ميزان الأعمال في ضوء فلسفة القيم

الاوسمة: 

ويتفرع عن هذا التصور وضع ميزان للأعمال الصالحة والطالحة انطلاقا من فلسفة القيم، ذلك أن العبرة في هذا الميزان بنوعية العمل لا بكثرته، ولنوعية العمل دور حاسم في الدلالة على نضج القيم في نفس الإنسان. ولذلك كان الفعل الصغير من الأوامر قوة هائلة دافعة نحو القيم وعلامة بارزة على نضجها في النفس، وكان الفعل الحقير من النواهي علامة كبرى على ضمور القيم في النفس وسببا في السقوط في الهاوية والعودة إلى نقطة الانطلاق مما يعني ضياع كل الجهود السابقة.

ويتضح هذا من التأمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعله يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنة» (رواه البخاري) وأن «امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» (متفق عليه).

ونستنتج من هذا أن الغاية ليست هي طبيعة العمل، فالرجل حين سقى الكلب قام بحركة بسيطة والمرأة ربطت الهرة لساعات، ولكن كل عمل من العملَين دليل على درجة الترقي في سلم القيم؛ فالرجل الذي سقى الكلب لم يدفعه لذلك -وقد كان لوحده في الصحراء- إلا نضج قيمة الرحمة وقيمة ابتغاء مرضاة الله في نفسه، فدفعه كل ذلك إلى الإحسان فعبد الله كأنه يراه، وذلك أرقى صور نضج القيم وسلامتها، وفي المقابل انمحت من نفسه رذائل القسوة والرياء والاحتقار وغير ذلك مما يكون عادة سببا في العزوف عن القيام بالكثير من الأعمال الجليلة القدر البسيطة الشكل.

وأما سلوك المرأة فدل على ضعف قيمة الرحمة في نفسها وحضور القسوة والجفاء مكان ذلك، وقوة دافعية البخل على قيمة البذل والكرم، والأخطر من كل ذلك أنها لم تستحضر رقابة الخالق سبحانه وتعالى في فعلها فهي لا زالت تعتقد أن لا رقيب يحاسبها على عملها ذلك، وهذا أكبر خلل في منظومة القيم وعلامة خطيرة على انهيارها.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة