هل يتعارض العقل مع الدين؟

اطرح هذا السؤال لأن احد الاخوة استغرب الكلام بخصوص ان العقل عليه ان يتأقلم مع اوامر الدين واحكامه وقضاياه بما يوحي ان بينهما تعارضا.. والجواب ان مصطلح العقل مبهم.. فهو يطلق في العادة على امور ثلاثة: -        ادلة المنطق وهي قوانين عقلية منطقية كعدم جواز اجتماع النقيضين وقانون السببية وهذه لا خلاف فيها ان العقل يتوافق فيها مع الدين.. فالحق لا يتعدد -         وممكن يطلق على العقل الشخصي التابع لكل انسان وهو ما نسميه نحن بالهوى ويسميه آخرون بالشخصية او العقلية او الطبع.. ولا خلاف هنا ايضا في ان هذا العقل مرفوض ومتعارض مع الاسلام.. -        ويبقى الاشكال الاخير في موضوع العقل الجماعي للبشرية والناشيء من مزيج من الفطرة السليمة ومن ضمير المجتمع الاخلاقي.. وهو ما قصدته في كلامي حينما تحدثت عن تطويع العقل ليتناسب مع الحكم الآلهي بما يتضمن من اوامر ونواهي واخبار من رب العالمين.. ذلك لأن هذا العقل هو ميزان ناقص.. لا يرى كل الامور.. وهو عقل مربوط بامور مادية محسوسة صعب ان يخرج عليها.. وبما ان كلمة عقل مبهمة كما قدمت فساستبدلها بعبارة "عقل انساني" فأقول ان هذا العقل الذي سبق وعرفناه انه نتاج الفطرة السليمة و الضمير الاجتماعي الصادق يتوافق مع الاحكام الربانية في امور ويتباين معها في امور اخرى.. وفي تلك التي يتباين فيها عليه ان يبذل جهودا كي يكيف نفسه معها.. جهود شبيهة بتلك الجهود التي تبذلها المرأة التي تزوجت حديثا كي تتكيف مع عالم الرجال.. طبعا ولله المثل الاعلى.. فمن الامور المتوافقة مثلا: الاحساس بالنقص والحاجة الى الدين. استبشاع الظلم والسرقة وسفك الدماء والشذوذ الجنسي.. التوق الى عالم مثالي يكافىء فيه المحسن ويعاقب المسيء.. ومن الامور المباينة: ميل الانسان الفطري الى الانفلات من اي قيد.. ميل الانسان الى المساواة.. ميله الى الروحانية التصوفيه في نظرته لله... طبعا استعمل كلمة تباين لا تعارض لان التعارض يوحي بالتضاد الابدي فيما كلمة تباين هي مجرد اختلاف يجري تضييقه مع الوقت ومع ازدياد الايمان... ومع كل هذا التوضيح اشعر ان كلامي هذا قد يثير اعتراضا عند البعض الذي يميل الى تبسيط كل امور الدين وحيثياته عبر تصويرها امورا فطرية جبل الانسان على معرفتها .. وردي على هؤلاء ان لو كان الحال كذلك فما حاجتنا الى الرسل؟؟ ولم ينزل الله علينا الكتب والاحكام ؟ ولم يخبرنا عن اسمائه وصفاته؟  ولم يخبرنا بطرق العبادة التي يريدها منا؟ وفيما يلي ساعرض لبعض المفاهيم الخلافية التي تبين ضرورة اعتناق هذا التباين بين مفهوم العقل الانساني والحكمة الربانية كي نستطيع ان نفهم الاسلام بطريقة متجانسة لا تناقض فيها. 1. القصاص: انساني ام رباني ما اجمله من قول لتوضيح الفكرة التي نتكلم عنها ما نقله لي احد الاخوة حينما سمع من احد المبشرين كلام نقد عنيف حول العقوبة القاسية للسارق حيث قال المخالف: هذه ليست عقوبة انسانية فاجابه الاخ ببرودة اعصاب: صدقت.. انها عقوبة ربانية.. ومن هذه الملاحظة الدقيقة نستطيع ان ندرك اسباب ضلال كثير من الناس –حتى ذوو النية الصافية- حين حاولوا فهم الاسلام كنظام قبل ان يفهموه كعقيدة.. فاصطدموا بصخور الحكمة الربانية الخفية التي تباينت مع افهامهم البشرية للمثل والفضائل.. 2. هل كل اسماء الله وصفاته تعرف بالفطرة؟ بداية يهمني ان اوضح اني لن ادخل في الخلاف الاصطلاحي المعروف في علم العقيدة بين الاسماء والصفات  بل هما في هذا المقال مترادفين فحينما اقول الحليم اسم من اسماء الله معناها انه يتصف بصفة الحلم والعكس بالعكس.. وسؤالي ان افترضنا ان العقل يستطيع ان يحكم بوجود بضعة صفات لله مثل القدرة والعلم فهل له ان يكتشف وحده وجود صفة التكبر والجبروت؟؟ ولو لم يخبرنا الله عن نفسه انه يمكر ويكيد وينتقم ويضحك فهل كنا لنستعمل هذه الصفات بحقه؟؟ اعتقد ان الجواب سلبي..  طبعا يهمني ان اؤكد ان كل هذه الصفات بعيدة عن صفات المخلوقات والبشر فلا يليق بكمال الله التشبيه وبعيدة عن مفهوم الظلم كذلك فالظلم لا يليق بكمال الله.. ولكن هذا لا ينفي مع ذلك ان معرفتها ليست فطرية بديهية ابدا بل هي مما اخبرنا بها الله عن نفسه ولهذا نقول ان صفات الله واسماءه توقيفيفة فلا نستعمل بحقه الا ما استعمله لنفسه... 3. هل خلق الله اصلح عالم ممكن ؟ طبعا هذا سؤال حير الفلاسفة الايمانيين وعلماء الكلام قديما وحديثا حيث ذهب البعض منهم ان الله خلق افضل عالم ممكن ففي نظرهم يؤدي الاخذ بالاحتمال المعاكس الى نقض كمال الله  اذ لا يتصور من الإله الا ان يأتي بالأفضل.. وهو كلام ظاهره سليم غير ان الواقع يناقضه فالانسان ممكن يتخيل دوما ان هناك عالما افضل من عالمنا.. عالم ليس فيه شر مطلقا ولا عقوبة.. عالم ملائكي طوباوي.. وبالتالي فهناك خطب ما في هذا التقرير يجب ايضاحه الا وهو ان الخير الحقيقي والحسن الحقيقي هو ما حسنه الله والسيء هو ما حكم الله عليه بأنه سيء.. فاذا انصعنا لهذا المفهوم تصبح الاجابة على سؤال "هل خلق الله افضل العوالم الممكنة" مفروغا منها فالحسن بهذه النظرة هو ما حسنه الله لا ما حسنه عقلنا الانساني. 4.  مسائل متشعبة اخرى من المسائل المتشعبة ايضا مسائل هل الانسان مخير ام مسير؟ ولم خلق الله الله ابليس؟ ولم تكون عقوبة الكافر الخلود في نار جهنم رغم انه لم يعص ربه الا مقدار عمره؟؟ وهذه كلها اسئلة نجد كمسلمين حلولا منطقية وعقلانية لها ولكن الامر الوحيد الذي لا نستطيع الاجابة عليه هو "لم اختار الله ان تكون الامور بهذا الشكل؟" فهو يدخل في علم الله تعالى الذي لم يطلعنا عليه: "لا يسأل عم يفعل وهم يسألون" 5. رد الغزالي على المعتزلة في مسألة تحكيم العقل. ومن ابلغ الامثلة على ما نقول رد الامام الغزالي على المعتزلة الذين فرضوا العقل حاكما على كل شيء. حيث قال: " وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله برعاية الاصلح عن مسألة نعرضها عليه، وهو ان يفرض مناظرة قي الأخرة بين صبى وبالغ كانا مسلمين، فان الله يزيد فى درجات البالغ ويفضله على الصبي، لأنه تعب بالايمان بعد البلوغ، ويجب عليه ذلك عند المعتزلى، فلو قال الصبي: يا رب لم رفعت منزلته على؟ فيقول: لأنه بلغ واجتهد في الطاعات، فيقول الصبى أنت أمتني في الصبا، فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى ابلغ فاجتهد، فقد عدلت عن العدل في التفضل عليه بطول العمر دوني، فلم فضلته؟ فيفول الله : لأني علمت انك لو بلغت لاشركت أو عصيت، فكان الاصلح لك الموت في الصبا، هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل، وعند هذا ينادي الكفار من دركات لظى، ويقولون : يا رب! أما علمت اننا إذا بلغنا اشركنا، فهلا امتنا في الصبا، فانا رضينا بما دون منزلة الصبى المسلم، فبماذا يجاب عن ذلك، وهل يجب عند هذا الا القطع بان الأمور الالهية تتعالى بحكم الجلال عن ان توزن بميزان اهل الاعتزال.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
1 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة