موقف المسلمين من الكتاب المقدس

يقع بعض المسلمين في فخ المبشرين النصارى حينما يسألونهم "ألا ينص القرآن على وجوب الإيمان بالكتاب المقدس؟" (bible)  فيجيب المسلم "نعم" جاهلا مما يتكون هذا الكتاب. في الحقيقية لا ذكر للكتاب المقدس في القرآن الكريم. وما يثير العجب أن لا وجود لذكر "الكتاب المقدس" أو bible  في الكتاب المقدس نفسه بينما القرآن الكريم يحتوي في آياته عشرات المرات على كلمة "القرآن"!!!! والسؤال الذي يطرح نفسه كما يقول الشيخ ديدات : "هل نسي الله أن يسمي كتابه؟؟؟؟" بالطبع لا ولكن الكتاب المقدس ليس كتابا الهيا انما مجموعة مخطوطات وأسفار كتبت بأيدي بشر وجمعها ونقحها بشر اختاروا ما يناسب معتقداتهم وجمعوها في كتاب واحد اسمه الكتاب المقدس.

الإسلام يعترف بكتاب اسمه الانجيل أنزل على عيسى عليه السلام وكتاب التوراة الذي أنزل على موسى عليه السلام. وتشابه الأسماء بين أناجيل الرسل وانجيل عيسى لا يجعلنا نؤمن بأن هذه الاخيرة هي الانجيل، تماما مثلما لا نؤمن بأن ما يسميه اليهود التوراة هو توراة موسى لأن فيها الكثير من الأسفار التي كتبت بعد موسى.  من بين كل أسفار العهد الجديد لا ينظر المسلمون إلا إلى كلام عيسى عليه السلام في الاناجيل الذي يشكل عشرة بالمئة فقط منه دون ان يعترفوا بأن كل ما قيل دار فعليا على لسانه.

وهذا الكلام الذي قلناه يعطينا جوابا على شبهة طالما رددها النصارى وهي " إذا كان الإنجيل حرف، فمتى وأين و كيف؟ وهل من المعقول أن تغير التعديلات الطفيفة على مر الزمن في بنية الكتاب المقدس كله؟" ويدفعوننا لندخل في جدل تاريخي عقيم جوابه بكل بساطة "في حديثنا عن الكتاب المقدس نحن لا نتحدث عن تحريف له لأنه في الأصل كتاب مختلف تماما عن الانجيل الذي انزل على عيسى، عندما نقول بأن الانجيل حرف فنحن نقصد بأن الكثير من اقوال عيسى عليه السلام حرفت أو أخذت على غير معانيها اما تعليقات كتبة الأناجيل أو بقية الأسفار في العهد الجديد فلا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد إذا كانت حرفت أم لا".

يقول الداعية الشيخ عائض القرني في كتابه هذه عقيدتي:

فما موقفنا من الإسرائيليات نحن المسلمين ؟ الجواب هو: أن الإسرائيليات عندنا تقسم إلى ثلاثة أقسام :

 القسم الأول: ما كان في كتابنا، وفي سنة نبينا صلى الله عليه و سلم، فهذا موجود، وهو تحصيل حاصل ، كالأمر بتقوى الله ، وكتحريم الحرام ، وتحليل الحلال، وهذا ليس فيه زيادة، وفيه : إثبات أن هذه الأوامر مطلوب الله عز وجل من الأمم كلها.

الامر الثاني : ما يخالف كتابنا، وسنة نبينا، فنضرب به عرض الحائط ، ونرده ردا تاما، ولا نقبل منه ولو ذرة .

القسم الثالث : ما لا يوافق ولا يخالف ، وإنما هو أعاجيب ، وأخبار، وقصص ، فهذا نحدث عن بني إسرائيل ، ونذكرها للعبرة بين يدي الناس لقوله صلى الله عليه و سلم : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". وقوله صلى الله عليه و سلم  : "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" ، معنى ذلك : ما لم يوافق كتابنا أو يخالفه ، فإن وافق قبلناه ، وإن خالف رددناه ، وإن لم يكن فيه موافقه ، ولا مخالفة، روينا وسكتنا: كأن نحدث أن فيهم قوما ذهبوا في الدهر، وأنهم هلكوا وليسوا في القرآن ، وأن فيهم رجلا صالحا تعبد في جزيرة من الجزر، وأن فيهم قوما استقاموا على منهج الله ، وأن قوما فجروا فأهلكهم الله ، هذه قصص وعبر نحدث بها ولا حرج. هذا موقفنا من الإسرائيليات ، إذا سمعتموها، بارك الله فيكم

ومن هنا فإني سأحاول في المقالات التي تلي ان أقيم بعض المقارنات بين الأناجيل الحالية والقرآن الكريم ، ملاحظا النقاط المشتركة والمختلف عليها. وسنلاحظ بان هناك تشابها بين قصص القرآن الكريم وقصص العهد القديم من بعض النواحي القصصية ولكن هناك اختلاف كبير من حيث المغزى والعبر. كما سنشاهد تشابها بين وصايا القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم ووصايا الأناجيل.

الأقوال المنسوبة للمسيح في العهد الجديد

من خلال مطالعتي الشخصية في الأناجيل و قراءتي للكتب الإسلامية عن المسيح والكثير من المقالات الإنكليزية على الانترنت والمكتوبة من قبل كتاب مسلمين ونصارى استطعت تقسيم الأقوال التي تنسب إلى المسيح عليه السلام إلى ثلاثة أقسام.

1-    الأمثال التي كان يضربها للتلاميذ

2-    وصاياه الى تلاميذه وأجوبته على اليهود الذين تحدوه.

3-    أقواله التي تتعلق بالعشاء الأخير والمحاكمة والصلب والقيامة.

اما إذا قسمنا أقواله تقسيما تحليليا فنجدها ثلاثة اقسام أيضا:

1-    أقوال واضحة ومفهومة متوافقة يمكن أن تقبل من أي عقل منطقي على إنها أقوال المسيح.

2-    أقوال مبالغ بها وممسرحة ولكن يمكن تأويل معناها على نحو صائب.

3-    أقوال درامية تراجيدية لا معنى دعوي لها على الأطلاق إلا الاسهام في تحريك عواطف القارىء.

و لن أفاجئكم اذا قلت بأن هناك نوع كبير من التطابق بين التقسيم الموضوعي والتقسيم التحليلي

1- الأمثال في معظمها مفهومة ويقبل المنطق أن تنسب الى المسيح

2- الوصايا للتلاميذ والأجوبة على اليهود مقبولة في معظمها مضمونا اذا أولت على ناحية معينة.

3- أقواله في مراحل العشاء الأخير والمحاكمة.... فيها الكثير من المبالغة الدرامية واستدرار العواطف.

و نعود الى الناحية الإسلامية والتي فصلها الشيخ القرني فنقسم الأقوال التي تنسب إلى المسيح إلى ثلاثة ايضا:

1-    ما ورد في القرآن والحديث فنقبله بلا تردد.

2-    ما لم يرد في شرعنا فنتوقف عن البت بصحته أو تكذيبه ويجوز لا ان نرويه إذا أولناه بما يتوافق مع شريعتنا.

3-    ما يخالف القرآن الكريم فنرده ردا كاملا.

و لن تتفاجئوا كذلك إذا علمتم أن هناك شبه تطابق أيضا بين هذا التقسيم والتقسيمين السابقين:

1-    الأمثال مقبولة في معظمها لأنها ترد في القرآن والحديث.

2-    الوصايا مقبولة إن أولناها بما يناسب عقيدتنا وردوده على اليهود مقبولة إن أزلنا الغموض الذي فيها.

3-    كل ما يتحدث عن الصلب والقيامة مرفوض بتاتا لأن المسيح لم يصلب باعتقادنا ولكن للشيخ ديدات رأي يستحق النظر بأننا يمكن ان نقبل ما ورد في الاناجيل بأن المسيح ظهر لتلاميذه مجسدا بعد حادثة الصلب لأن المسيح من المحتمل أن يكون قد زار تلامذته قبل صعوده إلى السماء لطمأنتهم فالشخص الظاهر لهم برأي الشيخ ديدات ليس المسيح الذي قام من بين الأموات بل المسيح قبل الصعود ولا نقبل انه اراهم آثار الصليب.

وأنا أتكلم عن شبه تطابق لأن هناك احتمال أن ترد أمثال منسوبة للمسيح لا تتطابق مع الإسلام نهائيا او يرد في الوصايا ما لا يمكن تأويله....

أمثلة عن الأقسام الثلاث:

1-    الأمثال والوصايا:

في انجيل متى يرد المثل التالي:

فإن ملكوت السموات يشبه رجلا رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فعلة لكرمه.فأتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم الى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى اخرين قياما في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا انتم أيضا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم.فمضوا. وخرج أيضا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قياما بطالين.فقال لهم لماذا وقفتم هنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحد.قال لهم اذهبوا انتم ايضا الى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم. فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله. ادع الفعلة وأعطهم الأجرة مبتدئا من الآخرين الى الاولين. فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا دينارا دينارا. فلما جاء الاولون ظنوا انهم يأخذون أكثر.فأخذوا هم أيضا دينارا دينارا  وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت قائلين.هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر.  فأجاب وقال لواحد منهم.يا صاحب ما ظلمتك.أما اتفقت معي على دينار.  فخذ الذي لك واذهب.فاني اريد ان اعطي هذا الاخير مثلك. أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بما لي.أم عينك شريرة لأني أنا صالح. هكذا يكون الآخرون أولين والأولون آخرين.لان كثيرين يدعون وقليلن ينتخبون

و في الحديث الشريف : سمع رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يقول إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين فقال أهل الكتابين أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا قال قال الله عز وجل هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء(صحيح البخاري 524) 

و هذا دليل قاطع أن الأناجيل تحتوي معلومات صحيحة تكاد ترد حرفيا في القرآن والسنة ونترك هذه المقارنة بين الأمثال لحلقات أخرى إن شاء الله.

2-    الأوامر والحوارات مع اليهود:

هذه مقتطفات من الأناجيل

- وقال له آخر من تلاميذه يا سيد ائذن لي أن أمضي أولا وأدفن أبي. فقال له يسوع اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم

- واقول لكم أيضا ان مرور جمل من ثقب ابرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله.

- فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك.لانه خير لك أن يهلك أحد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم.

- ان كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه ايضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا.

- أيها الجيل غير المؤمن الملتوي إلى متى أحتملكم؟

هذه الوصايا في جوهرها صحيحة ولكن الكلام فيه مسرحة ومبالغة بطريقة لم نعهدها في الإسلام فليس في الحديث أو القرآن ما ينص على ان الرجل يجب أن يكره أمه وأباه ليكون تلميذا لمحمد صلى الله عليه وسلم ويحض الإسلام المسلم على حضور الجنازة فكيف إذا كانت جنازة أحد الوالدين؟ كذلك لا يطلب الإسلام من الإنسان أن يقلع عينه اذا عصت بل أن يقاوم رغباته. وأخيرا لا يمنع الإسلام الغني من دخول الجنة وإن كان يحثه على التصدق والزكاة. كذلك لم يخاطب محمدا عليه السلام صحابته بهذا الكلام القاسي "الجيل الملتوي، ابناء الافاعي، يا شيطان..."

و نحن هنا أمام ثلاثة مواقف في تفسير أقوال المسيح:

1-    هذا الكلام مبالغ فيه من قبل الذين سجلوا اقوال المسيح في الاناجيل (و هو الأرجح)

2-    كانت هذه طريقة السيد المسيح في الدعوة و الكلام (يخفف ترجيحه لهجته الوديعة في القرآن الكريم)

3-    هذا الكلام موجه للخاصة اي الرسل او الحواريين وبالتالي فهو لا يطلب من جميع الناس ان يتركوا اسرهم واموالهم انما فقط من خاصته الذين يجب ان يدعوا الناس الى الحق.

والاحتمال الكبير ان تكون اقوال المسيح كما نسبت اليه مزيجا من هذه الطرق الثلاثة. فمن المحتمل ان تكون احدى الوصايا موجهة الى الخاصة فقط بلهجة السيد المسيح التي قد تختلف عن اسلوب سيدنا محمدا وبنفس الوقت مرشوشا عليها القليل من الملح والبهارات من قبل السامعين و متناقلي القصة واخيرا الكتبة والمترجمين.

لن اسرد الآن ردود المسيح على اليهود فهي مبحث آخر و لكن الملاحظ بأن الاسئلة دائما تكون منهم للبحث عن تهمة تؤذيه امام الحكام الرومان او الشعب اليهودي المحافظ فتأتي اجوبته بطريقة تبهتهم وتفحمهم و هناك اخراج مسرحي ممتاز لهذه النظرة و لكن كما يخرج اليهودي حائرا دون جواب على اسئلته يخرج قارىء الانجيل اليوم بالنتيجة نفسها. حسب الاناجيل حرص المسيح على افحام اليهود اكثر مما حرص على هداية البشرية. لقد افحمهم في امتحانهم له في قضية المرأة الزانية وقيصر والجزية وحتى لما اتهموه بادعاء الالوهية افحمهم دونما بيان شاف بالنفي او بالايجاب؟؟؟

اقوال يسوع في نهاية رسالته

قدمنا سابقا ان الإسلام يرفض فكرة الصلب و بالتالي فكل القصص في هذه الفقرات غير معترف يها اسلاميا و لكن نسوقها لنرى كيف تتبدى فيها المؤثرات الدرامية و المبالغات التراجيدية بشكل واضح للعيان. كما يتبدى فيها انقلاب مهم و هو توقف الدعوة الدينية التقليدية لتستبدلها جملة امور تتناقض مع شخصيات المسيح و تلاميذه التي رسمتها الاناجيل فنراهم يضعفون فجأة  ويدخل الشيطان عليهم. فيهوذا دخله الشيطان وسلم المسيح. وبطرس دخله الشيطان فانكر المسيح لا بل يروي انجيل متى بانه مكث يحلف ويلعن وحتى المسيح نفسه لم يسلم من هذا فكما تروي الاناجيل بأنه كان دائما يعير تلاميذه بضعف ايمانهم ويقول لهم لو عندكم ذرة ايمان لحركتم الجبال فكيف يشك في آخر لحظاته بالقضاء الذي كتبه عليه الله ؟؟؟ ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ايلي ايلي لما شبقتني اي الهي الهي لماذا تركتني. قد يعلل النصارى هذا بكون المسيح قد دخل في جسد الانسان واصابه الضعف البشري ولكن الضعف البشري معناه ان يتألم اما صرخة "لماذا تركتني؟" ففيها اعتراض!!! والجدير بالذكر بأن انجيل يوحنا لم يذكر هذه الواقعة مع ان يوحنا كان شاهد عيان لعملية الصلب !!! (طبعا هذا على فرض ان يوحنا هو الذي الف انجيله كما يدعي المسيحيون) من الواضح جدا ان هذه الحادثة اضيفت الى قصة الصلب لجعلها اكثر درامية فبالفعل هذه الصرخة قادرة على ابكاء ملايين المسيحيين الذين يستمعون لقصة الصلب و هي مأساة حقيقية من وجهة النظر الدرامية ولكنها ابعد ما تكون عن شخصية المسيح كما تكونت عندنا خلال قراءتنا لشخصيته في الاناجيل. وقد انتبه كاتب انجيل يوحنا لهذا التناقض خاصة وانه يحرص على تصوير فداء المسيح للبشرية وعلى الخلاص بالمسيح فاستبدل هذه الصرخة بعبارة تسليم بقضاء الله "فقد اكمل".

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة