هل التميز اعجاز؟

قد يقول قائل: أثبت أن القرآن متميز لكن لم تثبت انه معجز؟ قبل أن نبدأ الجواب سأذكر بعض المبادىء العامة التي قد تساعدنا في الجواب

التواتر:

التواتر اللفظي هو حين تتضافر الأقوال لتقرير حادثة معينة.. والتواتر المعنوي هو حينما تتضافر الأقوال لاثبات ظاهرة معينة.. مثال على ذلك إننا لا نملك حادثة واحدة مؤكدة ومتواترة تؤكد أن حاتم طي كان كريما.. ولكن كل هذه القصص التي تروى تواترت على معنى واحد تؤكد كرمه فلم يعد كرمه مصدر شك..

غياب الاحتمال البديل: أو استحالة النقيض

إن من أقوى الأدلة على اثبات الشيء هو اثبات استحالة نقيض هذا الشيء.. مثال:

1-    كي نثبت للملحد وجود الإله.. يكفينا أن نثبت استحالة النشوء الذاتي للكون... فالأول قد يحاجج فيه كثيرا ويقول لك اين هذا الإله ولم لا أراه.. الخ... ولكن نفي النشوء الذاتي بديهي حتى إن الفكرة لا تستقر في دماغك لغرابتها...

2-    كي نثبت للكافر أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول .. قد تجد من يجادلك بأنه لم يرى الوحي ينزل عليه ولم يرى معجزات حسية له.. فممكن الرد عليه بحجة ان الاحتمال الآخر هو أن محمدا كاذب في ادعائه الوحي.. فهل تستطيع اثبات ذلك يا ترى؟؟ عرضنا تفصيل الموضوع في مقال سابق..

3-    كي نثبت للكافر أن القرآن الكريم كتاب الله .. قد لا يقتنع بذلك مهما عرضت عليه من أدلة فهو لم ير الله يتكلم به.. لكن إن سألناه ما هو الاحتمال البديل؟؟ وكيف يستطيع رجل أميّ أن يأتي بمثل هذا الكتاب مع كل ما فيه من معلومات لا يعرفها من هو في مثل وضعه انقلب الوضع وأصبحت الكرة في ملعبه...

يذكرنا هذا بالمبدأ الذي يقول "الهجوم أقوى طريقة للدفاع"

اثبات أن القرآن حق

"يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم" في الحقيقة اثبات أن القرآن معجز هو خطوة ثانية تجاه من يحاول التحدي أو التشكك ولكن معظم الناس يكفيهم أن نثبت ان القرآن حق أي انه كلام الله.. وقد يصلون إلى هذه القناعة حتى قبل قراءته فقد آمن أبو بكر الصديق وخديجة رضي الله عنهما لمجرد ثقتهما بالرسول وأنه لا يكذب .. وهكذا نحن فإن كنا توصلنا إلى أن الإله موجود فمن الطبيعي أن يعلن عن وجوده ويتكلم عن نفسه..

 وهنا دعوني أسجل استغرابي ممن يقول إن الله موجود ولكنه ليس إله الأديان. فمن المستغرب حقا أن يكون هناك إله متحل بكل صفات الجلال والعظمة ويترك آلهة مزيفة تنطق بأسمه وتدعي أنها ترسل الرسل..

وأظن والله أعلم أن مرد هذا الاعتقاد عند هذه الفئة هو أنها لم تعجب بتعاليم الأديان فانطلقت من هواها بطريقة عكسية لنفي وجود هذا الإله.. أما نحن فكي نكون صادقين مع أنفسنا علينا أن نسير كما يقول المنطق:

الله موجود – من البديهي إذن أن يخبرنا بوجوده .. من البديهي أن يرسل الينا الرسل.. من البديهي أن ينزل علينا الكتب السماوية لهدايتنا..  

اثبات الإعجاز

ننطلق من اثبات التمايز إلى اثبات الأعجاز بالطرق التالية:

1-  استحالة عدم وقوع تناقض أو أخطاء في أي كتاب أو مشروع.

يروى عن الإمام الشافعي انه أعاد تصحيح أحد كتبه ثمانين مرة وفي كل مرة كان يجد أخطاء فتوقف وقال:" أبى الله العصمة إلا لكتابه".. وكل من عمل في حقل الكتابة والروايات يعرف انه يستحيل ألا ان يقع الكاتب في تناقض ما أو خطأ ما ولهذا يكون هناك تنقيح وتصحيح وطبعات ثانية وثالثة من كل كتاب.. حتى الأفلام التي توضع لها ميزانيات ضخمة من الأموال تقع في أخطاء علمية فادحة أو أخطاء تصوير وهناك مواقع متخصصة مهمتها سرد هذه الأخطاء واكتشافها..

2-    غياب التحدي مع وجود الدافع له

حينما يتحدى القرآن الكريم الإنس والجن.. ماضيا وحاضرا.. على أن يأتوا بسورة من مثله.. ولو أقصر سورة .. ويبني على نتيجة هذا التحدي صدقية الدين نفسه فمعناه ان التحدي جدي.. فلقد بذل أعداء الاسلام ماضيا وحاضرا أموالا ضخمة و طاقات جبارة لمحاولة هزيمته عسكريا.. فلو كان باستطاعتهم تحدي القران لوفروا على أنفسهم كل هذه الجهود. ألا يعني هذا أنه أعجزهم؟ وبالتالي فهو معجزة...

3- التواتر المعنوي في الإعجاز العلمي والعددي

للأسف اصبح الاعجاز العلمي والعددي موضة تبهر الكل مما أدى إلى ازدياد نسبة من حاولوا الصاق نظريات علمية ضعيفة بالقرآن أو نظريات علمية قوية بآيات قرآنية لا تحمل المعنى المراد اثباته إلا بعد لي عنق النص.. لكن مع ذلك نحن نقول إن الإعجاز العلمي موجود وعدد القضايا التي ذكر فيها القرآن الكريم - بشكل واضح- نظريات علمية لم تكن معروفة في عصر نزوله كثيرة وتتفاوت في نسبة الوضوح.. بمطلق الأحوال فإن الإعجاز العلمي يصلح كدليل معنوي تراكمي حيث لا يكون الإعجاز بانطباق آية واحدة بعينها على نظرية ما إنما بسبب تراكم هذه الدلائل في ظاهرة شبيهة بالتواتر المعنوي..   

رابعا: الشبهات ضد اعجاز القرآن

يرفض أعداء الاسلام مقولة ان القرآن الكريم خال من التناقضات ويجمعون لإثبات تناقضة عددا من الأدلة التي سنجيب عليها كما وعدناكم بشكل اجمالي.

تناقضات أم شبهات؟

بداية وقبل أي شيء.. هل ما يجمعونه من حجج هو تناقضات فعلا؟ أم هو مجرد شبهات؟ أحيانا كثيرة نستخدم شبهة التناقض بشكل خاطىء. فنفترض أن هناك تناقضا بين شيئين والتناقض موجود في فهمنا للأمور فقط.. مثلا.. افترض ابليس ان سجوده لآدم مناقض لحيثية انه أقوى منه.. والتناقض هنا ليس حقيقيا بل هو فقط في تصور ابليس القاصر.. فلا شيء يربط بين الأفضلية والقوة.. ومثله أيضا كثير من الحجج والشبهات التي تدعي تناقض القرآن لأنها فهمت النصوص على هواها.. فها هم أهل الكتاب يدعون التناقض في قوله تعالى  "لا يموت فيها ولا يحيا.." على أساس ان المرء إما أن يكون حيا وإما أن يكون ميتا.. والجواب ان عبارة" لا يحيا" بلاغية ومعناها لا يحيا حياة كريمة.

الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن

 يعترض الملحد أو النصراني على القرآن، ببعض آياته التى أتت على غير الشائع نحوياً فكيف يكون رد المسلم على ذلك ؟

عادة ما يلجأ المسلم إلى أقوال علماء النحو واللغة ، وفيها تخريجات نحوية للإشكال المتوهم فى الآية و هذا جميل ورائع ، لكن هناك أمراً قبله علينا أن نعيه أولاً ، ثم نعلمه للمخالف ثانياً. إن المخالفين يحاكمون القرآن العظيم إلى منهج القواعد النحوية للصف الثالث الإعدادى ! يظنون أن القواعد النحوية حاكمة على القرآن !  وهذا جهل فاضح بنشأة علم النحو. إن علم النحو ليس علماً  بل هو مبنى على الاستقراء .  فسيبويه ـ مثلاً ـ أخذ يحلل كل النصوص الواردة عن العرب ، من شعر وخطابة ونثر وغير ذلك ، فوجد أنهم ـ العرب ـ دائماً يرفعون الفاعل فى كلامهم ، فاستنبط من ذلك قاعدة " الفاعل مرفوع " .. وهكذا نتجت لدينا " قاعدة نحوية " تسطر فى كتب النحو ، ليتعلمها الأعاجم فيستقيم لسانهم بالعربية إذا جرت عليه . بقى أن تعلم أن " أهم " مصادر العلماء التى اعتمدوا عليها فى الاستقراء هو القرآن العظيم نفسه ! لأن القرآن أصدق صورة لعصره ، ليس فقط عند المسلم ، ولكن عند الجميع مسلمين وغير مسلمين ، فحتى أولئك الذين لا يؤمنون بمصدره الإلهى ، يؤمنون بأن القرآن أصدق تمثيل لعصره فى الأحداث التاريخية والعادات الجارية .. واللغة وقواعدها . إن علماء النحو يستدلون على صحة قاعدة نحوية ما بورودها فى القرآن  أي أن القرآن ـ عند النحاة ـ هو الحاكم على صحة القاعدة النحوية ، وهى التى تسعى لتجد شاهداً على صحتها فى أى من قراءاته المتواترة .   

الأخطاء التاريخية المزعومة في القرآن

وهذا أمر لاحظناه عند أهل الكتاب.. إذ يعتبرون كل ما يخالف كتابهم المقدس تناقضا.. وهذا أمر غريب ومفاجىء.. إذ ينبغي أن تكون الحجة ملزمة للطرفين ونحن لا نعترف بصدقية كتابهم الحالي فكيف يكون حجة علينا؟؟.. مثلا يقول القرآن الكريم ان السامري هو الذي صنع العجل ويدعي أهل الكتاب انه هارون عليه السلام ويدعون ان القرآن الكريم متناقض مع التاريخ.. فليت شعري وهل أصبح الكتاب المقدس مرجعا تاريخيا ملزما للكل حتى يتم قياس التناقض عليه.. لا بل إن المنطق والعرف يفرض أن النبي لا يشرك..  وهارون عليه السلام نبي باعتراف أهل الكتاب.. وما نقوله لأهل الكتاب نردده لكل مشكك في الدين.. إذا لم تصل إلى اثبات أن معتقدك من المسلمات فلا يسعك وصم الإسلام بالتناقض لمجرد أنه خالف معتقدك أو رأيك..

تفسيرات العلماء للقرآن ليست معصومة

يأخذ بعض المستشرقين أو أعداء الاسلام تفسيرات أهل العلم على إنها ملزمة.. فإذا قال البيضاوي في تفسير آية معينة ان الارض يحملها فيل.. ادعوا أن هذا قول القرآن.. وأثبتوا تناقضه مع الواقع؟؟ فكيف يستقيم هذا المنطق؟؟ يمكن أن يكون البيضاوي من اهم علماء الدين.. ولكن هذا لا يعني أنه يعرف الغيب .. بل من البديهي أن يفهم القرآن كما فهمه أهل عصره.. وها هو القرآن كل يوم يتجدد وكل يوم تفهم منه معنى جديدا عميقا.. ونحن لا نرى أن أخطاء علماء الدين في أمور الدنيا تبخسهم حقهم لا بل حتى لو اخطأوا في أمور الدين.. فهم ليسوا معصومين.. والأهم من ذلك اننا نؤمن ان القرآن معصوم عن التناقض ولا نؤمن بأن تفسيره من قبل البشر هو المعصوم.. إلا إذا كان المفسر هو الرسول صلى الله عليه وسلم .

دحض بعض أدلة الإعجاز العلمي لا ينفي وقوعه

طبعا بعض أدلة الإعجاز ضعيفة كما بينا ولكن ضعفها لا يصلح دليلا ضد القرآن فان القوي منها هو اساس حجتنا في هذه الناحية..  والباقي لا مانع أن نسقطه نحن أو خصومنا فلم يصرح بحجيته مصدر ديني معصوم و ملزم لنا.

لماذا يجد المسلم تناقضات في كتب الاخرين ولا يجدون تناقضات في كتبه؟

التناقضات التي نجدها في كتب أهل الكتاب هي تناقضات رقمية ملموسة.. تناقضات في تواريخ وأسماء وأعمار تناقضات مع العلم والتاريخ والمنطق أو تناقضات فيما بين الروايات الموجودة في الكتب عن نفس الحادثة.. اما القرآن الكريم فلا يحوي أي تناقض وهو لا يعطي الفرصة حتى لنسبة التناقض اليه كونه لا يهتم بالتفاصيل التي لا تخدم مسار الدعوة والهداية.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة