مفهوم عمارة الارض

الاوسمة: 

لماذا خلقنا على ظهر الأرض؟ ما مهمة الإنسان الحقيقية التي وجد للقيام بها؟

هذا السؤال الذي حير الفلاسفة والمفكرين الذين حرموا من نور الوحي؛ فضلوا وأضلوا.

حاول أفلاطون أن يجيب على هذا السؤال؛ فقاده فكره إلى إجابة هزلية تقول: بأن الله عز وجل قد خلق هذا الكون ثم نسيه، من أجل ذلك دبت الفوضى على الأرض، ونشأ الصراع بين البشر.

وتعالى الله جل وعلا عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، فسبحان الذي قال في كتابه: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا }

ثم يأتي كارل ماركس فيخرج علينا بنظرية أخرى تافهة تقول: بأن الله خلق الكون من أجل أن يلهو ويلعب، تعالى الله عم يقول الظالمون علوًا كبيرًا،وتأتي هذه الآية من كتاب الله لترد على هؤلاء وأمثالهم، يقول تعالى:{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ }

ثم يأتي حائر ثالث كمثل إيليا أبي ماضي، يعبر عن حيرته وتيهه في قصيدة طويلة سماها الطلاسم، يقول فيها:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت

وسأبقى سـائرًا شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري؟

أما عقيدتنا الخالدة فهي فقط وحدها التي تملك الإجابة الصحيحة الوحيدة ممثلة في قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )

نعم أيها المؤمن، فهذا هدفك الأعظم في الحياة، أن تمضيها كلها في تحقيق مرضاة الله عز وجل؛ فيكون جزاؤك السعادة والنجاح في الدنيا والآخرة. ولكن هل يعني ذلك أنك مطالب بالعكوف في المساجد، وترك الدنيا من أجل التفرغ للعبادة؟!!

كلا بالطبع، إن هذا المفهوم المغلوط الناقص لكلمة العبادة هو الذي أوجد ذلك الفصام النكد بين الدين والدنيا، وبين الدنيا والآخرة في حس كثير من المسلمين. فالعبادة في مفهومها الصحيح هي: [ كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة] *.

فكل فعل لك في هذه الحياة -سواء كان طاعة مشروعة، أو عملاً مباحًا- إذا ابتغيت به مرضاة الله عز وجل؛ فإنه عبادة تثاب عليها من الله عز وجل، بل إن المسلم عندما يأتي شهوته المباحة يؤجر عليها وتكون له صدقة؛ يقول صلى الله عليه وسلم : [[ ... وفي بضع أحدكم صدقة ]] فتعجب الصحابة من ذلك؛ قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: [[ أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ]]. رواه مسلم.

وتعمير هذه الأرض، هو من جملة العبادات التي فرضها الله على المؤمن، غير أن تحقيق العبودية لله جل وعلا في الأرض لا يتم إلا بحيازة مقومات الخلافة التي جعلها الله عز وجل سببًا لاستمرار الحياة وبقائها.

يقول الأستاذ محمد قطب: [الإنسان في عرف الإسلام هو الخليفة في الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } خلق ليعبد الله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} والعبادة تشمل كل نشاط الإنسان في الأرض {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ومن بين العبادة المطلوبة عمارة الأرض {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } ومن بينها السعي في الأرض وابتغاء فضل الله {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }

وخلافة الله في أرضه إنما تكون بعمارتها وصناعة النهضة والحضارة فيها، ولكنها الحضارة الموصولة بالله تعالى، والتي ينشئها الإنسان في تعبيد الناس لرب العالمين، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم  يبين لنا هذا المفهوم العظيم، ويعقد الصلة بين الدنيا والآخرة، فيقول صلى الله عليه وسلم  [[ إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ]]. صححه الألباني في صحيح الجامع.

تأمل أيها المؤمن هذا الحديث المعجز، الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن خاتم النبيين والمرسلين محمد e، لقد كان من المتوقع والقيامة قد أوشكت أن تقوم أن يأمرنا صلى الله عليه وسلم  بالتوبة والاستغفار ونسيان الدنيا والإقبال على الآخرة، ولكنه صلى الله عليه وسلم  أمرنا بغرس الفسيلة، فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنين طويلة.

وما ذاك إلا ليعلمنا صلى الله عليه وسلم  هذا الدرس العظيم؛ وهو أن طريق الآخرة هو طريق الدنيا، بلا اختلاف ولا افتراق، إنهما ليسا طريقين منفصلين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك، ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة، وطريق للدنيا اسمه العمل، إنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة، ولا العبادة عن العمل، كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام، وكلاهما يسير جنبًا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه ].

وأما هذا الفصل المتعسف بين الدنيا والآخرة أو بين العمل والعبادة فليس من الإسلام في شيء؛ فديننا لا يطلب منا أبدًا أن نعتزل الدنيا أو أن ننسى الله تعالى ونحن نمارس أعمالنا وأنشطتنا الحياتية؛ من دراسة وتجارة وصناعة وغيرها بدعوى أننا الآن نعمل للدنيا، وعندما نفرغ منها سنعود إلى الاشتغال بالعبادة، كلا ... إن ذلك ليس من الإسلام!!

الإسلام أن يأكل المسلمون باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله، وفي سبيل الله، ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا باسم الله، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا؛ لأنهما طريق واحد لا يفترقان.

هل علمت الآن أيها المؤمن عظمة إسلامك؟ هل فهمت دينك بتمامه وشموله؟ ولماذا كانت شريعته هي الشريعة الوحيدة التي تصلح لطبيعة الإنسان؟ هل فهمت أنك مطالب بعمارة الأرض وصناعة الحياة تمامًا كما أنك مطالب بالصيام والصلاة؟ هل تيقنت أن الله تعبدك بالنجاح وتفوقك في عملك كما تعبدك بزكاتك وحجك؟

إذا كنت قد علمت كل ذلك واتفقت معنا فيه؛ فإننا نستطيع الآن أن نضع رسالة عامة لا بد وأن يحملها كل مؤمن في الحياة، وهي إرضاء الله تعالى من خلال:

1- الالتزام بمنهج الإسلام في نفسه وماله وأهله.

2- صناعة الحياة من خلال التفوق في تخصصه المهني، سواء أكان طبيبًا أم مهندسًا أم عالمًا أم غير ذلك.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة