هل يقول القرآن بالجبرية؟

يسألنا احد الاخوة : هل القرآن الكريم يقول بالجبرية في الايات التالية: "الا امرأته قدرناها من الغابرين" – "لو شاء الله لهداكم اجمعين"- "ان الله يهدي من يشاء" .

و جوابنا : بديهي ان عقيدة الاسلام لا تقول بالجبر و لننظر الى الآية التالية لنرى رد القرآن الكريم على من يدعي بأنه مجبر على اعماله:

سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون(148)قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين(149) و في تفسير الطبري نرى : "قل فلله الحجة البالغة" أي التي تقطع عذر المحجوج, وتزيل الشك عمن نظر فيها. فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد, وإرساله الرسل والأنبياء; فبين التوحيد بالنظر في المخلوقات, وأيد الرسل بالمعجزات, ولزم أمره كل مكلف. فأما علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد, إلا من ارتضى من رسول. ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه. وقد لبست المعتزلة بقول: "لو شاء الله ما أشركنا" فقالوا: قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته. وتعلقهم بذلك باطل; لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق.وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب. نظيره "وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم"[الزخرف: 20]. ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم; لأن الله تعالى يقول: "لو شاء الله ما أشركوا" [الأنعام: 107]. و"ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله" [الأنعام: 111]. "ولو شاء لهداكم أجمعين" [النحل: 9]. ومثله كثير. فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى.

نلاحظ في هذا التفسير تطبيق القاعدة التي سبق و قلناها حول فصل عالم الغيب عن عالم الشهادة. فمن الواضح جدا اذا نظرنا الى افعالنا من حيث تعلقها بنا أن الانسان مخير فلا احد يجبرني الآن على كتابة هذه الرسالة و لو اردت كان بامكاني ان اشاهد التلفزيون. اما اذا نظرت الى افعالي من حيث تعلقها بعالم الغيب فلن يكون حكمي بمنتهى الوضوح كوني لا اعرف عنه الا ما اخبرني الله تعالى به. و اذكر مرة ان الشيخ الشعراوي حاول شرح هذه المسألة لينفي الجبرية على الاعمال فاعطى مثلا بان الاستاذ قد يعلم ما سيقوم به تلميذه انطلاقا مما يعلمه عنه من صفات و اخلاق و لكنه لا يكون مجبرا له على هذه الافعال و ان علم بها مسبقا. و هذا مثال حاول فيه الشيخ الشعراوي تمثيل الوضع قدر المستطاع و لكني مع ذلك لا ارى وجه الشبه بل ارى فيه خوضا في الغيبيات فمن يستطيع تفسير علاقة علم الله بارادته تفسيرا كاملا؟ و من قال بان علم الله معناه التنبؤ بما سيحصل؟ و ليس الجدل هنا في ان التنبؤ ليس يقينيا فمن المؤكد بأن الشيخ الشعراوي يعتبره يقينيا في حق الله. و لكن الجدل في التخمين بأن الله ينتظر معنا تحقق ما قضى به علمه مثلما ينتظر الاستاذ تحقق ما تنبأ به عن تلميذه. من جهتي لا ارى هذا المثل صالحا و لربما استعمله الشيخ ليوضح للعامة ما التبس عليهم فهمه و لكن شخصيا افضل عدم الخوض في الغيبيات او محاولة تمثيلها بامثلة واقعية. و في ما يلي مقطع مهم من كتاب اصول العقائد الاسلامية يزيل هذا الالتباس حول مفهوم التسيير و التخيير حين يرفض الخوض في صفات الله و الوهم الناتج عن تصور علم الله و كأنه سابق لارادته.

اصول العقائد الاسلامية (عبدالله عرواني)

معنى القضاء: علم الله جل جلاله وإرادته للأشياء في الأزل على الصورة التي ستوجد عليها -وعلم الله لا يتغير.

 معنى القدر: إيجاد تلك الأشياء في عالم الظهور على وجه تفصيلي يوافق القضاء السابق فلا يمكن أن تتخلف أبدا.

إن الإيمان بالقدر ركن أساسي من أركان الإيمان، وهو في حقيقته إيمان بالصفات الثلاث التي مر ذكرها، وهي :

-علم الله -إرادته - قدرته. فالأمور كلها سبقت في علم الله سبحانه أزلا، وخصصها سبحانه بإرادته العلية ، ويبرزها بقدرته في الوقت المعلوم. فكل ما كان وما يكون من نعمة أو مصيبة أو نفع أو ضر، هوبتقدير الله تعالى، كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه مسلم وأحمد عن ابن عمر: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس". وقد يتوهم البعض من هذا أن العبد مجبر لا مخير، ثم يبنون على هذا الظن ما تسوله لهم أنفسهم من عدم المسؤولية، إلى غير ذلك من الظنون. والحقيقة أن الإنسان في أفعاله الاختيارية مختار في كسبه للخير او الشر، وهذا الاختيار تحسه أنفسنا، ولن نستطيع له جحودا وإنكارا إن كان هناك إنصاف وتعقل، والقران الكريم يدل لهذا دلالة واضحة، فقد نطق بأن المؤاخذة كانت "بما كانوا يعملون" "بما كانوا يفسقون" "بما كانوا يكسبون"  كما اخبر بقيام الحجة على الخلق "قل فلله الحجة البالغة" و لو كان الأمر إجبارا فكيف تقوم الحجة عليهم ، وهل يتأتى من الرحمن الرحيم أن يجبر عبده على المعصية ثم يعذبه عليها؟! وهل يكون على هذا مكان لإرسال الرسل وإنزال الكتب وشرع الشرائع، والتقدم بالوعد والوعيد، والإنذار والتبشير؟ ! إذا فسرنا القضاء بالعلم الإلهي الأزلي الذي سبق من الله تعالى بما سيفعله العبد بمحض اختياره فليس فيه معنى الإجبار مطلقا، وإذا كان القضاء الإلهي هو العلم الأزلي مع تعلق الإرادة الإلهية بالأشياء أزلا فلا إجبار أيضا، ذلك أن الإرادة هي التخصيص للشيء بما سيكون عليه، وهذا التخصيص مطابق للعلم دون أن يكون متأخرا عنه في الثبوت، فالعلم والإرادة صفتان أزليتان متصف ربنا سبحانه بهما في الأزل، والمطابقة بينهما كائنة دون سبق العلم على الإرادة، فتعلق الإرادة على وفق العلم من الأزل، والعلم قد انكشفت به الأشياء على ما ستكون عليه، انكشف به: أن فلانا من الناس مثلا سيعمل السوء بمحض اختياره، وسيكون شقيا، وفلانا  سيعمل الخير بمحض اختياره، وسيكون سعيدا بفضل الله سبحانه وتعالى : "فمن يعمل ثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره" . يقول الشيخ العارف جلال الدين الرومي : "إن الإنسان مفطور على عقيدة الاختيار، وهو يمثل هذه العقيده ويطبقها في حياته اليومية، ويقرر بعمله وسلوكه الاختيار و ينكر الجبر، فلا يعاقب الجماد ولا يغضب على الحجر والخشب والسيل والنار والريح مهما لحقه الأذى والعنت من هذه الأشياء، إما إذا تعرض إنسان لإهانتك أو هتك عرضك ثرت عليه، وعاقبته عقابا شديدا. فدل ذلك على أنك تميز بين المجبور والمختار، وتعتقد أن الإنسان صاحب اختيار وإرادة، فتحاسبه وتعاتبه وتعاقبه، وتشكوه وتلومه، ولا تقبل له عذرا لأنه مخير ليس بمجبور". ويقول الإمام أحمد السرهندي رحمه الله تعالى : "أعطى الحق سبحانه عباده قدرة وإرادة يكتسبون بهما الأفعال باختيارهم، فخلق الأفعال منسوب إلى الله سبحانه، وكسبها إلى العباد، وعادة الله جارية على أن العبد إذا قصد فعل شيء من أفعاله وتشبث باسبابه، يتعلق بذلك الفعل خلقه سبحانه وتعالى، فإذا كان صدور الفعل من العبد بقصده واختياره يكون متعلق المدح والذم والثواب والعقاب بالضرورة " وقال رحمه الله تعالى : "إن الاختيار لو لم يكن ثابتا للعبد حقيقة لما نسب الله تعالى الظلم إلى العباد. . ."

فهم الصحابة للقضاء والقدر:

في قصة خروج سيدنا عمر رضي الله عنه إلى الشام ووقوع الطاعون فيها . . . قال أبوعبيدة رضي الله عنه : أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نفر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كانت لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله . . . "

أقبل شيخ إلى علي رضي الله عنه بعد انصرافه من صفين يسأله قال الشيخ : أخبرني عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ قال علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما وطئنا موطئا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء الله وقدره. قال الشيخ : عند الله أحتسب خطاي، ما أرى لي من الأمرشيئا. قال علي :" مه أيها الشيخ ! عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين ! ! قال الشيخ : فكيف ساقنا القضاء والقدر؟! قال علي : ويحك ! لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما؟ لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تأت لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن .. مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان، وشهود الزور وأهل العمى. الصواب إن الله أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف يسرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا "ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار"

أثر عقيدة القضاء والقدر في نفوس المسلمين:

 يدعي الجاحدون أن الإيمان بقضاء الله وقدره مدعاة للتواكل، فعين على الخمول والكسل ! ! وهذه الدعوى منقوضة من أساسها . فإن الإيمان بالقضاء والقدر كما جاء به الإسلام، وثبت بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والسلوك العملي للصحابة الكرام مفروض على المؤمنين في النتائج، لا في الأسباب، فهم مطالبون بالأسباب مفروض عليهم السعي لها والأخذ بها. مطالبون بعد ذلك بان يتركوا النتائج لله الواحد الأحد. ومن هنا كانت عقيدة القضاء والقدر سر عظمة المسلمين الأولين، لأنهم أخذوا بالأسباب وبذلوا جهدهم في استقصائها إنفاذا لأمر الله، ولم يتهيبوا النتائج الضارة المؤلمة رضا بقضاء الله ففازوا بالحسنيين. وانظر أي أفق ذاك الذي يحلق فيه المؤمن وأي طمأنينة تشيع في جنبات نفسه عندما يوقن بقول رسول الله : "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك " . والمؤمنون حقا حين يخرجون إلى الجهاد لا يبالون بما أصابهم في سبيل الله. وما ابتلى الناس بهذا التواكل والكسل ، إلا يوم آمنوا بالقضاء والقدر إيمانا معكوسا ، فأخذوه في الأسباب فلم يستعدوا ، ونسوه في النتائج فلم يرضوا . ولا ذنب في هذا العكس للعقيدة ولا للإيمان.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة