نعم الدين افيون الشعوب

كنا نتحدث انا وزميلي الدكتور وسيم يوما حول الشعار الذي رفعته الماركسية "الدين افيون الشعوب" فأتفقنا على صحته خلافا لما يظنه كثير من الملتزمين الذين يحاربونه للاسف فقط لأنه من كلام ماركس مع انه حين التأمل صحيح بل وصحيح جدا ولكن بحق الاديان المزيفة وما اكثرها. حينما يتحول الدين الى عبادة الابقار والشمس والقمر والاصنام من حجر او بشر تعبد من دون الله فهو فعلا افيون لمن يعتنقه.  سنحاول في هذا المقال المتواضع ان نمر مرورا سريعا على بعض هذه الاديان التي تحولت الى افيون بل وهيرويين وكوكايين ايضا.

لمحة عامة

يطلق الدين ويراد به الدين الحق الا وهو الاسلام كما في قوله تعالى "ان الدين عند الله الاسلام".. "ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه" ويطلق بمعنى المعتقد الغيبي الذي يؤمن به أي انسان كما في قوله تعالى "لكم دينكم ولي دين". وعن الدين الزائف سنتحدث.. ان من اسوأ التشوهات العقلية عند الملحدين والتي تدل على سطحيتهم في التفكير هي وضعهم كل الاديان في سلة واحدة ومحاكمتها وكأنها شي واحد متناسين ان اعظم الخلافات كانت بين الاديان نفسها فكيف توضع في نفس قفص الإتهام؟ وكيف يحاسب دين على جريرة ما اقترفه غيره.. 

اشهر المخدرات

يقول احد الادباء: الدين لا ينفع كوزاع اخلاقي فالانسان الجيد سيقوم باعمال جيدة والانسان السيء سيقوم باشياء  سيئة ولكن كي يقوم الانسان الجيد بامور سيئة فهذا يحتاج للدين. وهذا كلام صحيح الى حد ما بجزئه الثاني فمعتنق العقائد الفاسدة اسوأ حالا بكثير من الضال الشاك التائه فهذا يحتاج الى توعية فحسب اما ذاك فيحتاج الى جهد كبير لتنظيف دماغه مما ترسخ فيه من ادران هذه العقائد المزيفة. فلنلق نظرة على بعض اشهر مخدرات الزمان.

اليهودية وعقيدة الشعب المختار

يفاجىء قارىء التوراة او العهد القديم ان اليهود على رغم كذبهم ودجلهم وتحريفهم لتوراة موسى عليه السلام الا انهم ابقوا فيها مآثرهم الناصعة بالخيانة والكذب والنفاق والجبن والدجل وحتى الكفر بل ان بعض ما ورد بحقهم في التوراة المنحولة لهو اقسى مما ذكره القرآن الكريم بحقهم ومع ذلك فهم يعتبرون انفسهم شعب الله المختار. كيف؟ ولماذا يكونون مختارين ومفضلين؟  لا تسألني.. المهم ان اليهودي عنصري الى ابعد الحدود ومقتنع انه حبيب الله مهما فعل من ذنوب وآثام لا بل حتى اذا كفر به فلن يتخلى الله عنه وهذا ما سجله القرآن الكريم ورد عليه "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير".. انك ان جئت لتخبر شخصا ان ابا يميز بين ابناءه في المعاملة لقلت عنه ظالم فكيف ان كان هذا الاب يختار أسوأ اولاده سريرة ليصطفيهم على الناس؟ ولله المثل الاعلى فكيف نقتنع بالعدل الذي وصف ذاته العلية به اذا فضل من يكفر به على من يؤمن به لمجرد انه من نسل نبي الله يعقوب عليه السلام؟ وهل بعد هذا من نقاش في كون اليهودية افيون تخدر عقل معتنقها وتشوه طريقة تفكيره و تصده عن العمل الصالح؟؟

النصرانية المتسامحة

فصلت النصرانية المتسامحة بين الدين والدنيا واعطت كل ما لقيصر لقيصر وما لله لله.. وهذا فصل ما انزل الله به من سلطان.. وفي القرآن " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" ليس هذا فحسب ولكن قيصر مد سلطانه واصبح يأخذ ما لإلههم ولم يترك له الا كنيسة مهجورة تزار يوما في الاسبوع في تصرف شبيه بمشركي الجاهلية ولا عجب فملة الكفر واحدة  "وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون"  وخدرت هذه النصرانية الطوباوية الناس بمثل مجنحة لا تطبق على ارض الواقع  وحللت الزنا والشذوذ ولم يبق من شعار مميز لها الا تحريم الإجهاض. وطبعا لا ضرورة ان تتعب نفسك ايها الانسان "فيسوع" يحمل عنك خطاياك وفدى نفسه من اجلك فانت يكفيك ان تؤمن به فقط وتعمل ما شئت من معاص وآثام يتحملها هو عنك.. فهل بعد هذا من افيون؟؟

النصرانية المتوحشة

على ان النصرانية لم تكن دوما هكذا بل كان لها عصر ذهبي في العصور الوسطى مارست فيه اقصى انواع الاجرام والمجازر سواء ابان الحملات الصليبية ضد الشرق المسلم او اثناء محاكم التفتيش في الاندلس الضائعة. ولم تستكن هذا العدوانية الا حينما ارتد كيدهم في نحرهم وحينما نال اهل اوروبا الظلم والاضطهاد من قبل الاقطاعيين المتحالفين مع الاكليروس فاندلعت الثورات مطالبة باقصاء الدين عن الحياة تحت شعار "اشنقوا اخر ملك بامعاء آخر قسيس" وبذا انتهت حقبة صكوك الغفران البابوية التي يمنح فيها الجنة لمن يدفع اكثر وحقبة حرق العلماء على خلفية اتهامهم بالسحر والشعوذة... على انه لا يفوتنا ان نسجل ان هذه النصرانية الوحشية تعود لتطل رأسها من جديد على يد المحافظين الجدد في اميركا امثال سيء الذكر بوش وهم من يطلق عليهم بالصهاينة المسيحيين الذين يؤمنون ان عودة المسيح لن تكون الا بقيام دولة اسرائيل وبمعركة كبيرة تفني ثلثي سكان العالم (معركة هرمجدون). فلا ريب ان هذه العقيدة هي افيون آخر يخدر الشعوب ويجعلها مطية وسلعة لرجال ومؤسسات يستغلون الدين لمصالحهم الشخصية.

فرق الاسلام المنحرفة

لم يكن الاسلام يوما دين تخدير بل دين ثورة وتحرير للناس من عبادة  العباد الى عبادة رب العباد. نعم وجدت فرق كثيرة مثل المرجئة والقدرية والجبرية والمشبهة والاسماعيلية والمعتزلة والخوارج حرفت الاسلام عن معانيه السامية وحولته الى افيون يخدر الامة ولكن تمايزها عن الاسلام الحقيقي كان دوما واضحا لكل ذي بصيرة .

مخدر من يظن ان المسلم ينجو يقينا من النار لمجرد ايمانه النظري الخالي من التطبيق والتصديق فليست العبرة بالاماني والمسميات. ومن يقول هذا هو اشبه بالنصارى واليهود حين قالوا " نحن أبناء الله وأحباؤه "  في حين ان رب العالمين يقول:" ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا" مخدر من يظن ان العقيدة الحقة هي الجدال في الغيبيات وترك العمل وهو اشبه بنصارى القسطنطينية حين اانشغلوا بالخلاف حول جنس الملائكة  في وقت كان محمد الفاتح يدك اسوارها. مخدر من يعتمد التوكل بدلا من التواكل وشابه بذلك طاويي الصين حين رضوا ثقافة الخنوع بحجة قبول الحياة كما هي والتكيف مع امواجها. مخدر من يقدس مشايخه ويعصمهم عن الخطأ وهو عندها اشبه بالنصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وكانت عبادتهم لهم هي طاعتهم له فيما يحللون ويحرمون. مخدر من اتخذ من اعتمد المنطق التبريري والتمييع للاسلام، والقرآن حافل بذم هؤلاء.. مخدر من اتخذ من الاسلام طريقة لاستغلال محبة الناس في الدين للكسب المادي او السلطوي  فاشترى بآيات الله ثمنا قليلا.

الشيوعية

على ان الماركسيين او الشيوعين لن يهنأوا كثيرا بمقالي هذا فقد خبأت لهم في اخره بشرى غير سارة الا وهي ان الشيوعية هي اكبر افيون عرفته البشرية واكبر كذبة انطلت على الناس لعقود طويلة.  لقد  ظن ماركس انه "يتشاطر" حين رمى تبعات تخدير الشعوب على الاديان متغافلا ان العقيدة التي اخترعها ونسبت اليه بالشراكة مع لينين ستتحول الى مخدر قاتل. تهرب الشيوعية من تصنيف نفسها كدين كي تلقى رواجا بين الناس ولكن هروبها شبيه بتنصل ابليس من شروره تحت مسميات مختلفة.

وها قد بان زيف الشيوعية اليوم للعالم كله وللأسف لا زال بعض الناس من بني جلدتنا مؤمنا بها حتى بعد ان انهارت في اول بلد قامت فيه اعني الاتحاد السوفياتي. لقد فشلت الشيوعية في محطات عديدة:

 فشلت حينما وصلت الى الحكم بالقوة في حين انها كانت تدعي انها ستصل عن طريق التطور التاريخي الطبيعي للمجتمع.

فشلت حين وعدت الناس بالعدالة فاذا بها عدالة افيونية لتخدير الناس عن المطالبة بحقوقهم. وابلغ من وصف هذه العدالة المزعومة كان الكاتب الشهير جورج اورويل في كتابه الساخر عن الشيوعية " مزرعة الحيوان" حين قال كل الناس متساوون ولكن بعضهم اكثر مساواة من بعض.. فشلت حين ارتكبت مجازرا ابان الثورة الثقافية في الصين وابان عهود ترحيل الشعوب القسري في روسيا الستالينية بل فاقت اعداد قتلى هذه الحروب عدد ضحايا الحروب العالمية.. فشلت حين حولت السلطة الى دكتاتورية بغيضة ونظام شمولي ظالم يمارس عبادة الحاكم وتقديسه وتحنيطه بعد موته واعتبار كل ما يقوله منزلا ومقدسا في تقديس اشبه بتقديس اهل مصر القديمة لفرعون.  فشلت حين جمعت الالحاد مع الظلم والدكتاتورية والعنصرية وغسيل الادمغة وهل هناك اكثر من تخدير للشعوب حين تقنعهم انهم متساوون وانك جلبت لهم الحرية والمساواة وتبقى هذه الشعارات البراقة حبرا على ورق وعبارات ببغائية في حين يستولي رجال الحزب على الدولة ومقدراتها وثرواتها؟؟؟

الخلاصة

ويبقى الفارق الاساسي بين الاسلام وبين هذه الاديان المنحرفة ان الاسلام يملك مرجعية للحكم عليه الا وهي القرآن الكريم فهي تلزم من انحرف عن الاسلام الصحيح بالعودة اليه وتكون دليلا واضحا كالشمس على زيف الانحرافات عنه اما بقية الاديان فتنحرف بدون أي آلية للعودة الى اصولها التي اسست عليها (المزيفة في احيان كثيرة).  فكيف يشكل ما يسمى بالكتاب المقدس – وهو كتاب كتبه بشر مجهولون- مرجعا للنصارى وهو ينقح في كل ترجمة ولا يعترف به كمرجع موحد ولا تؤخذ أوامره بجدية ملزمة كما يلزمنا القرآن الكريم بخطابه لنا؟؟

 

 

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة