مواصفات الدين الحق

اولا: مقدمة كثيرا ما اتابع جلسات حوارية بين الاديان والعقائد المختلفة منها ما هو حي ومنها ما هو مكتوب. فاهز رأسي اسفا لمستوى الحوار المتدني فهو لا يخرج عن واحدة من الحالات التالية: 1-    جدال هو اقرب الى السباب والشتم منه الى حوار يخاطب العقل والمنطق. 2-    حوار مجاملات من نوع وحدة الاديان والاستخفاف بالعقول والقفز فوق الاختلافات الجوهرية.  

3-     حوار في الفروع يضيع وقت المستمع او القارىء في تفاصيل لا تغني ولا تسمن من وجوع نظرا لغياب الارضية المشتركة التي ينطلق منها الطرفان.

لذلك وكي نخرج من هذا الاطار السلبي ونقدم مادة جديدة تفيد القارىء ولا تهدر وقته فعلينا ان نلتزم بثلاث ضوابط

1-     الموضوعية التامة بحيث لا تنطلق في الحوار بهدف طحن الخصم بقدر ما تسعى الى ايصال وجهة نظرك له.

2-     المصداقية العلمية بعيدا عن الاستخفاف بالعقول.

3-     وضع مبادىء واصول عامة تشكل ارضية مشتركة للحوار.

ولا ادعي ان النجاح سهل في هذه الضوابط الثلاث فالموضوعية المطلقة مستحيلة والمصداقية العلمية ليست حاسمة في العلوم الانسانية كما هي الحال في العلوم التطبيقية كما ان المبادىء والاصول التي سيضعها كل طرف هي نتيجة تراكم خبراته الشخصية وخبرة محيطه وبالتالي قد لا تكون شاملة لكل ما يجب ان يوضع من قواعد في هذا المضمار، فلا ريب ان كل طرف سيذكر اشياء وتغيب عنه اشياء. لكن جل ما نسعى اليه هو وضع حجر اساس يكون مدخلا لبناء هرم ضخم اسمه اصول الحوار بين الاديان. ونتأمل ان يأتي غيرنا ويكمل ما بدأنا به ويضع فرضياته التصحيحية او المضادة لما وضعنا كي نخرج بمادة غنية تنفع كل باحث عن الحقيقة. ثانيا: مبادىء فكرية اساسية يجيب ان تنسجم فيها العقائد والاديان 1- الدين يجب ان يكون مفتوحا للجميع  

بعض الاديان والعقائد مغلقة على جنس معين او نسل معين فهي لا تصلح بأن تسمى عقيدة عالمية او تعرض على نطاق البحث للحوار. فلم نهتم بدراسة دين او عقيدة او جمعية لا تفتح لنا المجال لدخولها؟ ان اولى مبادىء الاخلاقية والعدل لأي عقيدة تقدم نفسها على انها حقيقة مطلقة ان تفسح المجال للناس ان يعتنقوها. اما ان  تقوم عقيدة ما وتدعي انها الحل وانها الحقيقة دون ان تفتح المجال للناس بالانضمام اليها فهذه عنصرية مقنعة لا يمكن الا ان تفرق بين الناس وتثير البغضاء بينهم.

2- الدين يجب ان يحمل قيما اخلاقية عادلة و رادعة  

لا ينبغي للدين ان يكون عملا تطوعيا او موضة او رياضة روحية لتمضية الوقت وتطوير الذات بل عليه ان يحمل قيما الزامية ضابطة وصريحة. ومن من اهم مهمات الدين ان يشكل رادعا اخلاقيا لصيانة المجتمع وان يحمل في طياته مبادىء العقاب للمخالف والثواب للمنتمي الملتزم بالقواعد، وعلى هذه المبادىء ان تكون اخلاقية، عادلة وواقعية فمن غير المنطقي ان يعاقب الشخص بجريرة عمل الآخرين ولا ان يفدي شخص خطايا الآخرين. فاذا فقد الدين هذا النظام المتكامل استحال الى مجرد رياضة روحية او سفسطة كلامية لا تعكس أي تأثير مهم على ارض الواقع.

 3- عقائد الدين واساسياته يجب ان تكون  سهلة الفهم على العامة  

بما ان كل دين (او ايديولوجية) يدعي انه الحقيقة المطلقة لكل البشر فمن المنطقي الافتراض ان العقيدة الاساسية لهذا الدين يجب ان تكون سهلة وبمتناول فهم العامة، نعم قد لا يفهمها العامي بنفس العمق الذي يفهمها المثقف ولكنه بالنهاية يستطيع ان يقتنع بأصلها بدلا من ان يرددها كالببغاء مثلما يردد الكثير من العامة شروحات عقائد دينهم مع انهم لا يفقهون شيئا منها. لو كان الدين للنخبة فقط لما كان هناك من معنى ان يكون التكليف فرديا بل لكان التكليف على الخاصة فقط وهذا ما لا يدعيه أي دين على حد علمنا              .

