله عليه و سلم ما كان ليتأبى على أمر من أوامر الله، بل هو صلى الله عليه و سلم ينفذ كل ما يؤمر به بدقة وذلك من باب خطاب الأمة فى شخصية رسولها صلى الله عليه و سلم . و قول الحق سبحانه و تعالى: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين".  هذا القول دليل على أن الذين عندهم علم بالكتاب من السابقين على رسول الله صلى الله عليه و سلم، يعرفون الحقائق الواضحة عن رسالته صلى الله عليه و سلم. وإن الذين يكابرون ويكفرون برسول الله صلى الله عليه و سلم ورسالته إنما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. و كما قال عبد الله بن سلام : "لقد عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتى ، ومعرفتى لمحمد أشد".  فالحق عندهم واضح مكتوب فى التوراة من بشارة به صلى الله عليه و سلم، و هذا يثبت أنك يا محمد صادق فى دعوتك، بشهادة هؤلاء. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى : "لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" والحق القادم من الله تعالى ثابت لا يتغير لأنه واقع، والواقع لا يتعدد، بل يأتى على صورة واحدة اما الكذب فيأتي على صور متعددة. ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين. الخطاب فى هذه الآية هو خطاب للنبى صلى الله عليه و سلم، وجاء معطوفا على الاية السابقة، حيث يقول الحق سبحانه : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين وكل ما يرد من مثل هذا القول لا يصح أن نفهم منه أن رسول الله من الممكن أن يشك، أو من المحتمل أن يكون من الذين كذبوا بآياته سبحانه وتعالى - ولكن إيراد مثل هذا الأمر ، هو إيراد لدفع خواطر البشرية، أيا كانت تلك الخواطر، فإذا وجدنا الخطاب المراد به رسول الله صلى الله عليه و سلم فى التنزيل ، فغاية المراد اعتدال موازين الفهم فى أمته تعليما وتوجيها. لأن المنهج منزل عليه لتبليغه لأمته فهو شهيد على الأمم. وإذا كانت الاية التى سبقت توضح : إن كنت فى شك فاسأل فهو سبحانه يعطيه السؤال ليستمع منه إلى الجواب، وليسمعه لكل الأمة الجواب القائل : أنا لا أشك ولا أسأل، وحسبي ما أنزل الله سبحانه علي. ألم يرد فى القران الكريم أن الحق سبحانه وتعالى يقول للملائكة يوم القيامة بمحضر من عبدوا الملائكة، ويشير إلى هؤلاء الذين عبدوا الملائكة ومخاطبا ملائكته :"اهؤلاء اياكم كانوا يعبدون" نحن نعلم أن الملائكة : "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" والحق سبحانه يعلم مسبقا جواب الملائكة، وهم يقولون : "سبحانك أنت ولينا من دونهم" و لكنه سبحانه وتعالى أراد أن يسمع من فى الحشر كلهم جواب الملائكة يستنكرون أن يعبدهم أحد من الخلق. إذن فالسؤال جاء ليبين الرد عليه، مثلما يرد عيسى عليه السلام حين يعبد من بعض قومه، ويسأله سبحانه عن ذلك : "أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله" فيأتى الجواب : "سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق . ."، إذن : فالمراد أن يقول الرسول صلى الله عليه و سلم أنا لا أشك ولا أسأل .

 

صيغة المبالغة في القرآن الكريم (د. عبد الحميد هنداوي)

من ذلك صيغة (فعال): ومن أمثلتها ما ورد فى سورة الشعراء فى قصة موسى على لسان فرعون : "قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم"  (الشعراء: 34-37 ) حيث جاء التعبير بصيغة المبالغة سحار فى هذا الموضع دالا على مقابلة الملأ وصف فرعون لموسى بالسحر وتأكيده على أنه يريد أن يخرجهم من أرضهم (بسحره ) فناسب ذلك أن يقابلوا ذلك بالوصية بالإتيان بكل سحار عليم يفوق سحره سحر موسى. وتتضح هذه النكتة حينما نقف على سياق القصة المشابه فى سورة الأعراف حيث يقول الله تعالى على لسان الملأ من قوم فرعون : "قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم"  (الأعراف). وقد علل بعضهم مجىء صيغة المبالغة فى الشعراء دون الأعراف بان المبالغة فى الشعراء مناسبة لقول فرعون (إن هذا لساحر عليم ). ولكن يضعف من هذا التعليل أن الملأ قد وصف موسى كذلك فى الشعراء بأنه (ساحر عليم ) وأرى أنه لم تأت المبالغة (سحار) فى سورة الأعراف لأنه لم ينص على أن المحذور – وهو إخراج موسى لهم من أرضهم - إنما يقع (بسحره ) فلم تذكر هذه الكلمة فى سورة الأعراف، ومن ثم لم تقابل بصيغة المبالغة (سحار) فى وصف السحرة، فكأن الملأ فى هذا الموضع لم يتصور أن ما جاء به موسى - وهو ما وصفوه بكونه سحرا - يكون له من القوة والتأثير أن يخرجهم من أرضهم، فلا يحتاج إبطال سحره إلى الإتيان بمهرة السحرة. أما فى سورة الشعراء فإن الكلام فيها على لسان فرعون - لا الملأ - وهو يؤكد لهم أن معجزة موسى - عليه السلام - والتى سماها فرعون سحرا - تبلغ من القوة والتأثير أن يخرجهم موسى من أرضهم بها. ومن ثم بالغوا له فى وصف السحرة الذين يوتى بهم لإبطال معجزة موسى عليه السلام. ويمكن أن يقال إنه لما كان الواصف لموسى عليه السلام فى هذا الموضع بالساحر هو فرعون لذا جاءوا بكلمه الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه، وليسكنوا بعض قلقه.

من ذلك ما جاء فى قوله تعالى "ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد" حيث جاءت صيغة المبالغة (ظلام ) فى هذه الاية وشبيهاتها على وزن (فعال ) محتملة الدلالة على المبالغة، والدلالة على النسبة، وقد استشكل العلماء دلالتها على المبالغة لأنها تتمثل عدولا عن السياق والمقتضى وما ربك بظالم، وذلك أن السياق هنا بصدد بيان كمال عدله سبحانه وتنزيهه عن نسبة الظلم إليه. ومن ثم اختلفت أقوال المفسرين فى تحرير دلاله تلك الصيغة وتوجيهها على خمسة أقوال حكاها السمين الحلبى فى الدر حيث قال مستشكلا: وهنا سؤال : وهو أن (ظلام ) صيغة مبالغة تقتضى التكثير، فهي أخص من (ظالم) ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فإذا قلت: (ليس بظالم) انتفى الظلم من أصله، فكيف قال تعالى: (ليس بظلام للعبيد) وفى ذلك خمسة أوجه ، ذكر أبو البقاء منها أربعة:

الأول : أن (فعالا) قد لا يراد به التكثير كقول طرفة : ولست بحلال التلاع لبيته          ولكن متى يسترفد القوم أرفد

لا يريد هنا أنه قد يحل التلاع قليلا، لأن ذلك يدفعه اخر البيت الذى يدل على نفى البخل على كل حال، وأيضا مقام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة.

الثانى: أنه للكثرة ولكنه لما كان مقابلا بالعباد وهم كثيرون ناسب أن يقابل الكثير بالكثير.

والثالث : أنه إذا نفى الظلم الكثير انتفى القليل ضرورة، لأن الذى يظلم إنما يظلم لاشتفاعه بالظلم، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه فى حق من يجوز عليه النفع والضر كان للظلم القليل المنفعة أترك.

الرابع : أن يكون على النسب أي لا ينسب إليه ظلم، فيكون من باب : بزاز وعطاء كأنه قيل: ليس بذى ظلم البتة.

الخامس : قال القاضى أبو بكر: (العذاب الذى توعد أن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما فنفاه على حد عظمته لو كان ثابتا). وذكر الزمخشرى فيها الوجهين الثانى والخامس ولم يزد عليها. وأجاب الرازى عن الإشكال بالوجه الخامس ولم يزد عليه ووجه الرازى محمد بن أبى بكر بن عبد القادر كلا من الوجوه الثانى والرابع والخامس توجيها حسنا فقال : صيغة المبالغة جىء بها لكثرة العبيد لا لكثرة الظلم، كما قال الله تعالى (ولا يظلم ربك أحدا) وقال : (عالم الغيب ) (الجن : 26 ) و(علام الغيوب ) (سبأ: 48 ) لما أفرد العموم لم يأت بصيغة المبالغة، ونظيره قولهم : زيد ظالم لعبده ، وعمرو ظلام لعبيده، فهما فى الظلم سيان. وكذلك قال تعالى "محلقين رؤوسكم ومقصرين" فشدد لكثرة الفاعلين لا لتكرار الفعل.

استعمال الموضعين (د. عبد الحميد هنداوي)

من أمثلتها : قوله تعالى "وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين" (المؤمنون : 29) عبرت الآية بصيغة (مفعل) فى (منزلا) وهذه الصيغة صالحة لكى تكون اسم مفعول من الفعل (أنزل ) ومصدرا منه واسم مكان. وهى هنا فى الاية تحتمل أن تكون مصدرا أي أنزلنى إنزالا مباركا، وتحتمل أن تكون اسم مكان أى أنزلنى مكانا مباركا. ويصعب فى مثل هذا الموضع أن نجزم بأحد المعنيين، والذى نرجحه والله أعلم بمراده أن كلا المعنيين مراد فالسياق لا يأبى أحدهما، فالحمل على المصدر يجعل المراد طلب البركة من الله فى الحدث نفسه فيكون هبوطه ونزوله مباركا من الله تعالى، والحمل على المكان يجعل المراد طلب البركة من الله تعالى فى المكان الجديد الذى رست عليه سفينة نوح عليه السلام ، ولا شك أن كلا الأمرين كانا مطلوبين لنوح عليه السلام أن يبارك الله له فى إنزاله وفى مكان نزوله، ومن ثم فلا مانع هنا فى هذا السياق من حمل الصيغة على كلا معنييها ويكون ذلك من بلاغة القرآن وإعجازه وحسن إيجازه ومن ثم يكون اختيار تلك الصيغة هنا فى غاية الجودة لما تشتمل عليه من إيحاء ات وظلال معنوية تغطى كافة المعانى المحتملة فى ذلك الموقف. وعلى كل نقول: إن كان لا بد لنا من ترجيح أحد معانى تلك الصيغة هنا، فنحن نرجح إرادة المكان على المصدر وذلك لأن هذا الموقف فيما نرى يعبر عن جانب نفسى لدى نوح عليه السلام وهو تلك المشاعر التى يمكن أن تستولى عليه عند رسو السفينة فى ذلك المكان الجديد الموحش حيث أهلك الله تعالى قوم نوح عليه السلام، وغدت الأرض بعدهم يلاقع لا حياة فيها ولا أنيس حتى من الوحش أو الطير، فلا شك أن يكون ذلك المكان الجديد مصدرا للخوف والقلق يدعوا المرء أن يتوجه إلى ربه بطلب بركته على هذا المكان حتى يستطيع نوح ومن معه من المؤمنين أن يستأنفوا فيه حياة جديدة وهذا بلا شك موقوف على أن يأذن الله تعالى لتلك الأرض الجديدة أن تخرج خيرها، وأن يبارك فيها. ومع هذه المحاولة منا لترجيح أحد معنيى الصيغة، فإن الصيغة تظل بعد ذلك محتملة كلا المعنيين أو نقول إنها تدل على أحد المعنيين بالأصالة وتفيد فى الوقت نفسه من ظلال المعنى الاخر مما يودى إلى إثراء المعنى. وهذه الصيغة لها نظائر فى قول الله تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما" (النساء: 31) هى تحتمل كسابقتها كذلك أن تكون مصدرا أو اسم مكان. والمصدر له وجه وهو أن يكون الإدخال نفسه كريما، ألا ترى كيف غاير الله تعالى فى التعبير عن إدخال كل من الفريقين إلى مستقره فى سورة الزمر فقال : "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها" ...، "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها" 000 (الزمر: 71-73) فأتى بواو الحال مع أهل الجنة كأنه قيل حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها (3) فهذا يدل على أن الحمل على المصدر فى قوله تعالى (مدخلا كريما) ليس بعيدا، وكذلك الحمل على المكان وهو الجنة وحسبك به مدخلا كريما. فالحمل على المعنيين فى مثل هذا الموضع من الإعجاز القرانى بمكان كذلك لما فيه من تناغم المعانى واتساقها وتآزرها على توفية المقام حقه، وهو الترغيب فى اجتناب مناهيه وزواجره سبحانه وتعالى.

ومن ذلك قوله تعالى "إن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون * إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين". حيث حمل المفسرون صيغة فعيل في لفظة صريخ على ثلاثة اوجه :

أن تكون بمعنى فاعل (صارخ) أي مستغيث

أن تكون بمعنى مفعل (مصرخ) او منقذ او مغيث.

أن تكون بمعنى المصدر أي الصراخ نفسه او فلا اغاثة كما ذكر الزمخشري فيكون مصدرا بمعنى الاصراخ.

ويبدو لى أن سياق الاية يحتمل أغلب الوجوه المذكورة فيه فقد يكون الصريخ بمعنى المنقذ أو المغيث وهو ما رجحه السمين الحلبى والألوسى وغيرهما ممن ذكرت وذلك لأن الاية فى معرض تصوير تخويف البشر من قدرة الله تعالى عليهم فهو إن يشأ يغرقهم فلا مغيث لهم إن صرخوا واستغاثوا. وحمل الاية على معنى فلا صارخ ولا صراخ يمكن توجيهه على حال الاستئصال، فضلا عن أن إثبات الصارخ والصراخ لهؤلاء الغرقى يدعم ما الاية بصدده من تخويف العبد، وذلك بتصوير هيئة الصارخ وكثرة الصراخ عند معاينة الأهوال مع افتقاد المغيث والمنقذ أو المعين. وأما حمل الزمخشرى الصريخ على معنى الإصراخ والإغاثة، فقد اعترضه الشيخ صاحب البحر بأنه يحتاج إلى نقل أن صريخا يكون مصدرا بمعنى إصراخ . ومن ثم نرى كيف تتضافر معانى تلك الصيغة فى خلق معنى ذى ظلال متعددة تتفق مع السياق وتتناغم معه .

 

البناء للمجهول (د. عبد الحميد هنداوي )

فائدة البناء للمجهول غالبا هى تغييب الفاعل إلى هامش الشعور لغرض بلاغى هو إفساح الاهتمام بالمفعول. ومن ثم يأتى مناسب لجو الترهيب الذى يقتضيه مقام الايات وسياقها. وعلى هذا النحو جاء التعبير بصيغة البناء للمجهول فى قوله تعالى "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز" (آل عمران : 185 ) ذلك للغرض السابق وهو تركيز الاهتمام على ما هو أهم وهو هنا نجاة هذا العبد من تلك النار، ودخوله الجنة، بصرف النظر عن فاعل ذلك له .

فضلا عما يفيده البناء للمجهول من فائدة تعميم الفاعل وهذا يناسب حال العبد في هذا الموقف ورغبته في النجاة بأى وسيلة، من مغفرة الله عز وجل أو شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم او عمل صالح ادخره لهذا اليوم. ومن الأمثلة كذلك قوله تعالى "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت" والنكتة هنا في البناء للمجهول هي تغييب الفاعل الذى يجحده هؤلاء الكافرون، ليفسح مجال النظر إلى دلائل قدرته التى لم يدعيها أحد غيره سبحانه، فإذا سلم هؤلاء الجاحدون بما فى هذه المخلوقات من حكمة وقدرة وإبداع لا يدعيها أحد غيره سبحانه ولا يصح نسبتها إلى أحد سواه ، فقد سلموا بأنه لا خالق غيره ولا رب سواه. ومن ثم جاء اختيار البناء للمجهول أى لإفساح المجال للنظر فى الأدلة الدالة على الفاعل الصانع ليتوصل إليه المشركون ويقروا به بأنفسهم فيكون هذا الطريق أقوى في إقامة الحجة عليهم كل من طريق التصريح بالفاعل.

ومن الأمثلة القرآنية أيضا: قول الله تعالى : "زين للذين كفروا الحياة الدنيا" (البقرة : 212 ) وقوله تعالى "زين للناس حب الشهوات" (آل عمران : 14 ) حيث يطيل المفسرون والمتكلمون الوقوف فى البحث عن فاعل التزيين هل هو الله أم الشيطان ؟ وتأتى الآيات بالبناء للمجهول فى تلك المواضع لتفسح المجال لتأمل حقيقة أمر هذه الحياة الدنيا وهو أنه مجرد تزيين وتغرير "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" (ال عمران :185) ويدع القران أولئك المتكلمين فيما يخوضون فيه فلا يبالى بإجابتهم عن المزين هل هو الله أم الشيطان.

البناء للمجهول (محمد قطب)

"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب" والتعبير موح بتعمق هذه الشهوات في كيان الإنسان. فهو لا يقول : زين للناس الشهوات، بل يقول : " زين للناس حب الشهوات" والشهوات محببة إلى النفس بذاتها ، فإذا زين هذا الحب كذلك، فهو إذن حب واغل في الأعماق . . ثم يعدد تلك الشهوات : "من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث" إنه بالفعل يجمع في هذا السياق كل الشهوات المحببة إلى النفس . . أو كل " الدوافع الفطرية " في الإنسان . ثم يعلن أنها مزينة للناس . وبناء الفعل للمجهول هنا يستوقف النظر كثيرا . . إنه لا يقول كما يقول في مواضع أخرى زين لهم الشيطان أعمالهم .. وقد قال سيدنا عمر لما نزلت هذه الاية : " والان يا رب إذ زينتها لنا ! " قيل فنزلت الاية التالية : " قل : أؤنبكم بخير من ذلكم ؟ " إنه مما لا شك فيه أن هذه "حقيقة واقعة " بالنسبة للإنسان : أن هذه الشهوات عميقة في حسه واغلة في أعماقه. ومما لا شك فيه كذلك أن الله هو خالق هذه الفطرة البشرية ، وهو الذي أودع فيها لحكمة يريدها هذه الدوافع الفطرية ، وجعلها قوية دافعة دفاقة . . إن الله جعل الإنسان خليفة في الأرض ، وكلفه بعمارتها. وما كلف أحد بهذه العمارة إلا الإنسان، وما أهل أحد لعمارتها غيره . . وإن هذه الدوافع  بكل قوتها لهي من المؤهلات التي أهل بها الإنسان للقيام بعمارة الارض. فهي التي تدفعه للإنتاج وللإنشاء وللتعمير وللتصنيع. ولولا عمق هذه الدوافع الفطرية وقوتها لقعدت صعاب كثيرة دون الإنسان وعمارة الأرض. ولبقي حياته كلها محصورا في نطاق ضيق من الأرض ؟ ونطاق ضيق من الحياة . . وإذن فقد كان لحكمة عليا أن تكون هذه الدوافع بهذه القوة في كيان الإنسان . . ولكن الله العليم الحكيم. الذي أودع الفطرة تلك الدوافع القوية. لم يدعها تعمل وحدها والله يعلم سبحانه أنها إن عملت وحدها فسوف تعطب الإنسان وتدمره . . و انما جعل معها ضوابط تضبط انطلاقها وجعل هذه الضوابط فطرية كذلك كما أن الدوافع فطربة. وجعلها محكومة بقوة الإنسان المريدة الواعية التي اكتسبها من النفخة العلوية في قبضة الطين : " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". فالإنسان إذن بفطرته مشتمل على دوافع فطرية وضوابط فطرية. وفي حالة التوازن بين هذه وتلك فإن الإنسان يكون كما خلقه الله " في أحسن تقويم ". أما حين تغلب الدوافع الفطرية فتنقلب إلى شهوات مدمرة فهنا ينقلب الإنسان "أسفل سافلين". " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين إلا ا لذين امنوا . . . "

وهذا هو المجال الذي يعمل فيه الشيطان : تزيين هذه الشهوات بقدر زائد عن الحد، وتخذيل الضوابط عن العمل وتخديرها حتى تخف قبضتها فيتسنى للشهوات أن تنطلق بلا ضابط ومن هنا يأتي الفعل " زين" مبنيا للمجهول ليتم المعنيان معا في ذات الوقت! ففي صورتها الطبيعية الملتزمة بحدود الله هي مزبنة من عند الله . . وفي صورتها الفاحشة غير الملتزمة بحدود الله، هي مزينة من عند الشيطان. والتلميح هنا إلى المعنى الثاني لأنها تصد الناس عن الإيمان، وإن كان هذا لا ينفي المعنى الأول الذي فهمه عمر رضي الله عنه. لذلك يقول فقط إن هذا متاع الحياة الدنيا، دون أن يضع متاع الحياة الدنيا في موضع الذم. بل يقول فقط إن الله عنده ما هو خير منه .

انتقال الكلام

إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين(45)ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين(46)قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون(47)ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل(48)ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين(49) (آل عمران)

"ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل" هل هو استمرار للحوار مع مريم! استمرار لوحي إلله لها. أي أنه إنباء لمريم بأن عيسى سيولد. بمشيئة الله ألتي تقول للشيء كن فيكون، وسيعلمه ربه الكتاب والحكمة وسيرسله رسولا الى بني اسرائيل . . كل ذلك في المستقبل؟ أم إن الحوار انتهى عند قوله تعالى " . . فإنما يقول له كن فيكون " وهذا إخبار عن الماضي، أنه قد ولد بالفعل، وعلمه  ربه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ثم أرسله رسولا إلى بني إسرائيل، وها هو ذا في لحظة الكلام هذه يقول لبني إسرائيل : إني قد جئتكم بآية من ربكم . ..

إنه هذه وتلك! فهو إنباء لمريم بالمستقبل. وهو تحقيق للإنباء . . فقد وقع بالفعل .. وها هي ذي الحلقة الأخيرة من الإنباء تتحقق أمام أعيننا في الحاضر! لو أن السينما هي التي تصور . . وصورت لنا هذا التداخل بين المستقبل والماضي والحاضر . . فصورت لنا الإنباء في لحظة الإيحاء به على أنه مستقبل ، ثم عادت فعرضت ما تحقق منه بالفعل، ثم وضعتنا أمام الحلقة الحاضرة فأعطتنا تفصيلاتها لنعيش معها خطوة خطوة .. لو أن السينما هي التي تصنع ذلك لقلنا إنها براعة تأخذ بالألباب ! .. وهذه مجرد ألفاظ . . لا صور تتحرك . . وألفاظ قليلة معدودة . . تعطينا كل هذه الذخيرة من الصور والمشاعر وحركة الأحداث

وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم(13)ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير(14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون(15)يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير(16) (لقمان)

هناك مفاجأة في السياق قد تمر عليها كثيرا دون أن نلحظها للطفها ودقتها ! " يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير" . إن المتكلم هنا هو لقمان .. عاد ليكمل موعظته لابنه بعد أن أوصاه بعدم الشرك لأن الشرك ظلم عظيم . . ولكن الكلام يأتي متصلا بعد قوله تعالى : " ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " بطريقة قد لا نلحظ معها تغير المتكلم في الايتين ! فالمتكلم في الاية الأولى هو الله سبحانه وتعال ، والمتكلم في الثانية هو لقمان . . ولكن الكلام يجري جريانا واحدا كأنه سياق واحد لمتكلم واحد! مثل هذا تجده في سورة طه : " "قال فمن ربكما ياموسى(49)قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى(50) قال فما بال القرون الأولى(51)قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى(52)الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى(53)" . فأين انتهى كلام موسى لفرعون، وأين بدأ الكلام الموجه من الله سبحانه وتعالى للبشر جميعا؟ إنك لا تحس بتغير المتكلم حتى تصل إلى لفظة " فأخرجنا " التي يتضح فيها أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى. كذلك هنا . . لولا كلمة " يا بني " ما شعرت أن المتكلم في السياق قد تغير! لأن لقمان يبدأ من حيث انتهى السياق السابق تماما، فيتحدث عن إنباء الله للبشر بما كانوا يعملون، ولوكان مثقال حبة من خردل! ما دلالة هذا ؟! لقد سار السياق هكذا: ولقد اتينا لقمان الحكمة . . . وإذ قال لقمان لابنه . . . ووصينا الإنسان بوالديه .. . يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل . . .. أي أن هناك انتقالا مستمرا- حتى الان - من سياق يكون المتكلم فيه هو الله سبحانه وتعالى، إلى سياق يكون المتكلم فيه هو لقمان . . فما دلالة ذلك؟ أما أنها من الوجهة الفنية جميلة، فلا شك في ذلك! ولا شك في أن المشهد هكذا أحفل بالحركة والإيحاء. أما الدلالة فالذي يحضرني الان منها - والله أعلم بما يريد - أن ما ينطق به البشر من حكمة، سواء كانوا أنبياء كما في قصة موسى، أو مجرد حكاء كما في قصة لقمان، هو من إيحاء الله . . فيستوي أن ينزله الله مباشرة أو ينطق به بعض خلقه . . ومن ثم يجيء الكلام متداخلا، لأن هذا وذاك من عند الله، ومن مراد الله الذي يريد - سبحانه - أن يبلغه لعباده . .

تعليق  من  الدمنهورى  (22/03/2013 @ 07:56:08 AM)

ممتاز وبارك الله فيكم الله اجعل القرآن ربيع قلوبنا

الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)