مقارنة بين قصص التوراة و القرآن الكريم ( موسى)

يقول القسيس بأن كلمة ندم حينما ترد في الكتاب المقدس لم يقصد بها "أدرك خطأه بسبب ظهور حدث جديد على الساحة" بل حزن و تأسف بمعنى يليق بالله الذي لا يتغير و هذه معان مقبولة ان لم تأخذ بمعنى حزن الانسان فنحن نعرف ان الله يغضب عند انتهاك محارمه و يسر بصلاة عبيده و كلها معان تليق به و لا تشبه فرح الانسان و حزنه فنحن ننزه الله عن مشابهة المخلوقين و ننزه صفاته عن مشابهة صفات المخلوقين. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه "هل القسيس على حق في تفسيره لكلمة ندم بمعنى حزن؟". نحن نعرف ان الكلمة ان اتت بمعنى يتحمل التشبيه ينبغي ان يأتي في السياق ما يدل على نفي التشبيه و لأضرب المثال على ذلك فسأعطي اوائل سورة طه.

طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8)

آية "الرحمن على العرش استوى" هي اكثر آية تعرضت للنقاش في علم الكلام و مع ذلك اتفق المسلمون قاطبة على تنزيه الله عن صفة القعود و الجلوس بمعنى البشر و سياق الآية يوضح بأن المقصود صفة جلال لأن ما قبلها و ما بعدها يدل على العظمة و ليس في القعود بمعنى البشر عظمة.

لنقارن هذه الآية بالتوراة : فبقي يعقوب وحده.وصارعه انسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى انه لا يقدر عليه ضرب حقّ فخذه.فانخلع حقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال اطلقني لانه قد طلع الفجر.فقال لا اطلقك ان لم تباركني. فقال له ما اسمك.فقال يعقوب. فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل اسرائيل.لانك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال اخبرني باسمك.فقال لماذا تسأل عن اسمي.وباركه هناك فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل.قائلا لاني نظرت الله وجها لوجه ونجّيت نفسي.

هل صارع الله يعقوب ؟ هذا ما فهمه المسلمون من هذا المقطع، قد يكون لليهود تفسير آخر و لكن المقطع بشكل عام لا يحتمل التأويل. و في مقطع آخر يقول الله لموسى لن ترى وجهي و لكن ستراني من الخلف؟؟؟ والحقيقة بأن التوراة ملئية بالصور المشوهة عن الله مثل المذكورة في مقال الدكتور مصطفى. و لكن دعونا الآن نرجع الى موضوعنا لنرى سياق "الندم" هل يدل حقا على صفة تليق بالله؟ هل يمكننا تأويل  المقطع تأويل اجماليا بأنه يدل على عظمة الله؟ كما في حال اوائل سورة طه؟

 فقال الرب لموسى اذهب انزل.لانه قد فسد شعبك الذي اصعدته من ارض مصر. زاغوا سريعا عن الطريق الذي اوصيتهم به.صنعوا لهم عجلا مسبوكا وسجدوا له وذبحوا له وقالوا هذه آلهتك يا اسرائيل التي اصعدتك من ارض مصر. وقال الرب لموسى رأيت هذا الشعب واذا هو شعب صلب الرقبة. فالآن اتركني (وحدي) ليحمى غضبي عليهم وافنيهم.فاصيّرك شعبا عظيما. فتضرع موسى امام الرب الهه.وقال لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي اخرجته من ارض مصر بقوّة عظيمة ويد شديدة. لماذا يتكلم المصريون قائلين اخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الارض.ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك اذكر ابراهيم واسحق واسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم اكثر نسلكم كنجوم السماء واعطي نسلكم كل هذه الارض الذي تكلمت عنها فيملكونها الى الابد.فندم الرب على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه.

هل حصلت هذه الرواية؟ هناك شبيه لها في القرآن الكريم و لكن هذا هو التعبير الصحيح عما حصل؟ لنقرأ الرواية القرآنية:

واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين

1- الاختلاف الاول أن تضرع موسى كان بحق السبعين الذين طلبوا رؤية الله جهرة فصعقهم الله بينما القصة التوراتية تتحدث عن عبدة العجل و هذا الاختلاف ليس بذي بال تحليليا.

1- الجو العام للقصة التوراتية يدل على ان موسى هو الاله و الله هو المأمور تنزه الله عن ذلك!!! انه يطلب من الله ان يعود عن غضبه و يندم عليه و يذكره بوعده ليعقوب عليه السلام.  و عندها يتذكر الله بالفعل بأنه وعد يعقوب هذا الوعد فيندم أنه كاد ان يقوم بالشر لشعبه في حموة غضبه الذي انساه هذا الوعد. بينما القصة القرآنية تتحدث بوضوح أن الله قتل هؤلاء السبعين و لم يستشر موسى في هذا الأمر. و موسى قبل هذا الأمر و لم يعترض فما من نبي يعترض على حكم الله و قوله "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " ليس اعتراضيا البتة بل استفهاميا كما في حق الملائكة " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"

و فيه تمني على الله ان يحييهم من جديد (لا ان يندم على فعله و لا ان يتذكر وعده) و ترك هذا الأمر لمشيئة الله فقال "لو شئت اهلكتهم من قبل واياي" بمعنى "يا الله اقبل دعوتي و ارجعهم الى الحياة لأنه من الصعب علي أن اشرح لقومي كيف اخذتهم احياء و ارجعتهم اموات كما اني ارجوك الا تحاسبنا جميعا بذنب البعض" (يظهر بأن طلب الرؤية لم يكن من الكل و لكن الله صعق الجميع لأن بعضهم طلب الرؤية و البعض الآخر سكت فكان سكوتهم علامة موافقة ضمنية أو خنوع، و هذا تنبيه لنا يا اخوان الا نسكت على الفحش ان انتشر بيننا و الا عاقبنا الله بجريرة سكوتنا).

2- ما معنى قول الله لموسى في التوراة "اتركني" Now therefore let me alone و في الترجمة الانكليزية "اتركني وحدي"؟ ظاهرها يوحي بأن الله و موسى في مكان واحد؟؟؟  و سياق الكلام لا يدع لك مجالا للتأويل.

3- كيف تستطيع تأويل "ارجع عن غضبك" و "اندم على الشر" و "تذكر وعد ابراهيم" ، لقد قضيت ساعات و لم استطع الخروج منها بمعنى يليق بالله. Remember, repent.

4- عبارة "ندم الرب على الشر الذي يفعله بشعبه " هل تأول بمعنى الحزن كما زعم القسيس ام الرجوع عن الرأي بسبب اقوال موسى عليه السلام؟ كي تستقيم القصة نرجح المعنى الثاني. و لنحلل ادعاء القسيس بأن الله عز و جل تحسر على الكفار في قوله تعالى " يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون". فسر ابن عباس "يا حسرة " بمعنى "يا و يل" و فسرها قتادة بمعنى "يا حسرة العباد على أنفسهم" و هذا واضح من سياق الآية و مما يجري على السنتنا حين يقع عدونا في مصيبة مثل اسرائيل الا نقول لها استهزاء "يا حسرة عليك يا اسرائيل"؟

5- عبارة "الشر الذي يفعله بشعبه" المنسوبة الى الله لم ترد بهذه الصورة ابدا في القرآن الكريم لا يليق ابدا بأن ننسب "فعل الشر" الى الله عز وجل. نعم الله خالق كل شيء : المخلوقات الخيرة و المخلوقات الشريرة (بدليل  "من شر ما خلق") و خالق كل فعل نقوم به ايضا سواء كام خيرا ام شرا و لكن نحن نتحمل مسؤولية الشر باكتسابنا له "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك".

 في القرآن الكريم انتقاء للعبارات و ليس فيه القاء للأمور على عواهنها، حتى ابليس يخاطب الله عز و جل بأدب و يحلف بعزته " قال فبعزتك اغوينهم اجمعين." و انظروا الى ما يقول الجن :"وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا"  لم ينسبوا الشر لله عز و جل. و انظروا ماذا يقول الخضر عليه السلام لسيدنا موسى عليه السلام شارحا له ما استعصى عليه فهمه من افعاله: لقد نسب إعابة السفينة الى نفسه احتراما منه لله عز و جل بينما نسب ارادة الخير لله عز و جل.

أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا

و هذا رسول الله عليه السلام يرفض ان يجمع هو و الله عز و جل بضمير واحد لما فيه من ايهام التكافؤ.

 " عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى اللهم عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله"

و ختاما لنرى ماذا قال سيدنا ابراهيم في القرآن الكريم "الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين" و للننظر الى الاعجاز القرآني الذي يتجلى في كونك لا تستطيع تغيير اي كلمة فيه و تأتي بأفضل منها.

-لم يقل الذي هو خلقني. لأن الخلق لله عملية لا منازع له فيها و لم يدعها احد من خلقه. اما الهداية فكثير من البشر يدعي بأنه سيهديك الى الخير و يقودك الى الشر فكانت كلمة "هو" لازمة للتأكيد على ان الهداية الحقيقية لله وما الدعاة الا واسطة.

-قال "هو يطعمني و يسقيني" لأن الكثير من الناس يظن بأن عملية الرزق منسوبة لرئيس العمل او الدولة او الأرض المزروعة فكان ضروريا التذكير بالرازق الاساسي و هو الله لا بالواسطة.

- لم يقل اذا امرضني او اذا هو امرضني لأن نسبة التسبب بالمرض الى الله غير لائقة. و قال "فهو يشفيني" لأن الشفاء قد ينسب زورا للطبيب او الدواء او مناعة الجسم بينما الشافي الحقيقي هو الله.

- لم يقل "والذي هو يميتني و هو يحييني" لأن الموت و الحياة لا تنسب من الناس الى غير الله. قد يقول الناس شفى الطبيب فلانا او اطعم الغني الفقير و لكن كلنا نقول توفاه الله.

خلاصة:

يتبين لنا من المقارنة السابقة ان النصوص القرآنية تتفوق كثيرا على نصوص العهد القديم من حيث المعاني و من حيث اللياقة و الأدب مع الله. و يتضح الفارق الجلي بين رواية الله عن حدث معين و رواية الشخص العادي. رواية اليهود للمواقف التي حدثت مع موسى عليه السلام فيها الكثير من تجسيد الله بحيث اضافوا اليه صفاتهم البشرية المادية بينما رواية الله عز وجل في القرآن الكريم تليق بمقامه السامي. و هنا نعود و نطرح السؤال "إذا كان القرآن تقليدا للتوراة فكيف يأتي بنص افضل منها؟" لقد تحدى القرآن الكريم الناس أن يأتوا بمثله لأن هذا هو الدليل على كونه منزل و هذا هو نفس الإختبار الذي يجب علينا اتباعه مع اي نص يدعي الوحي. لو كان العهد القديم وحيا لما استطاع أحد ان يأتي بأفضل منه. هذا جزء من الجواب و الجزء الثاني يتمثل في أن القرآن الكريم خالف التوراة في امور كثير و ذكر احداثا لم تذكرها التوراة و هذا كله متروك لحلقات تالية ان شاء الله.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة