تدبُّر في معنى اليقين
الكاتب: أنجيلا وليد أصلان (أنقر لقراءة المزيد من مقالات الكاتب)
تاريخ الإضافة: 13/05/2010 - (ميلادي)  ~  30/05/1431 - (هجري) أرسل الى صديقنسخة ملائمة للطباعة

بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ لله على نعمةِ الإسلامِ والعقل وكفى..
اللهمَّ صلِّ على سيِّدِنا وقائدِنا محمَّد المصطفى..

أمَّا بعد،
في مسألةِ اليقين، ما معنى اليقين؟ وما هي مراتبُه؟
إذا ما رجعْنا إلى خير الكلامِ وهو كلامُ الله -عزَّ وجلَّ-، لرأيْنا أنَّ كلمة "يقين" قد ذُكرَتْ ثماني مرَّات. سنعتمدُ تتبُّع هذه الآيات لمعرفة معنى اليقين ومراتبه.
في قصَّة سيِّدنا عيسى -عليه السَّلام-، قالَ الله -عزَّ وجلَّ- في سورة النِّساء ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)). في هذه الآية، يمكنُ للقارئ أن يستنبط معنى اليقين، إذ إنَّ اليقين مخالفٌ للشَّكِّ، أيْ أنَّ اليقين هو العلم بالشَّيء. وتأكيد ذلك، الآية في سورة النَّجم، حين قالَ تعالى ((وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)). لذلك، فاليقين هو مخالفٌ للشَّكِّ مع العلم بالشيء وتحقيقِه. والله أعلم


وإذا ما انتقلْنا إلى قصَّةِ هُدهُد سليمان -عليه السَّلام- وملكة سبأ، حين قال تعالى في سورة النَّمل ((فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)). انطلاقاً من هذه الآية، يمكنُنا أن نزيد في معنى اليقين أو أن نرقِّعَ تعريفَنا. فاليقين يستلزمُ الإحاطة بعلم الشَّيء، لا العلم به فقط. والله أعلم
اليقين هو العلمُ بالشَّيء كما اتَّفقْنا، ومحلُّ العلم هو القلب، فقد قالَ الله في سورة الأعراف ((لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا)). وقد أتتْ كلمة "اليقين" في سورة الحاقَّة ((وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ)) بمعنى القرآن الكريم. وكيف لا؟ وهو كلامُ الله -عزَّ وجلَّ-. والإنسانُ بطبعِه قدْ يؤمنُ بأمورٍ معيَّنة ولكن يطالبُ بأدلَّة حسِّيَّة أو معنويَّة كي يترسَّخَ ذلك العلم في كيانِه وروحِه. والله -عزَّ وجلَّ- أمرَنا في سورة الحجر ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)). واليقينُ هو الموت، أي: يا عبدي، يا عبدَالله، اعبدْني في حياتِك حتَّى مماتِك إذْ إنَّ في مماتِكَ سوف تصلُ لقمَّةِ اليقين

.
كيف؟ لنراجعْ سورة التَّكاثر الذي حفظْناها منذ صغرِنا وغفلْنا عن معانٍ عظيمة في حناياها. إنَّ الإنسان السَّليم (عقلاً) يعلمُ ويؤمنُ أنَّ العذاب في الآخرة حقٌّ. يقولُ الله تعالى ((كلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ - لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)). ومعنى ذلك، أنَّ اليقين يبدأ علماً يقيناً (عقليَّاً)، وعندما يرى النَّار، يصيرُ عينَ اليقين )حسِّيَّاً). سُبحانَ الله


ولكن، ماذا يحصلُ للإنسانِ إذا ما دخلَ النَّار -نسألُ اللهَ حُسْنَ الخاتمة-؟ يقولُ الله تعالى في سورةِ الواقعة بعد وصفِ حالِ أصحاب الجنَّة وأصحاب النَّار ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ)). حينئذٍ، يصلُ الإنسانُ لقِمَّةِ اليقين لأنَّ جوارحَه كلَّها تعيش تلك الحقيقة. والله أعلم


وجميلُ اليقين يقينُ خليل الله سيِّدنا إبراهيم -عليه السَّلام- إذ ذُكرَتْ قصَّةُ يقينِه في سورة البقرة)) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً)). إنَّ خليل الله -عليه السَّلام- كان متيقِّناً قلباً بربوبيَّةِ الله (علم اليقين) ولكنَّ قلبَه طلبَ المزيدَ من الاطمئنان فطلبَ من الله دليلاً حسِّيَّاً، فطلبَ اللهُ منه ما طلب. وعندما اجتمعَتْ جميعُ أجزاء الطَّير أمام عيني سيِّدنا إبراهيم -عليه السَّلام-، ازدادَ اليقين (عين اليقين). ولمَّا نفخَ الله الرُّوحَ في الطَّير وبدأتْ تطير وتتحرَّك، تحرَّكَتْ جميع جوارح أب الأنبياء -عليه السَّلام- مع قلبِه وخفقَ إيماناً يقينيَّاً (حقَّ اليقين). والله أعلم

 

لا يوجد تعليقات.
الاسم: (*)
البريد الإلكتروني: (*) (لن يتم عرضه للزوار)
نص التعليق: (*)
 
الرجاء أدخال
الكلمات التالية:
(*)


 
ألرجاء أدخال المعلومات الاتية - (*)