4- عقيدة الدين لا يجب ان تتغير عبر العصور اما شريعته فمن الممكن ان تتغير  

بما ان كل دين يدعي انه الحقيقة المطلقة وغالبا ما يقدم نفسه على انه الحلقة الاخيرة في سلسلة رسالات سابقة فعلى هذا الدين ان يكون منسجما مع فحوى عقائد هذه الرسالات السابقة ولا يخالفها، فإن كان الاصل واحدا فلا يمكن ان يقتنع العقل البشري ان تتغير العقيدة من رسالة الى اخرى اذ ان عقيدة الدين هي جوهره وحقيقته والجوهر لا يتغير ان كان الاصل واحدا انما يتغير اللباس لينسجم مع تطور البشر الفكري ويصبح اكثر ملائمة لهم فمن هنا استحالة تغير العقيدة مع الزمن في مقابل احتمال ان تتغير الشريعة تبعا لتغير مصالح الناس عبر الزمن ومستوى تفكيرهم.

5- برهان الوصول الى الدين الحقيقي ينبغي ان يكون مركوزا في النفس  

تتألف الشخصية الانسانية من ثلاث عناصر اساسية: العقل والعاطفة و الفطرة (او الوجدان)، فالدين الحقيقي والصحيح يجب ان يكون مركوزا في النفس الانسانية بحيث ترشد اليه الفطرة، يتقبله العقل ويصدقه، وفي نفس الوقت يكون قادرا على ارواء العاطفة واشباعها. اما الاديان التي تطلب منك الغاء عقلك والتسليم الاعمى بها عن طريق استدرار العواطف فهي اديان لا ترقى الى المستوى المقبول. اذ ان العواطف متغيرة حسب التربية والمرء بتعلق بما شب عليه وما اعتاده فمن غير المنطقي ان يكون الدين الذي يقدم نفسه كحقيقة مطلقة موضوعا شخصيا خاضعا للذوق البشري او لتربية المجتمع واهواء الفرد.

6- يجب ان يكون الدين شاملا  

المفترض من الدين ان يقدم نفسه على انه حقيقة مطلقة .. وان كان الدين يقدم الحقيقة المطلقة فعليه بالبداهة ان يكون شاملا بمعنى ان يكون قادرا على الاجابة على كل سؤال يطرح عليه خاصة ان كان اساسيا، ولا نطلب هنا من الدين ان يكون الموسوعة الوحيدة التي نستقي منها معارفنا فكل دين لا بد وان يعطي هامشا للتجربة البشرية كي تجيب على كثير من الاسئلة.. ولكني اقصد انه ليس من المنطقي ان يطرح الدين سؤالا او يطرح عليه سؤال فيجيب لا ادري.. والا فما الفرق بينه وبين الفلسفة؟ ان الفلسفات هي التي تقدم اسئلة لا جواب عليها وتترك للناس وللفكر البشري التطوع بتقديم الاجوبة غير المؤكدة عليها.

7- يستحيل على الدين ان يكون متناقضا  

بما ان الدين يقدم نفسه على انه حقيق مطلقة فيستحيل على هذه الحقيقة ان تتناقض مع نفسها.. طبعا والحديث عن التناقض ليس بالشيء السهل .. فليس كل ما يعجز العقل البشري عن تخيله يعد متناقضا.. فكم من الامور اعمق من ان يستوعبها ويحيط بها العقل البشري ولكنه يتقبلها على اساس انها ممكنة.

8- الدين يجب ان يحث على الانسلاخ عن العقائد المتوارثة البالية  

ينشأ أي فرد منا من ضمن منظومة اجتماعية متماسكة تقوم على تلقينه اصولا معينة على انها بديهية وغير قابلة للنقاش وتمثل مبادئا عليا.. فعلى الدين ان يرفض هذه العقلية في التعامل مع البشر فكل دين يجب ان يحمل ثورة على العقائد البالية وان يكون حاسما في تعامله مع الشر ومع انحرافات المجتمع لا ان يكون مهادنا لها او راضيا ان يشغل زاوية معينة فقط تخصص له.  (اقترح ان افصل هاتين النقطتين فيما بعد)

9- يجب ان يقدم الدين تفسيرا مقنعا للكون والتاريخ ولبقية الاديان  

من اجل الوصول الى الحقيقة ينبغي قدح زناد الفكر واقامة المقارنات بين العقائد المتنافرة.. فالحقيقة لا نصل اليها بسهولة بل هي في اغلب الاحيان نتاج لتصادم فكرتين متناقضتين نخرج منهما بخلاصة اكثر تماسكا تشكل مع فكرة مضادة احرى اساسا لخلاصة اخرى اكثر عمقا وتماسكا.. وهكذا دواليك.. وبالتالي ففي كثير من الاحيان يبدو لنا الدين الذي نعتنقه منطقيا الى ان نسمع بدين آخر او ايدولوجية اخرى اكثر عمقا وتماسكا .. وبالتالي فلا يمكن الاكتفاء بدراسة ديننا فقط بل علينا الاطلاع على سائر الاديان لنرى ان كانت منسجمة مع ديننا، مضادة له او في تكامل معه.. والدين الامثل هو الذي يقدم نفسه بديلا حضاريا عن جميع الاديان، مفسرا  او مكملا لها، قادرا على سد ثغراتها ومصححا الانحرافات التي وقعت فيها ان وجدت.

10- الشريعة يجب ان تكون متجانسة واخلاقية ومنسجمة مع نفسها  

تحدثنا فيما سبق عن استحالة تناقض الدين والآن نتكلم عن قاعدة شبيهة تطبق خاصة في شرائع الاديان. على الشريعة ان تكون منسجمة مع نفسها بمعنى ان ليس من المنطقي ان تطالبنا بتطبيق قاعدة اخلاقية ما في حقل من حقول الحياة و من ثم تعتمد قاعدة اخلاقية مضادة بمائة وثمانين درجة في حقل آخر.. نعم هذا لا يعد تناقضا عقليا ربما ولكنه دليل ركاكة و ضعف فالدين المتماسك يشد بعضه بعضا وتؤازر قواعده بعضها البعض لأي جانب من جوانب الحياة انتمت هذه القواعد.

11- الشريعة يجب ان تبنى على اساسيات ثابتة وفرعيات متحركة يمكن ان نقسم قوانين الشريعة (وهنا نقصد بالشريعة القوانين وليس العبادات التي تعتبر في كثير من الاحيان جزءا من الشريعة) الى ثلاثة اقسام:  

1-     جزء عام لا يتغير عبر الزمن ابدا حتى مع اختلاف الرسالات مثل حرمة القتل والسرقة والغش.

2-     جزء عام من ثوابت الشريعة وهو ما كان حلا لمشكلة معينة متعلقة بطبيعة الانسان ذا ان خصائص البشر ونفسياتهم لا تتغير مع الزمن (مثل عقوبة القتل او السرقة).. نعم قد تتغير هذه الحلول من رسالة الى اخرى (من نفس الدين) لعدم اكتمال نضوج المجتمع البشري ولكن تتغير على يد قادة هذه الرسالات وليس على يد آليات معينة موجودة في الشريعة.

3-     جزء متغير يناسب تغير المجتمع وتطوره الحضاري كايجاد حلول منطقية لمسائل مستجدة مثل طفل الانبوب ووهب الاعضاء والملكية الفكرية... وهذا لا مانع من وجود آليات معينة في الشريعة (الاجتهاد) يستبط حلولا مستقاة من روح النصوص  الثابتة.

12- الشريعة يجب ان تكون ايجابية و قابلة للتطبيق (لا تكليف بما لا يطاق)  

فمن العبث ان نطلب من الانسان مثاليات تفوق قدرته على التحمل مثل ان نطلب منه عدم الدفاع عن النفس في حال تعرضه للاعتداء. او ان نحرم عليه المشاعر التي لا قدرة له على ردها او التحكم بها.. او نحاسبه على التصرفات اللااردية واللاشعورية التي تجري في كيانه  او نحاسبه على ما يخطر بباله حتى لو لم يكن مقتنعا به او عاملا به.

13- الشريعة يجب ان تعترف بحاجات الانسان الاساسية  

ليس مقبولا ان يأمر الدين بتجريم كل وسائل تلبية الحاجات الاساسية التي خلقت مع الانسان سواء كانت جسدية او فكرية او اجتماعية او روحية. نعم نحن نعترف ان الجانب الاساسي الذي يركز عليه الدين هو الجانب الروحي ولكن من غير المنطقي بتاتا ان يعمد الدين الى قمع الحاجات الاجتماعية والفكرية والجسدية للبشر.. نعم ممكن ينظمها ويقننها ولكن لا يقمعها.

بعد هذه المقدمة: هل بامكانكم ان تخمنوا اسم الدين الحق؟ نترك هذا لذهن القارىء اللبيب

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة