هل الدين مصدر الحروب في العالم؟

مقدمة

أليس الدين مسؤولا عن الحروب والاستبداد والتعصب وكل مصائب البشرية؟ اليس من الافضل ان نتخلى عنه ونعيش اخوة متحابين بسلام ووئام؟ هذا ما يقوله صاحب كتاب "وهم الإله" في محاولة سطحية لاستجلاب عاطفة القارىء متخذا من 11 ايلول دليلا دامغا على ذلك وكأن هذا الحدث الذي لم يسقط فيه اكثر من 3 الاف قتيل هو بداية ونهاية العالم وهو وحده القادر على تفسير ظاهرة الحروب في الدنيا..

1- من الخطأ وضع كل الاديان في سلة واحدة اسمها "الدين"

إن كنا نريد ان نتكلم بمنهجية علمية فلا يصح ان نضع كل الاديان في سلة واحدة ونحاكمها على هذا الاساس. فهذا يتناقض مع قانون الموضوعية الذي يفرض معالجة كل حالة على حدى خاصة في غياب أي ارتباط فعلي بينها. الاسلام مثلا ينظر الى اخطاء النصرانية بنفس العين الناقدة التي ينظر اليها العلماني فكيف يأتي هذا العلماني ليضع الإسلام والنصرانية في سلة واحدة ويحاكمهما سوية؟ قد يقول قائل ان الاستقراء قاعدة معترف بها علميا بمعنى انه يمكنك ان تكون فكرة عامة مبدأية عن مجموعة مظاهر فرعية. هذا صحيح لكن شرط ان يكون هناك ادنى انسجام بين هذه المظاهر الفرعية.  فهل فعلا هناك انسجام بين فلسفة الاسلام وفلسفة النصرانية؟ هل هناك تطابق بين روحية الاسلام وروحية النصرانية؟ وهل يرضى الملحد ان نخترع مصطلحا جديدا اسمه "كذا"  ونضع النصرانية والالحاد تحته ونحكم على الملحد بجريرة ما فعل هؤلاء حتى لو فعلوا ذلك تحت مبدأ لا يقره هو. ومن هذا الباب نحن نرفض الحكم العام على مسمى الدين. من اراد ان يحاكم الاسلام فليحاكمه على مبادئه هو لا على تصرفات الاديان الاخرى التي لا تلزمنا بشيء.

كنا قد بينا اثناء مناقشة موضوع النصرانية مدى الإختلاف الكبير بين كل من الاسلام والنصرانية في قضايا العقل والعلم والنظرة الى الجسد.. فهل يصح بعد هذا كله ان يقال ان الدين حارب العلم؟؟ او ان الدين يحارب العقل او ان الدين يضطهد المراة او ان الدين يحث على الحروب؟ الا يجب تحديد اي دين منهم؟

3- أكبر المجازر كانت من اطراف ملحدة وعلمانية

هل حقا الاديان هي سبب الحروب على الارض؟ وما علاقة الدين بحروب الاستعمار؟ بحرب امريكا الاهلية؟ بحرب كوريا وفيتنام؟ بالحربين العالميتين؟ وتحت مسمى أي دين هجر واعدم كل من ستالين وماوتسي تونغ وهتلر ملايين المواطنين في بلادهم؟ وهل يقارن ثلاثة الاف قتيل سقطوا في احداث 11 ايلول بخمسين مليون قتيل سقطوا في الحرب العالمية الثانية بين دول تنتمي لنفس الدين؟؟؟

4- الاديان اقنعة استغلت لتجييش عواطف الناس

صحيح اننا قلنا ان غير ملزمين بالدفاع عن بقية الاديان الا ان الموضوعية تفرض علينا ان نقول انه حتى في حالة النصرانية التي نعتبرها دينا زائفا فنحن لا نستطيع ان نحمل عقيدتها اصر الحروب التي شنت باسمها لسبب بسيط وهي انها في مبدأها تدعو للسلام ولكن بعض المتنفذين والمنتفعين الذين ارادوا الوصول للسلطة والنفوذ استغلوها وحرفوها عن مسارها ليجيشوا الناس عاطفيا... ان النفوذ والهيمنة وسيطرة المصالح النفعية والاقتصادية على العقول والبحث عن اسواق تصريف للانتاج هي السبب الرئيسي للحروب... حتى الحروب التي شنت لاهداف دينية كالحروب الصليبية كان هدفها تجاريا توسعيا.. وبالتالي حتى لو كانت كانت الاديان قد لعبت دورا فهو لم يكن اكثر من مجرد ذريعة لتجييش العواطف تماما كالدور الذي لعبته القوميات والاثنيات والالوان...

5- ادلة على استقلال الصراعات الطائفية عن مفهوم للتدين

1-   الصراعات الطائفية قد تكون ضمن الدين نفسه

 كما في حال السنة والشيعة.. البروتستانت والكاثوليك.. ولو كان الاساس دينيا محضا لكان الاولى ان تقوم هذه الحروب مع الاديان الاخرى حيث ان الخلافات بينها اعمق واشمل..

2-   الصراعات الطائفية  قد تقوم من قبل اناس علمانيين يتزعمون الطائفة

- صحيح ان الحرب الاهلية في لبنان قامت بين المسلمين والنصارى ولكن لم يكن الدين اساسا فيها فالطرفان المتحاربان كانوا بمجملهم علمانيين ولا يطبقون شعائر الدين. ثم ان هذه الحرب تحولت فيما بعد لتصبح ضمن الطوائف نفسها فشهدنا صراعات شيعية شيعية وصراعات مارونية-مارونية..

- وها نحن نشهد نفس السيناريو في العراق حيث يختلط الحابل بالنابل.. فما بدأ مقاومة ضد المحتل تحول لحرب اهلية بين الطوائف وفي مرحلة لاحقة بين احزاب من الطائفة نفسها..

- الحركة الصهيونية حركة علمانية لا يشكل فيها المتدينون الا اقلية.. وهي لا يهمها من الدين اليهودي الا عقيدة الشعب المختار ونقاوة الدم الارزق..

3-   الصراعات الطائفية قد تقوم على اساس عرقي بحت

-        كما في حال صراع الاكراد مع السنة في العراق حول كركوك.. فلو كانت الحرب دينية لوجب انحياز الاكراد للسنة لكونهم سنة مثلهم ولكن الذي حصل هو العكس فقد انحاز هؤلاء للشيعة.. (ونحن لسنا في هذا المقام في صدد لوم اي طرف بل تقرير الوقائع)

-        كذلك الصراع في افغانستان بعد تحريرها من السوفيات جرى على اساس عرقي: بشتون وهزارة وطاجيك واوزبك..

-        حرب الهوتو والتوتسي في رواندا حرب عرقية بحتة اودت بمليون قتيل ...

3- الاسلام والحرب

رسالة الاسلام: دعوة وجهاد..

يقول القرآن الكريم في حق النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" لم ينزل الاسلام ليقيم حروبا ولا ليكسب اراض جديدة بل جاء ليخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد. جاء ليحرر الناس من الطواغيت والظلم والاستبداد وليعمر الارض ويستخلف الانسان فيها. ولكن كأي نظام آخر اوجد الاسلام آليات للدفاع عن نفسه وعن الدعوة فليس منطقيا ان تترك العقائد الهدامة تسرح وتمرح ويحرم دين الله على الارض من امتلاك آلية للدفاع عن نفسه وردع المعتدين.

لا يحاكم الاسلام وفقا لتصرفات بقية الاديان ولا حتى تصرفات المسلمين

لا يلزمنا ان ندافع عن سائر الاديان فكما بينا الاسلام لا يحاسب بجريرة ما اقترفه غيره ولا تعنينا كذلك الممارسات الخاطئة للاسلام فالدين لا يحاسب وفقا لتصرفات افراده بل وفقا لمبادئه.

الاسلام يحارب الغلو والتطرف

هذا وان الدعاة المسلمين لم يتقاعسوا امام ما يرتكب احيانا من تطرف وتكفير وقتل للنفس المعصومة بغير حق بل ادوا واجبهم كاملا في بيان خطأ هذه التصرفات ومناقشة من يحلها بالادلة الشرعية ولكن يبقى ان بعض هذه الفرق لا يعرف الا السيف ولا يريد ان يسمع او يحاور.. وهؤلاء يعاني منهم المسلمون كما يعاني منهم غيرهم لكون الهجمات الانتحارية تجري عادة في اراض اسلامية.. هذا ولا يجب ان ننسى ان التطرف موجود في كل الاديان وليس فقط في الاسلام وان كان التشدد الاسلامي اوضح للعيان فذلك مرده الى ما يلحق المسلمين من اضطهاد شديد وظلم وتكالب الامم ضدهم وهي عوامل مشجعة لنمو التطرف.

الحقائق لا تنقض بنتائج انما بأدلة

فإن كنا نعتبر الاسلام حقيقة فلا يسع الملحد ان ينكره لمجرد انه رأى جرائم ترتكب بأسمه.. او لمجرد انه اعتبره مسؤولا ولو بشكل غير مباشر عن الحروب والتعصب.. بل عليه ان يجلب دليلا عقليا او حسيا على بطلانه..

الشر موجود في الدنيا

الظلم موجود في الدنيا والتدافع بين الحق والباطل موجود ويستحيل ان يأتي يوم لا حروب فيه مهما تطورت البشرية فالذي يتطور هو التقنيات والاساليب ولكن طمع الانسان وعنجهيته ستظل مسيطرة وكامنة فيه تبحث عن اي سبب او ذريعة كي تتفجر فاحيانا يستغل الدين واحيانا العرقية واحيانا اخرى الوطنية ولكن في النهاية كلها مجرد ذرائع..

الاسلام لم يعد الناس بجنة ارضية

مع ان الاسلام اعتنى كثيرا بالدنيا ووضع لها انظمة تخفف المعاناة عن كل البشر وليس فقط المسلمين الا انه في النهاية لم يدعي انه جاء ليقيم جنة ارضية فالدنيا دار بلاء وامتحان.. والمهم ان يخرج منها الانسان ناجحا ليفوز بالجنة.. حينما يمتلك الانسان هذه العقلية يستطيع ان يفهم اكثر لم لا يشكل موضوع السلام والوئام وانهاء الحروب هاجسا عند المسلمين.. فالاسلام اكبر  من ان يتوقف عند 11 ايلول او عند دنيا فانية.. واكبر من ان يظن ان الموت-الذي سيلاقينا مهما فررنا منه- هو نهاية كل شيء..

الخلاصة

 وننطلق من حيث بدأنا - اي من حادثة 11 ايلول-  فنقول انه حتى في هذه الحادثة لا ينبغي تحميل الدين مسؤوليتها فهي مجرد ردة فعل على ما قامت به الادارة الامريكية من حروب ضد المسلمين في العراق وفلسطين.. والا لم لم تضرب الطائرات الفاتيكان او النروج او السويد؟؟ ومن هنا فالخلاصة سهلة ان الالحاد والتخلي عن الدين لا يشكل ضمانة ابدا لانهاء الحروب فمعظم الحروب لم تشن باسم الدين.. وما شن منها بأسم الدين كان يتوسل به كذريعة والمجرمون بالتالي قادرون ان يبحثوا عن ذريعة اخرى حتى في حال غياب الدين عن الساحة.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة