وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تمهيد : المعروف والمنكر 

المعروف في اللغة : ضد المنكر ، والعرف ضد النكر ، والعارِفُ والعَروفُ الصبور ، ويطلق المعروف على الوجه لأن الإنسان يعرف به، كما يطلق على الجود وقيل : هو اسم ما تبذله وتسديه.([1])

المعروف في الاصطلاح : اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله ، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات .([2])

         وقيل : هو كل ما يحسن في الشرع .([3])

         وقيل : هو كل ما عرف في الشرع من خير وطاعة مندوباً كان أو واجباً ، وسمي معروفاً لأن العقول السليمة تعرفه .([4])

المنكر في اللغة : هو واحد المَناَكِر ، وهو النكر ، قال تعالى {لقد جئتم شيئاً نكراً} ، والنَكِير والإنْكارُ : تغيير المنكر ، والإنكارُ : الجحود ، والتناكرُ : التجاهل .([5])

المنكر في الاصطلاح : كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه.([6])

                        وقيل : ما عرف قبحه شرعاً وعقلاً .([7])

                        وقيل : كل قول وفعل وقصد قبحه الشارع ونهى عنه .([8])

 

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 

      اتفق علماء الأمة على القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما أثر عنهم من الأقوال مستدلين على ذلك بالكتاب والسنة ، ومن ذلك على السبيل المثال ما يلي:-

قال ابن حزم : اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم .([9])

وقال النووي : وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة ، وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين ، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ، ولا يعتد بخلافهم ، كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين : لا يكترث بخلافهم  في هذا ، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء ، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة.([10])

وقال أبو بكر بن العربي : في مطلق قوله تعالى {ولتكن منكم أمة}([11]) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يقوم به المسلم ، وإن لم يكن عدلاً ، خلافاً للمبتدعة الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العدالة.([12])

وقال أبو بكر بن الجصاص : أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه ، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة ، وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه .([13])

وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([14]) في الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت في الكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها.([15])

      وقد اختلف العلماء في هذا الوجوب هل هو عيني أو كفائي ، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي :-

أولاً القائلون أنه فرض عين :-

قال الزجاج : معنى (ولتكن منكم أمة ) ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير ، وتأمرون بالمعروف ، ولكن (من) تدخل هنا لتحض المخاطبين من سائر الأجناس ، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين .([16])

قال البغوي : كونوا أمة ، (من) صلة ليست للتبعيض كقوله تعالى {فاجتنبوا  الرجس من الأوثان}([17]) لم يرد اجتناب بعض الأوثان ، بل أراد فاجتنبوا الأوثان . ([18])

ومن الأقوال التي تفيد أن الأمر بالمعروف واجباً كفائياً ، ما يلي :-

قال القرطبي : و(من) في قوله (منكم) للتبعيض ، ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء ، وليس كل الناس علماء ، وقيل لبيان الجنس ، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك . قلت([19]) : القول الأول أصح ، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية. ([20])

قال أبو بكر بن العربي : في هذه الآية([21]) وفي التي بعدها وهي قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية . ([22]) 

قال أبو بكر بن الجصاص : {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } الآية قد حوت هذه الآية معنيين : أحدهما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والآخر أنه فرض على الكفاية ليس على كل أحد في نفسه . ([23])

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ... والله تعالى أخبر بأنه (أي الأمة) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فقد أوجب ذلك على الكفاية منها . ([24])

       والقول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي هو الراجح -والله أعلم- وهو الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم خلاف من ذكر .

      كما أن بعض العلماء ذهب إلى أنه قد ينتقل إلى فرض عيني ، كما قال النووي : ((ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو ، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، كمن يرى زوجته أو أولاده أو غلامه على منكر ، أو تقصير في المعروف)) ([25]) .

 متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحباً 

       قد يخرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الاستحباب ، وذلك في  ثلاث حالات :-

الأولى : أن يكون المأمور به مستحباً ، ولم يتواطأ أهل بلد على تركه ، ومن ذلك الأمر بنوافل الصلاة والصوم ، والصدقة ونحو ذلك من المستحبات . أو يكون الفعل المرتكب مكروهاً فيكون النهي عنه مستحباً .

الثانية : أن يكون المأمور به أمراً واجباً ، أو الفعل المرتكب أمراً محرماً ، لكنه يخشى إذا أمر ، أو نهى أن يلحقه الضرر أو الهلاك ، فيسقط عنه الوجوب ويبقى مستحباً في حقه([26]).

الثالثة : أن ينتصب لهذا الأمر ، بمعنى أن يتطوع مع أهل الحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمم المتقدمة 

       لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً على هذه الأمة فحسب ، بل كان واجباً من قبل على الأمم المتقدمة، كما دل على ذلك القرآن الكريم على النحو التالي :-

       قال تعالى {لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ داودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ *  كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}([27]). وترك النهي عن المنكر كان سبباً في استحقاق الكفار من بني إسرائيل اللعنة على ألسن الأنبياء داود وعيسى ابن مريم ، لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان، ولو لم يكن النهي عن المنكر واجباً عليهم لما استحقوا اللعنة على تركه .

       وقال تعالى { وَتَرَىَ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ *  لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرّبّانِيّونَ وَالأحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}([28])  قال ابن كثير : يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط {لبئس ما كانوا يصنعون} يعني من تركهم ذلك. وعن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون}([29]) .

       وقال القرطبي : ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.([30])

       وقوله تعالى:   {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}([31]).قال القرطبي : دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدّمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة([32]) .



 


([1])  الجوهري ، الصحاح 4/1401 . وابن منظور ، لسان العرب 9/236-243 .  والفيروز أبادي ، القاموس المحيط 3/173 . وإبراهيم أنيس ورفاقه ، المعجم الوسيط ص 595 .

([2])  ابن منظور ، لسان العرب 9/240 .  

([3])  الجرجاني ، التعريفات ص 221 .

([4])  البيانوني ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 7 . ط2 (دار السلام للنشر والتوزيع) .

([5])  الجوهري ، الصحاح 2/837 . وابن منظور ، لسان العرب 5/232-234 . 

([6])  ابن منظور ، لسان العرب 5/233 . 

([7])  ابن سعدي ، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1 /406 . 

([8])  الشهاوي ، الحسبة في الإسلام ص 9 . (مكتبة دار العروبة، القاهرة ، 1382 ) .  

([9])  الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/132 . 

([10])  شرح صحيح مسلم 2/22 . 

([11])  سورة آل عمران ، جزء من الآية 104 .

([12])  أحكام القرآن 1/292 .

([13])  أحكام القرآن 2/592 .

([14])  سورة آل عمران ، الآية 104 .

([15])  فتح القدير 1/368 . 

([16])  معاني القرآن وإعرابه ، أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج 1/462، 463 ، تحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي . (المكتبة المصرية ، بيروت ) .

([17])  سورة الحج ، الآية 30 .

([18])  معالم التنزيل 2/84 . ط1 (دار طيبة ، الرياض ، 1409) .

([19])  القائل هو القرطبي نفسه  .

([20])  الجامع لأحكام القرآن 4/106 . 

([21])  يقصد قوله تعالى  {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

([22])  أحكام القرآن 1/292 .

([23])  أحكام القرآن ، 2/35 . (المطبعة البهية ، مصر ، 1347هـ)  .

([24])  مجموع الفتاوي ، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم  28/125 . 

([25])  شرح صحيح مسلم 2/23  .

([26])  انظر : تنبيه الغافلين : ص 47-62 ، 97-99 . وانظر : أصول الدعوة ص 189 ،  191 . (دار عمر بن الخطاب للنش والتوزيع ، الإسكندرية) .

([27])  سورة المائدة ، الآيتان  78، 79 .

([28])  سورة المائدة ، الآيتان 62،63 . 

([29])  تفسير القرآن العظيم 2/75 .

([30])  تفسير القرطبي 6/153 . 

([31])  سورة آل عمران ، الآية 21 . 

([32])  تفسير القرطبي 4/31 .  

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة