هل صعوبة فهم التثليث مشابهة لصعوبة فهم الازلية؟

الاوسمة: 

فيما يلي كاتب نصراني يقول هذا الكلام والرد عليه.

من الملاحظ فى الفترة الأخيرة أثناء النقاش الدائر حول الثالوث القدوس، أن كثيرا من المسلمين يبدون إندهاشهم من صعوبة الموضوع وعدم القدرة على إستيعابة أو فهمه. كما يقول آخرون أن هناك تعقيداً كبيراً فى الإيمان المسيحى تجعل منه إيماناً دوغماتياً أى إيماناً بلا فهم وإستيعاب، بل فقط إيمان.

ولا شك فى أن عقلنا البشرى رغم إمكانياته الواسعة، هو فى النهاية محدود بقدرات معينة سمح لنا الله بها. وهو إن كان قادراً على إستيعاب الكثير جداً من الأفكار والعلوم والنظريات والمبادىء، فهناك حداً معيناً لا يستطيع تخطيه فى قدرته على هذا الإستيعاب. ولا يستطيع الإنسان بعد هذا الحد، إلا محاولة تقريب ما يعجز العقل عن إستيعابه إلى ما يمكن التعبير عنه بما لا يتحدى إمكاناته المحدودة.

 ومن الطبيعى أن كون الله غير محدوداً، يجعل من الإستيعاب الكامل لطبيعته أمراً خارج نطاق العقل البشرى رغم إمكاناته الكبيرة.  ولكن، عدم كمال هذا الإستيعاب، لم ولن يكن أبداً دافعاً أو مبرراً لعدم إيمان الإنسان بالله أو بطبيعته الغير محدودة. ولم يكن الإيمان فى نفس الوقت، يعنى إلغاء عقل الإنسان وتلجيمه ودفعه إلى الإقتناع قسراً بما هو ليس قادر على إستيعابه.

وقبل أن يقول أحد الإخوة المسلمون أن هذا الكلام ينطبق فقط على العقيدة المسيحية، فسأورد مثالين لفكرتين نؤمن بهما جميعاً - مسيحيين ومسلمين ويهود - ورغم ذلك فنحن لا نستطيع إستيعابهما بالكامل.

والأهم من ذلك، إننا لا نشعر فى الإيمان بهاتين الفكرتين بأى تعارض مع العقل والمنطق.

الفكرة الأولى - إرادة الإنسان

نحن جميعاً متفقين ومؤمنين على أن كل منا يمكل إرادة عاقلة يتخذ قراراته ويقوم بأفعاله وفقاً لما تمليه عليه. ونتفق أيضاً ونؤمن بأن الله سيحاسبنا بعد الموت على ما قمنا به من أفعال وأفكار وفقاً لتلك الإرادة.

وهنا تظهر المشكلة.

ما هى طبيعة تلك الإرادة؟ وإن كان الله خلق إرادة الإنسان، وهو بالتأكيد فعل، وتلك الإرادة هى التى يتخذ الأنسان قراراته وفقاً لها، فلماذا يحاسب الله الإنسان على أفعاله بعد ذلك؟

فلو كان الله خلق فى البشر إرادة وعقل مختلفين بعضهم عن بعض، فلماذا يتحمل البشر وزر ذلك الإختلاف؟

وإن كانت إرادات البشر كلها متماثلة، فكيف يختلف الناس في إختيار فعل الخير والشر؟

وتلك الكيفية التى يختلف بها الناس، من الذى أوجدها وخلقها؟ ومن الذى خلق الطريقة التى تتشكل بها إرادة الإنسان ليصبح خيَراً أو شريراً؟ بالتأكيد هو الله خالق كل الأشياء التى ترى والتى لا ترى.

إذن فسوف نعود إلى نقطة البداية ونسأل، لماذا سيُحاسب البشر على ذلك الإختلاف الذى هو من عمل الله؟

وحتى لا أطيل أكثر من ذلك، فالمشكلة بإختصار هى صعوبة إستيعاب كيفية تحمل الإنسان لنتيجة أفعاله، فى نفس الوقت الذى تكون فيه تلك الأفعال هى نتيجة إرادة ليس للإنسان دخل فى صنعها، أو تشكيلها.

الفكرة الثانية - أزلية الله

المثال الثانى والذى أتمنى أن يكون أكثر وضوحاً هو أزلية وجود الله. ونحن جميعاً بلا شك نؤمن بأن الله أزلى - أى موجود منذ الأزل - وأبدى - أى سيبقى إلى الأبد.

فهل نحن قادرين على إستيعاب مفهوم أزلية وجود الله، أو فكرة الأزلية بصفة عامة؟

فماذا تعنى الأزلية؟ هل هى من مليون عام؟ بالطبع لا.

هل تعنى مليار؟ لا أكثر بكثير

هل هى من مليارات المليارات من القرون؟ لا بالطبع، من قبل ذلك.

منذ متى بالضبط؟ ليس من وقت معين، بل منذ الأزل وقبل كل الأزمنة والأوقات.

إن كلمة - منذ - وكلمة - قبل - تعنيان الوقت، فما هو الوقت ولو بالتقريب؟

ليس وقت وليس منذ وليس قبل. بل هو الأزل.

والغريب فى الأمر، والذى يوضح أكثر كيف أن عقل الإنسان يستطيع إستيعاب بعض الأشياء، ولا يستطيع إستيعاب أشياء أخرى، هو إننا نستطيع فهم وإدراك وتخيل فكرة الأبدية، أى اللانهاية فى إتجاه المستقبل، وهى عكس فكرة الأبدية او اللانهاية فى إتجاه الماضى.

فالله سيبقى إلى الأبد. والبشر سيبقون إلى الأبد فى النعيم أو الجحيم. أى سيذهبون إلى مكان ما ويبقون فيه بلا تغيير. والملائكة سيبقون مع الأبرار إلى الأبد، والشيطان سيبقى مع الأشرار فى الجحيم إلى الأبد، وهكذا.

ولكن، لسبب ما، فإستيعاب أو تخيل تلك الفكرة، أى الأبدية، أسهل كثيراً من إستيعاب أو تخيل فكرة الأزلية وما يستتبعها من فكرة أزلية وجود الله.

وأنا لا أقول إن شرح أزلية الله أو إرادة الإنسان هو من الأمور المستحيلة، ولكن شرحهما لن يكون أبداً سهلاً أو بسيطاً أو خالياً من التساؤلات الصعبة والمعقدة.

ولا يظن أحد إن تلك الأفكار ليست مهمة لمجرد إننا لا نتناقش فيها. فنحن لا نطرحها للنقاش فقط لأننا متفقون عليها ومؤمنين بها، ولكن لو إشترك ملحدون معنا فى النقاش، فإن تلك التساؤلات وغيرها ستكون الموضوع الأساسى للبحث والنقاش. وسيقولون مراراً إنهم لا يستطيعون إستيعاب وفهم أزلية الله أو عدالة فكرة الحساب بعد الموت، وهما الفكرتان الأساسيتان اللتان ينكرهما أى ملحد.

فهل عدم إستيعاب أزلية الله، هى مبرر ودافع منطقى لعدم الإيمان بها؟

والسؤال الأهم، هل يعنى إيمان الإنسان بوجود الله - ذلك الإيمان الذى يستلزم بالضرورة الإيمان بأزليته - هل يعنى إلغاء عقله أو خداع نفسه لأنه فقط عاجز عن الفهم التام لتلك الأزلية؟

أم أن الواقع هو أن من ينكر وجود الله، فهو يفعل ذلك من باب العناد والكبر ورفض لفكرة وجود من هو أقوى وأقدر وأعلم منه، كان له الفضل فى خلقه، وسيحاسبه بعد الموت؟

و كذلك نسأل، هل السبب الحقيقى لرفض الإيمان المسيحى هو عدم فهم وحدانية الثالوث أو تجسد الكلمة أو إتحاد اللاهوت بالناسوت؟

أم أن الواقع هو أن السبب الحقيقى لهذا الرفض بكل صراحة وبكل موضوعية هو عدم قبول فكرة تجسد الله فى شكل إنسان وحياته على الأرض وموته على الصليب على الرغم من سهولة فهم ذلك؟

أعتذر عن الإطالة

وشكراً

بولس

الرد

ازلية الله سهلة الفهم لأن الله ليس متغيرا حتى يحتاج للزمن، والصعوبة في فهمنا لهذا الامر ان عقلنا لا يستطيع تخيل اي امر خارج الزمان والمكان تماما مثل لعبة الزمبرك التي تظن ان صانعها لا بد وان يتحرك بزمبرك مثلها وموضوع تخيير الانسان او تسييره سهل الفهم ايضا لأن من يدعي انه مسير تماما هو مكابر فكلنا يعلم اننا نملك الاختيار في كثير من الامور. والعقل لا يستطيع الاحاطة بعلم الله و قدرته حتى يعرف كيف تنسجم حرية الاختيار مع ارادة وعلم الله منذ الازل بما سنفعله.

نتوصل الى:

1- الله ازلي:

أ- امر منسجم مع المنطق لا بل بفرضه المنطق لأن ما ليس ازليا هو حادث وهذا يتناقض مع صفات الكمال.

ب- ولكن مع ذلك فاننا لا نستطيع ان نتخيل او نحيط بهذه الصفة مثل اي صفة من صفات الله لأن ما هو محدود لا يحيط باللا محدود.

2- التخيير والتسيير.

أ- الانسان مخير وهذا امر حسي نراه بالمشاهدة.

ب- من موجبات كمال الله انه يعلم بما سنقوم به وانه شاء به والا كان جاهلا او ضعيفا يجري في ملكه ما لا يشاء به وهذا من صفات النقص.

ج- لا نستطيع الاحاطة بهذا الامر لأنه متعلق بصفات الله والمحدود لا يستوعب اللا محدود.

3- الله مثلث الاقانيم.

أ- هل اخبرنا الله بهذا؟ المسلمون يقولون بأن الله واحد لأن الله اخبرهم بذلك والنصارى يقولون بأن الله اخبرهم بأنه مثلث الاقانيم. ولكن حجتنا الاولى عليهم بأن هذا ليس واردا بشكل واضح كما هي عقيدة المسلمين وجميع الانبياء من قبل. انه ليس واضحا حتى في كتابهم المقدس مع كثرة ما حرفوا فيه.

ب- ما هي هذه الاقانيم؟ اذا كانت غيبية كلها فكأنك تفسر الماء بالماء لأنك تفسر ما هو غيبي بما هو غيبي وتخوض فيما لا يستوعب وتحاول ان تفسر ما لا يفسر. انك تحاول ان تفسر الذات الآلهية وعلاقات هذه الذات مع بعضها كأن تقول ان صفة العلم هي مزيج من ابنوسين هما الكشف والاحاطة وعلاقة ابنوس الكشف بابنوس الاحاطة ليست علاقة ازلية لأن الاحاطة مزجت مع ابنوس ثالث هو المعرفة في مرحلة معينة من التاريخ ... (كلمة ابنوس اخترعتها هنا كما اخترعوا كلمة اقنوم).

ج- ولو انهم اكتفوا بهذا لكانت نصف مصيبة ولكنهم اصروا على ان يجعلوا احد هذه الاقانيم بشرية ملموسة محسوسة، وهنا نقلوا المعركة من اطارها الغيبي الى اطار حسي فجوزوا ان يصبح المخلوق الها او جزءا من اله وجعلوا الله او جزءا منه او صفة من صفاته او مظهرا من مظاهره او اقنوما منه او ابنوسا منه آلها (طبعا لا نسلم بأن الله يتجزىء في المقام الاول) والقرآن الكريم ركز على هذه النقطة كثيرا لأنها الاسهل على العامي الذي خلق على الفطرة ان يستوعبها.

4- خلاصة:

لا يوجد اي وجه شبه بين موضوع التثليث ومواضيع صفات الله في الاسلام.

أ- لا يوجد اي تفسير لصفات الله ينتج منه نقصان بحق الله وهذا موجود في النصرانية.

ب- لا يوجد اي تفسير لصفات الله يحاول سبر هذه الصفات و تشريحها الى مصطلحات غيبية اخرى.

ج- لا يوجد اي جزء حسي مكون لصفات الله بينما النصارى يؤمنون بأن المسيح الجسد هو جزء من الله وهذا شبيه بأن اقول بأن علمي هو جزء من علم الله او ان كرمي هو جزء من صفة الكرم عند الله فيما المشترك من علمي وعلم الله هو فقط اللفظ أي كلمة "علم".

د- لا يوجد اشارة واضحة الى كل تعقيدات الثالوث في الكتاب المقدس حتى لو سلمنا جدلا بأنه الانجيل الذي نؤمن به لا بل ان يسوعهم كان يسأل من قبل اليهود :هل تعتبر نفسك الها فيرد بخجل (او خوف منهم لا ادري) : الم يرد في كتابكم ان موسى اله ؟ وكأنه يستحي من ان يشرح العقيدة التي اذا جحدها البشر يدخلون النار. يقولون بأن الاسلام دين عنف وانا اقول بل المسيحية دين العنف لأن إلههم يدخلنا النار لأمر لم يصرح به في كتابه بل كان يخجل من ذكره ويتهرب من الاجابه عليه بل النصرانية دين العنف لأنها تحكم على من اتبع فطرته السليمة بالدخول الى النار بل النصرانية دين التناقض لأنها تجعل نفس الاله الذي ضحى بنفسه من اجل شخص اكل جد جده تفاحة منعه عنها يعود ليدخل من اتبع فطرته السليمة ورفض الاشراك به وبوحدانيته الى نار ابدية .

ه- منطق التثليث متعارض مع ما جاء به كل الرسل قبل المسيح عليه السلام وبعده.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة