موازين الله وموازين البشر (1)

عبر بين موازين الله وموازين البشر

التقوى هي ميزان الشرع الذي به يزن البشر، أما موازين البشر فغير كاملة لنقصانهم، وضيق نظرتهم، وفي هذه الخطبة يوضح الشيخ ذلك بأمثلة من الواقع وأدلة من الشرع، فاقرأ تستفد.

مقارنة بين ميزان الشرع وميزان البشر:

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  [آل عمران:102].  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً  [النساء:1].  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً  [الأحزاب:70-71]. إن من الأمور التي ينبغي أن نتفكر فيها جيداً ونمعن النظر، ونأخذ العبر، الفروق بين موازين الله وموازين البشر، ذلك أننا في كثير من الأحيان، نحكم على الأشخاص والأحوال من منظار الدنيا، ونقوم الناس والمواقف من المناظير الدنيوية التي ننظر إلى هؤلاء الأشخاص والأحوال من خلالها، بينما يكون الأمر عند الله تعالى مختلفاً تمام الاختلاف. ومن هنا كان لابد لنا أن نعدل النظرة، وأن نقوم الميزان، حتى ننظر إلى الأمور من خلال منظار الشرع، لا من خلال منظار الهوى والعادات والتقاليد، وما استحدثه الناس من أنواع الموازين الدنيوية.

العاهات البدنية ومنظار الشرع إليها:

ما هو رأينا في رجل مشوه الخلقة، ربما يكون دقيق الساقين، أو أسود البشرة، أو أعور أفحج، أو أنه مشلول، أو مجدوع الأنف والأطراف ونحو ذلك؟! كثير من الناس ينظر إليه بازدراء؛ لأن خلقته مشوهة، ينظرون إليه من منظار النقص، ولكن المسألة ليست بالشكل ولا بالصورة، وإنما هي بالتقوى:  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  [الحجرات:13]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيضاح هذا المفهوم، فروى الإمام أحمد رحمه الله في الحديث الحسن عن ابن مسعود : (أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مم تضحكون؟! قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) ساقا ابن مسعود الدقيقتان النحيلتان أثقل عند الله في الميزان من جبل أحد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلفت نظر الناس إلى هذا الأمر، وأن القضية ليست بجمال الصورة، وإنما هو بالإيمان الذي وقر في القلب، فروى أحمد رحمه الله في الحديث الصحيح عن أنس : (أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً ، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن زاهراً باديتنا، ونحن حاضروه). قال في مرقاة المصابيح في شرح الحديث: أي نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، يجلب إلينا أشياء لا تكون إلا في البادية ليست عندنا، ونحن نعد له ما يحتاج إليه من البلد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه وكان رجلاً دميماً، قبيح المنظر والخلقة ليس فيه جمال، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول -ممازحاً لـزاهر-: من يشتري العبد؟! فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً -من يرغب فيّ؟ ومن يطمع في شكلي؟- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكنك عند الله لست بكاسد"  أو قال:  "لكنك عند الله غالٍ" فتأمل كيف لفت النظر إلى هذا الشيء.

ذم الشرع للسمن:

وفي المقابل نجد أن الرجل العظيم السمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة...) هذه رواية البخاري ، وفي رواية لـابن مردويه : (الطويل العظيم الأكول الشروب...) عند الناس الطويل العظيم، خلقة محترمة, خلقة جيدة، وشيء يُتطلع إليه، مثل المنافقين:  وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ  [المنافقون:4]. (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) هذا في ميزان الرب، عندنا نعجب بالصورة والخلقة، والعضلات المفتولة، والجسم الفارع الطول: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا:  فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً  [الكهف:105]). وهذا لأنه رجل فاجرٌ أو كافرٌ لا يزن عند الله جناح بعوضة، ولا يعني ذلك التعميم، فقد كان من الصحابة الأجلاء من هو طويل مربوع، وكان في الكفار من هو دقيق نحيل. ولكن المقصود لفت النظر إلى عدم التعلق بجمال الصورة، وأن نُقوم الناس أو نُعجب بهم، أو نحبهم بناءً على جمال صورتهم، فإن الجمال لا يغني عنهم من الله شيئاً، وربما يكون من أجمل الناس وهو عند الله من أحقر خلقه، وربما يكون الرجل أكثر الناس تشويهاً، وهو من أعظم الناس عند الله يوم القيامة. وقد كان عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى مفتي مكة وقاضيها؛ عبداً أسود، مجدوع الأنف، أعور، مشوه الخلقة، رأسه داخل في جسده، -لا يكاد يوجد له رقبة- ومع ذلك كان مقدم الناس، لا يفتي في الحج إلا عطاء، ولا يجسر في الحج أن يفتي أحد إلا عطاء ، قاضي مكة بأسرها، يأتي إليه الناس، حتى الخليفة قال لولديه: يا بني! اطلبوا العلم، فإنني لا أنسى ذُلنا بين يدي هذا العبد الأسود. لأن المجتمع كان ينظر إلى الناس من خلال العلم والإيمان، ومن خلال العقيدة، لا من خلال الشكل والصورة كما يفعله كثير من الناس، فإذا أراد مثلاً أن يتزوج نظروا إلى صورته وشكله قبل دينه وخلقه، لا مانع من الاهتمام بالصورة والشكل، لكن المشكلة في تقديم ذلك على الدين والخلق، والإيمان والتقوى، والعلم والفضل. لما استقر هذا المفهوم في أذهان الصحابة رضي الله عنهم، بان ذلك من خلال كلامهم، فلما قام عتبة بن غزوان الصحابي الجليل رضي الله عنه يخطب في الناس بعد ما فتحوا البلاد بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وحمد الله وأثنى عليه، ماذا قال في كلمته؟ قال: [ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك ، فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد، إلا أصبح أميراً على مِصر من الأمصار] لأن الخلفاء الراشدين كانوا يولون الصحابة على الأمصار، يكونون أمراء وقضاة وأئمة، الأمير والقاضي والإمام واحد، والمفتي لهم والمعلم وناقل الأحاديث والمربي واحد. قال: [فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً- نتيجة هذه المنزلة وهذه الإمرة- وعند الله صغيراً، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً، فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا] رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه . إذاً: ما هو الميزان عند الله؟ ما هو الميزان الذي يجب علينا أن ننظر إلى الناس من خلاله؟ إنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) -هذا هو الميزان- رواه مسلم رحمه الله وغيره.

مقارنة بين منظار الشرع والبشر إلى الفقر:

ما هو رأينا؟ وماذا نقول؟ وما هي وجهة نظرنا، إذا رأينا شخصاً فقيراً عليه أسمال بالية، وثيابه رثة، وهيئته محقورة، وهو ضعيف، وليس له منزلة، ولا أحد يعطيه وجهاً كما يقول العامة، ما هو رأينا فيه؟ ما هي نظرتنا له؟ روى البخاري رحمه الله عن حارثة بن وهب الخزاعي ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف...) الناس يتضعفونه لضعفه، كل يظلمه ويحقره ولا يبالي به ولا يعطيه وزناً ولا قيمة، هؤلاء أهل الجنة: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره...) من عظمه عند الله ومنزلته ومكانته، لو قال: أقسمت عليك يا رب أن تفعل كذا، لبر الله بقسمه وفعل. (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل -أي: جافٍ شديد الخصومة بالباطل- جواظ) أي: فظ غليظ متكبر في مشيته، ومستكبر كما دلت عليه الصفتان السابقتان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تجلية هذا الموقف لأصحابه، فقد روى البخاري رحمه الله عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: "مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع إن يُشفع قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" أي: الذي ولى أولاً.  ونحن ننظر إلى الناس غالباً من مناظير دنيوية، نقول: هذا رجل صاحب منصب، هذا رجل غني، هذا رجل قوي، هذا رجل جميل الخلقة، هذا ذو مرة، وهو عند الله قد يكون من أحقر الناس، وإذا نظرنا إلى شخص فقير ضعيف لا مكانة له ولا وظيفة، أو كما يقول العامة: لا وجه ولا جاه، ماذا نعتقد فيه؟ وبأي عين ننظر إليه؟ وكيف نعامله، ونستقبله في مجالسنا؟ وكيف نسلم عليه، وكيف نكلمه؟ بناءً على موازيننا نتعامل، فهذا العظيم الغني صاحب المنصب، نقوم له، ونجله، ونرحب به، ونسمع كلامه، ونلبي طلبه، وهذا الضعيف المستضعف الفقير، إذا دخل المجلس لا أحد يلتفت إليه، ولا يأبه به، ولو طلب طلباً قاطعنا كلامه، ولا نلبيه، وربما طردناه، لماذا؟ لأن نظرتنا دنيوية أيها الإخوة! نظرتنا ليست بميزان الشرع. هذا الذي نريد أن نعدله، النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً أن يربي هذا المفهوم في نفوس أصحابه، فقد روى أحمد ، قال الهيثمي بأسانيد ورجالها رجال الصحيح: عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر ! ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه في المسجد -أعلى رجل منزلة- قال: فنظرت -استعرضت الناس في المسجد- فإذا رجل جالس عليه حلة -أي: ثوب من قطعتين نفيس -فقلت: هذا أرفع رجل، فقال: يا أبا ذر ! ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد، فنظرت، فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق -أي ثياب قديمة بالية- قال: فقلت: هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لهذا أفضل عند الله يوم القيامة من قراب الأرض - أي: ملئها وقدرها- مثل هذا) .

الفصاحة والعي بين ميزان الشرع وميزان البشر:

الفصاحة عندنا ماذا تعني؟ القدرة على الكلام والخطاب، والمحاماة والمرافعة، وتصدر المجالس، وفي الوقت نفسه يعني عندنا العيّ: عدم القدرة على التعبير عما في النفس، والضعف في المنطق، وعدم البلاغة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة...) التخلل في الكلام: أي التشدق وتفخيم اللسان به، كما تأكل البقرة وتخرج لسانها، هذا يتشدق بالكلام مخرجاً لسانه يميناً وشمالاً، رافعاً له، كما تتخلل البقرة، قال أبو عيسى -أي: الترمذي- هذا حديث حسن غريب. وفي رواية أبي داود : (إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها) قال في الشرح: أي المبالغ في الحديث استهزاءً بالناس، يتخلل في الكلام، أي: يفخم ويتشدق في قوله كما تلف البقرة لسانها على الكلأ، وفي صفات المنافقين:  وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ  [المنافقون:4] من حلاوته والطلاوة التي عليه والفصاحة التي هم عليها: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) من حلاوة منطقهم، وجودته وجماله، وفصاحتهم، لكن إذا كان الفصيح منافقاً، فأي شيء تنفعه فصاحته؟ وماذا ينبغي أن تكون نظرتنا إليه؟ وفي الوقت نفسه جاء في الحديث: (العيّ من الإيمان) العي هو: عدم القدرة على توضيح المقصود، وعدم البلاغة، والضعف في المنطق، وطبعاً هذه ليست قواعد، فقد كان من الصحابة فصحاء، ومن الكفار من يكون عيياً، لكن المقصود ألا نقيس الناس على الفصاحة والعي، فنقول صاحب المنطق البليغ المتشدق: هذا مؤمن، هذا إنسان عظيم، هذا إنسان له منزلة، وإذا جاء واحد لا يعرف أن يتكلم بكلمتين يضعهما فوق بعضهما احتقرناه لضعف لسانه ومنطقه.

المرض في الشرع ليس شراً محضاً:

المرض ماذا يعني بالنسبة إلينا؟ المرض شر، ونحن نكره المرض، ولا غرابة في ذلك، لكن ينبغي أن ننظر إلى المسألة بالمنظار الشرعي، وأن المرض فيه إيجابيات وفيه خير، فالخطأ في نظرتنا إلى المرض أن ننظر إليه أنه شر كله. دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم المسيب أو أم السائب ، فقال: (مالك يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين -أي: تضطربين وترتجفين- قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال: لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد) إذاً لها فائدة، تُكفر السيئات، وورد أنها من فيح جهنم. ولذلك قال: (أمرنا أن نبردها بالماء) وورد في بعض الأحاديث: [أن بعض الصحابة لما علموا أنها لو مكثت عندهم كفرت خطيئتهم اختاروا مكثها] لا تظن أن الذي لا يمرض -قوي الجسم الصحيح - أنها علامة خير، بل ربما لا تكون كذلك، روى أحمد رحمه الله عن أبي هريرة قال: (دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أخذتك أم ملدم قط، قال: وما أم ملدم؟ قال: حرٌ يكون بين الجلد واللحم، قال: ما وجدت هذا قط، قال: فهل أخذك هذا الصداع قط، قال: وما هذا الصداع؟ قال: عرق يضرب على الإنسان في رأسه، قال: ما وجدت هذا قط، فلما ولى، قال عليه الصلاة والسلام: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا). مرة أخرى هذه من العلامات، لكنها ليست قاعدة مطردة في كل من يصيبه حمى أنه مؤمن، وفي كل من لا يصيبه أنه كافر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يلفت النظر إلى هذه القضية، لا تظنوا -يا أيها الناس- إذا رأيتم شخصاً فأعجبتكم صحته وجلده أنه مؤمن، والذي لا عهد له بالأمراض معناها أن الله لا يبتليه، ولا يريد أن يكفر عنه، والذي لا يريد الله أن يكفر عنه فما هي نهايته؟ يكون انجعافه مرة واحدة، المؤمن مبتلى مثل الشجرة الطرية والنبت اللين؛ تفيؤها الريح مرة يمنة ومرة يسرة، حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة. نسأل الله أن يجعلنا بمنظار الشرع ناظرين، وبقواعده عاملين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

النظر بمنظار الشرع واجب يقي المرء الحيف:

نحن لا نتمنى المرض ولا الفقر، ونسأل الله العافية والغنى عن الناس، لكن لو أصابنا شيء من ذلك هل هو دليل على أن الله يكرهنا ويبغضنا؟ لا. بل هو دليل على: (إذا أحب الله عبداً ابتلاه). إذاً ننظر بمنظار الشرع، والفقر مع أنه مكروه لنا، لكن فيه إيجابيات عظيمة إذا حصل، ونحن لا نتمناه، ففي الترمذي وهو حديث صحيح عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة -من الجوع والفقر يُغشى على الواحد ويسقط في الصف وهو أثناء الصلاة- وهم أهل الصفة رضي الله عنهم؛ حتى يقول الأعراب الذين لا فقه لهم: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إليهم مواسياً -على هذا الوضع كان المجتمع وكان هناك جوع عظيم، لكن صبروا رضي الله عنهم وحصلّوا- انصرف إليهم فقال: لو تعلمون مالكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة". ريح فم الصائم عندنا مكروهة، ننفر منها ولاشك في ذلك، لكن عند الله ماذا تعني؟ وما منزلته؟ وما قيمتها؟ قال عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". نتيجة تغير رائحة الفم بخلو الجوف من الطعام تخرج الرائحة الكريهة، لكن هذه الرائحة الكريهة عندنا، هي عند الله أطيب من ريح المسك، فهذا يفيدنا لو رأيناها أو شممناها وأحسسنا بها؛ ألا نحتقر ذلك، لأنها عند الله أطيب من ريح المسك.  الرجل المقام عليه الحد كثير من الناس ينظر إليه باحتقار واشمئزاز؛ لأنه فعل هذه الجريمة، لكن هو إذا تاب وأقيم عليه الحد، فله عند الله شأن عظيم، لكن ربما بعض الناس يشمئز من هذا المحدود الذي أقيم عليه الحد، ولذلك لما رُجم ماعز كان ممن رماه خالد بلحي جمل فتنضح الدم على وجه خالد فسبه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (مه يا خالد -نهره- لقد تاب توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم) توبة عظيمة، فنظرتنا إلى التائب المحدود يجب أن تكون من خلال الشريعة.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة