مفهوم الخوف من الله عز و جل

 

منزلة الخوف و حكمه: من أجلّ منازل العبودية و أنفعها و هي فرض على كل أحد. قال تعالى " فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين" و قال عز وجلّ " و لمن خاف مقام ربه جنتان"

تعريف الخوف: غمّ يلحق بالنفس لتوقع مكروه

فوائد الخوف:

قال أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد النيسابوري: الخوف سراج القلب به يبصر ما فيه من الخير و الشر ، وكل أحد إذا خفته هربت منه ، إلا الله عز جلّ فإنك إذا خفته هربت إليه. قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب قال إبراهيم بن سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها ، و طرد الدنيا عنها . قال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يَزُل عنهم الخوف، فإذا زال الخوف ضلّوا الطريق .

أنواع الخوف من حيث الحُكم :

1 - الخوف المحمود الصادق : هو ما حال بين صاحبه و بين محارم الله عز و جلّ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس و القنوط. صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً و باطناً.

2 - الخوف الواجب: هو ما حمل على فعل الواجبات و ترك المحرمات.

3 - الخوف المستحب: هو ما حمل على فعل المستحبات و ترك المكروهات.

الجمع بين الخوف و الرجاء و الحب:

 لا بد للعبد من الجمع بين هذه الأركان الثلاثة،

لأن عبادة الله بالخوف وحده طريقة الخوارج؛ فهم لا يجمعون إليه الحب و الرجاء؛ و لهذا لا يجدون للعبادة لذة و إليها رغبة، و هذا يورث اليأس و القنوط من رحمة الله، و غايته إساءة الظن بالله و الكفر به سبحانه. و عبادة الله بالرجاء و حده طريقة المرجئة الذين وقعوا في الغرور و الأماني الباطلة و ترك العمل الصالح، و غايته الخروج من الملة. و عبادة الله بالحب وحده طريقة غلاة الصوفية الذين يقولون : نعبد الله لا خوفاً من ناره، و لا طمعاً في جنته، و إنما حباً لذاته، و هذه طريقة فاسدة لها آثار وخيمة منها الأمن من مكر الله ، وغايته الزندقة و الخروج من الدين. قال بعض السلف كلمة مشهورة و هي: " من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، و من عبده بالخوف وحده فهو خارجي - و من عبده بالرجاء و حده فهو مرجيء، ومن عبده بالخوف و الحب و الرجاء فهو مؤمن موحد.".

أيهما يُغلَّب الرجاء و الخوف؟

قال ابن القيم: " السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جناح الخوف على الرجاء ، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف ، هذه طريقة أبي سليمان و غيره .

 

و قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف ، فإذا غلب الرجاء فسد .

و قال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء و الخوف، و غلبة الحب، فالمحبة هي المركب والرجاء حادٍ، و الخوف سائق، و الله الموصل بمنّه وكرمه.

أقسام الخوف :

1 - خوف السر: و هو خوف التأله و التعبد و التقرب و هو الذي يزجر صاحبه عن معصية من يخافه خشيةً من أن يصيبه بما شاء من فقر، أوقتل، أو غضب، أو سلب نعمة، و نحو ذلك بقدرته و مشيئته. فهذا القسم لا يجوز أن يصرف إلا لله عز و جل و صرفه له يعد من أجلّ العبادات و من أعظم واجبات القلب، بل هو ركن من أركان العبادة، و من خشي الله على هذا الوجه فهو مخلص موحد، و من صرفه لغير الله فقد أشرك شركاً أكبر؛ إذ جعل لله نداً في الخوف، و ذلك كحال المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم ذلك الاعتقاد، و لهذا يخوِّفون بها أولياء الرحمن كما قال قوم هود عليه السلام الذين ذكر الله عنهم أنهم خوفوا هوداً بآلهتهتم فقالوا "إن نقول إلا عتراك بعض آلهتنا بسوء".

2 - الخوف من وعيد الله: الذي توعد به العصاة و هذا من أعلى مراتب الإيمان و هو درجات و مقامات و أقسام كما مضى ذكره قبل قليل.

3 - الخوف المحرم: و هو أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف الناس و كحال من يفر من الزحف خوفاً من لقاء العدو فهذا خوف محرم و لكنه لا يصل إلى الشرك.

4 - الخوف الطبيعي: كالخوف من سَبُع أو عدو أو هدم أو غرق و نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري فهذا لا يُذم و هو الذي ذكره الله عن موسى عليه السلام في قوله عز وجل "فخرج منها خائفاً يترقب"  و قوله "فأوجس في نفسه خيفةً موسى"، و يدخل في هذا القسم الخوف الذي يسبق لقاء العدو؛ فهذا خوف طبيعي و يُحمد إذا حمل صاحبه على أخذ الأهبة و الاستعداد و يُذم إذا رجع به إلى الانهزام و ترك الإقدام .

5 - الخوف الوهمي: كالخوف الذي ليس له سبب أصلاً أو له سبب ضعيف جداً فهذا خوف مذموم و يدخل صاحبه في وصف الجبناء و قد تعوذ النبي صلى الله عليه و سلم من الجبن فهو من الأخلاق الرذيلة ، و لهذا كان الإيمان التام و التوكل الصحيح أعظم ما يدفع هذا النوع من الخوف و يملأ القلب شجاعةً ، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه الخوف من غير الله ، و كلما ضعف إيمانه زاد و قوي خوفه من غير الله ، و لهذا فإن خواص المؤمنين و أقوياءهم تنقلب المخاوف في حقهم أمناً و طمأنينة لقوة إيمانهم و لسلامة يقينهم و كمال توكلهم "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل . فانقلبوا بنعمةٍ من الله و فضل لم يمسسهم سوء".

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة