هل الشريعة الاسلامية جامدة؟

يقول المستشرقون: أن الشريعة الإسلامية تتسم في مجموعها بالجمود، وهو يتعارض وحاجات المجتمع، لتطوره الدائم ، إلى شريعة متطورة. والحديث عن الجمود والتطور ليس بالحديث الجديد، إلا أنه لم ينهض إلى يومنا هذا (عند دعاة التطور وخصوم القديم) على أي دعامة من المنطق أو ميزان من العلم، بل لقد ثبت أن تعلق هؤلاء الناس بالجديد وانكماشهم عن القديم، إنما هو استجابة لوهم من الأوهام النفسية فقط. إذ من المعلوم أن النفس البشرية - إذا لم يهيمن عليها سلطان المنطق والعلم - تتعلق بالجديد أيا كان نوعه ظنا منها بأنه لا يزال يحتفظ بذخره ومكنون خيراته، وتعاف القديم مهما كان نوعه أيضا، لتبرمها به وتوهمها بان الزمن قد استجلب خيراته وقضى على فوائده وأن العقل البشري لا بد أن يكون قد تجاوز إلى ما هو أجدى وأنفع . . ونحن، لو أسلمنا نفوسنا إلى أوهامها وطبيعتها بمنأى عن ضوابط العلم وقواعد العقل، لانجرفنا مع التيار ذاته، ولسعينا وراء كل جديد أيا كانت حقيقته وأضراره، وفررنا من كل قديم مهما كانت فضائله. ولكنا ندرك، كما يدرك كل عاقل، أن النفس إن تركت وشأنها، تخبطت من أوهامها وتأثراتها في ظلام دامس. ولا ينجيها من هذا الظلام إلا ضياء العقل ونوره وإن العقل يقرر أن الكون يتالف من محاور ثابتة، لا تتبدل ولا تتغير، ومن مظاهر أو نسج متبدلة متطورة، ولا بد أن يقابل الثابت من حقائق الكون بثابت من النظم والمبادىء وأن يقابل المتطور منه بمتطور من تلك النظم نفسها. وإن تفصيل القول في هذا الأمر يخرج بنا إلى معالجة موضوع آخر لسنا بصدد بحثه الان. ولا ريب أن الشريعة الإسلامية (وهي من وضع خالق الكون ذاته) وافية بهذا الذى يقرره العقل الإنساني أتم الوفاء. ففيها أحكام ومبادىء ثابتة لأنها ذات صلة مباشرة بمحاور كونية ثابتة لا تتبدل. وفيها أحكام وفروع كثبرة هي عرضة للتطور والتغيير لأنها منوطة بنسج وقائع كونية متطورة.

فحرمة الربا إنما كانت حكما مستمرا ثابتا لا يتغير ، لأنها مرتبطة بواقع كوني هو الآخر لا يتغير، وهو أن القيمة ظل تابع للمنفعة الإنسانية، فما ينبغي أن تنمو القيمة أو تتسامى في جوهرها إلا حيث تنمو المنفعة و تزداد أهميتها. ومهما تطورت الدنيا فإن هذه الحقيقة لا تتطور.

غير أن الشريعة عندما حددت المنافع المتقومة وبنت عليها الأحكام الكثيرة لم تهزم فيها بحكم ثابت، بل فتحت إليها باب التطوير و ذلك لأنها تتصل بأمور متطورة ومتبدلة، فرب شيء كان مهملا من حياة الإنسان لا ينتفع به، ثم أتى عليه دهر جعله بامس الحاجة إليه، فإذ داخل في قوام عيشه أو أسباب سعادته، وإذا هو في حكم من أهم المنافع الإنسانية. وتدور عليها عندئذ أحكام جديدة لما تبعا لما طرأ عليها من تقلبات الأحول والظروف. وأحكام الشريعة الإسلامية كلها، لا تخرج عن الانتماء إلى أحد هذين المثالين: ثابت لا يتبدل، لأنه مرتبط بنظيره من وقائع الكون وسنن الحياة الآلهية أو معرض للتطوير والتغيير، لأنه مرتبط بما لا استقرار له من شؤون الكون والحياة. وإننا لنلاحظ هذه الحقيقة عندما نتأمل في مصادر الشريعة الإسلامية الأصلية منها والتبعية فإن معظمها منفتح على تطورات الكون والحياة والتأثر بها والدوران معها. فالحكم القياسي يذهب ويأتي حسب مصير علته. والأحكام المترتبة على قاعدة الاستصلاح أو دليل الاستحسان أو مبدأ سد الذرائع أو ما يقضي به العرف - كلها عرضة للتبدل والتطور حسب تبدل مناطاتها ومحاورها المرتبطة بها. بل إن الإجماع - وهو من المصادر الأصلية للشريعة الإسلامية والتي تكسب الحكم درجة القطع واليقين - قد يتعرض حكمه للنسخ والزوال عندما يكون مستند الإجماع مجرد مصلحة زمنية، كا نص على ذلك الإمام البزدوي في أصوله (1) . ولقد لاحظت من النقاش الذي دار في ندوة تشريعات الحدود التي أشرت إليها آنفا في كلية الحقوق بجامعة بنغازي أن هنالك سببا أخر للتبرم بمظهر الثبات الذي يتسم به مجموع الشريعة الإسلامية، عند طائفة كبيرة من الناس، هو قياسهم الخالق الحكيم جل جلاله على عباده، عندما يشرعون لأنفسهم، ذلك أنهم يكتشفون أخطاءهم مع مرور الزمن وبتأثير التجربة والممارسة، فيحملهم ذلك على تطوير أحكامهم وأفكارهم، ترفعا عن الأخطاء التي يكتشفونها وسعيا وراء الأكمل فالأكمل. فهم يحبون للشريعة الإسلامية التي هي حكم الله عز وجل، أن تظل هى الأخرى متطورة، تخلصا مما قد يبدو فيها من نقص ولحاقا بما هو الأفضل والأكمل . . . . وواضح أن هذه نظرة خاطئة إلى الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطأ فيها قياس شريعة الله عز وجل على شريعة العباد، وربما كان العامل الأساسى في هذه النظرة أو هذا القياس هو عدم اليقين بان الشريعة الإسلامية تنزيل من الله عز وجل، ولا بد أن نعالج هذه النظرة عندئذ على نطاق اخر. نعم، لا ينكر أن الأحكام الاجتهادية في الشربعة الإسلامية  عرضة للتطور والتغير، إما بسبب تغير مناطاتها وأسسها القائمة عليها، أو بسبب تغير اجتهادات المجتهدين أنفسهم، ومعلوم في باب الفتوى أن المفتى اذا اجتهد في مسألة فحكم فيها بموجب ما توصل إليه اجتهاده، ثم تبدل فيها نظره، كان عليه أن يقضي باجتهاده الثاني، وهكذا، فان الاجتهادات  المختلفة في المسألة الواحدة تتناسخ اتباعا لما يتطور إليه نظر المجتهد، دون أن ينقض الاجتهاد اللاحق ما يخالفه من الاحتهادات السابقة التى قضى بموجبها. . .

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة