مفهوم الحياة في الإسلام بين التكريم والإحتقار

الاوسمة: 

 

ما هي الحياة الإنسانية في تعريف القرآن وتحليله ؟

سنجد أن القرآن يتخذ في تعريفه للحياة ، الموقف ذاته الذي رأيناه في تعريف الإنسان وتحليل حقيقته .

فكما أن لفت نظر الإنسان إلى جانبين متباعدين ضمن ذاته وكيانه، موضحاً له أن التكامل الحقيقي لجوهر الإنسان وكينونته، إنما يتم بتلاقي هذين الجانبين ، وتمازجهما ، كذلك يلفت نظر الإنسان هنا إلى جانبين متباعدين من حقيقة الحياة الإنسانية ( أو العمر الذي يتمتع به الإنسان ) ثم يوضح أن التكامل الحقيقي لجوهر هذه الحياة لا يتم إلا من خلال تمازج هذين الجانبين في اعتبار الإنسان ويقينه .

الجانب الاول من الحياة

فلنصغ إلى القرآن وهو يعرّف لنا الجانب الأول من حقيقة الحياة من خلال هذه الآيات :

"اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ، وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاماً . وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" (الحديد 20).

"واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح ، وكان الله على كل شيء مقتدرا" (الكهف 45).

"وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون" (العنكبوت 64)

"لا يغرّنك تقلّب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد" (آل عمران 197).

"قل متاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا" (النساء 77).

"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (الأعراف 24) .

"وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور" (الحج 66).

"كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا تُرجعون" (العنكبوت 57).

إنك لترى أن التقرير الذي تلتقي عليه هذه الآيات ، عن قيمة الحياة الإنسانية وحقيقتها ، يتلخص في أنها ليست إلا معبراً إلى الحياة الآخرة ، وأن الإنسان إنما يأخذ من هذه الحياة إلى تلك، حصيلة كسبه وأعماله ، لينال عليها الجزاء الأوفى: إن خيراً فخير ، أو شراً فشرّ . وهي – في تقرير هذه الآيات – حية قصيرة ، تقوم بين موتين ، ثم تليها الحياة الدائمة التي لا انقضاء لها، والتي يبدو جلياً إلى جنبها تفاهة هذه الحياة وعدم أهميتها ، حتى لتبدو للإنسان بعد اجتيازها وكأنها حلم قصير .

ويبدو جلياً من هذه الآيات أن مصدر تفاهة هذه الحياة ، أو هذا العمر الذي نعيشه ، ما يؤكده القرآن ، من أن حياتنا هذه ليست هي الحياة الوحيدة التي يعيشها الإنسان ، وأن الموت الذي يتربص به ليس عبارة عن الغلاف الأخير لقصة هذا الوجود الإنساني .. بل أن حياتنا بكل ما تموج به من أحداث ، ويتعالى فيها من ضجيج ليست سوى مقدمة في فصول القصة .. أو هي أول فصل قصير فيها .

فتأمل، كم تبدو هذه الحياة التي نمر بها ضئيلة ، عندما تكون مجرد مقدمة أو دهليز إلى تلك الحياة الخالدة الأخرى ، التي لا يفتأ القرآن يكرر وصفها ، ويؤكد وجودها ، ويتحدث عن مدى أهميتها ، كي يشد نظر الإنسان وطموحه إليها، ولكي يقيه بذلك من الاستغراق بل الغرق في أمواج هذه الدنيا الخادعة الفانية ، فيقع بعد ذلك في مغبة الحسرة والندامة ، إن لم يعر هذا المصير أي نظر والتفات، ولم يصح إليه إلا بعد فوات الفائدة والأوان .

ولكم يبدو هذا جلياً ، بل مخيفاً ، في قوله تعالى :

"ويوم يحشرهم ، كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار، يتعارفون بينهم؛ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين" (يونس 45).

وفي قوله: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون" (الأحقاف 20).

وحسبك من ذلك كله أن الله تعالى سمّى الحياة الدنيا بالعاجلة فيقول مرة:

"كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة" (القيامة 20-21).

ويقول مرة أخرى: "إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً" (الدهر 27).

الجانب الثاني للحياة

ولكن ، أرأيت لو أن القرآن قصر حديثه عن هذه الحياة الإنسانية على بيان هذا الجانب منها، وظل يؤكد هذه الحقيقة وحدها – إذن لكان حرباً بالإنسان ألا يقم لحياته وزناً، وأن لا يحفل بشيء من ساعات عمره الذي يمر به. بل لكان من مقتضى ذلك ان يهون أمرها في نظره سواء من حيث الرعاية لها، أو العدوان عليه. فما أبسط أمر العدوان عليها أو التفريط فيها ، ما دامت بهذه التفاهة التي يصفها القرآن .

بل الشأن يتجاوز الحياة عندئذ إلى سائر متعلقاتها أيضاَ. إذ نظراً إلى أن هذه الحياة التافهة أصل ووعاء ، بالنسبة إلى ما يفرغه الإنسان فيه من منجزات وأعمال . فإن تلك المنجزات والأعمال تصبح هي الأخرى تافهة الجدوى ضئيلة القيمة ؛ كيف لا وإن الزمن الذي يحويها ويعتبر أساساً ومنبعاً لها ، تافه في ذاته قصير في أمده . وإذن ، لما حرك الإنسان في حياته ساكناً ، ولأغنته سكنى الكهوف عن تعمير البيوت واتخاذ القصور؛ ولما التفت إلى شيء مما يسمى بعمارة الأرض وإقامة المجتمع الإنساني أو الحضارة الإنسانية في شيء من جنباتها ؛ ولشغله عن ذلك انتظار الموت ليأتي من تلك الحياة التافهة.

ولكن القرآن لم يقتصر في التعريف بالحياة الإنسانية على بيان هذا الجانب وحده، بل سرعان ما لفت النظر إلى جانب آخر من حقيقتها، ودعانا إلى فهم الحياة فهماً متكاملاً جامعاً بين تصور كلا جانبيها؛ وهو في تعريفه لنا بالجانب الآخر من حقيقة الحياة الإنسانية، يكشف عن قداسة وحرمة بالغة لها، ويدفع الإنسان إلى سبيل رعايتها والعناية بها، ويشرع لها من الأحكام ما يضمن حمايتها من أي عدوان، فلنصغ إلى طائفة من الآيات القرآنية التي تشرح من حقيقتها هذا الجانب

"من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة" (النحل 97).

"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" (المائدة 32).

"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة 195).

"ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" (البقرة 179).

"ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه وأعد له عذاباً عظيما" (النساء 93).

"ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك" (القصص 77).

فأنت ترى أن مجموع هذه الآيات القرآنية ومثلها في القرآن كثير قد وضع الحياة الإنسانية في إطار من القداسة والرعاية والأهمية، وحسبك أن تلاحظ كيف أن البيان الإلهي جعل السعي إلى إنقاذ حياة إنسانية من عوادي الموت والردى، في ميزان الله عز وجل، بمثابة إحياء الناس جميعاً، وكيف توعد بالمقابل على إزهاق الحياة الإنسانية البريئة ، بعقاب لم نر مثله في القرآن على أي معصية أو جريمة أخرى، ولنعد لنتأمل مرة ثانية خطورة هذا الكلام وما فيه من سلسلة التهديدات:

"… فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه وأعد له عذاباً عظيماً …"

ثم انظر كيف ينمي البيان الإلهي رغبة الإنسان في الحياة الطيبة ، ويلفت نظره إلى أقصر السبل إليها، عندما يقول: " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة"… وكيف ينهاه عن أن يزج بحياته في المخاطر والمهالك، بل رخص له أن ينطق بكلمة الكفر ، إذ وجد أن حياته قد أصبحت مهددة ، ألا تراه يقول:

" … إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان" (النحل 106). أي فلا ضير عليه أن يحرز حياته بالنطق بالكفر في مثل هذه الحال.

ثم انظر كيف حظر البيان الإلهي على الإنسان الإقدام على إزهاق حياته، مهما كانت الأسباب ومهما أطبق عليه الكرب والبلاء، ثم دعاه إلى أن يمتع نفسه وحياته بمباهج الدنيا ومتعتها في حدود ما شرع له من مباحات وحقوق.

التوفيق بين الفكرتين

 فإذا تبين لك هذا الجانب الثاني الذي أتم به القرآن بيان حقيقة الحياة وتبصير الإنسان بها  فلنعد لنتبين صلة ما بين هذا الجانب والجانب الأول في رسم حقيقة الحياة وبيان جوهرها وقيمتها. والحقيقة أن كلا من هذين الجانبين يقوم بمثابة الروح التي تبعث الحياة في الجانب الآخر. فكل منهما عندما ينفصل عن الآخر ويصبح بمعزل عنه، يغدو باطلاً من الأمر، وخارجاً عن معنى الحياة وحقيقتها.

فلو لم يدرك الإنسان ضآلة الحياة التي يمر بها، لما أفاده شيئاً علمه بمدى أهميتها، وبكونها رأس مال عظيم متّع الله به الإنسان. ولو لم يؤمن بما أضفى الله عليها من قداسة وحرمة، وشرع لها من رعاية وحماية، لما فهم من معاني تفاهتها وقلة شأنها سوى وجوب الإعراض عنها والسعي إلى التخلص منها عندما يمسه أقل ضيق أو تنزل به أي محنة.

نعم إن هذه الحياة قصيرة ، كما وصف الله تعالى ؛ وهي العاجلة حقاً كما سمّاها. ولكن هل يستلزم كونها كذلك لا يحفل الإنسان بها، وأن يعرض عن الاستفادة منها فلا يُقبل عليها في إصلاح أي أمر أو النهوض بأي عمل؟

إن الجسر الذي يصل ما بين الرجل وقريته ، ممتداً على نهر عريض، تافه من حيث قصره ، وقلة شأنه ، إذا ما نُظر إليه بحد ذاته. ولكنه بالغ الخطورة ، في الوقت نفسه ، من حيث إن السبيل الوحيد الذي يوصل الرجل إلى قريته وبيته. وإن الساعة الامتحانية التي يجتازها الطالب ، تافهة بحد ذاتها ، أي إذا ما نظرت إليها من حيث هي مدة زمنية ضيقة، ولكنها ذات أهمية قصوى، من حيث إنها تنطوي على فرصة نادرة ، يتوقف على استغلالها أمر مصيري في حياة الإنسان وسلوكه. غير أن المهم في هذا الصدد هو أن نتأمل لندرك أن استفادتنا الصحيحة من الجسر في المثال الأول، ومن الساعة الامتحانية في المثال الثاني ، متوقفة على أن نعرف كلتا صفتي التفاهة والأهمية في كل منهما .

فمن أقبل عائداً إلى داره في المساء، ولما بدأ يجتاز الجسر المنصوب فوق النهر الذي يفصل بينه وبين قريته، راقه جمال المكان والمنظر، وأنعشته الرياح التي تهب رخية من حوله؛ فنسي داره التي هو بسبيل التوجه إليها ، وألقى عصا التسيار هناك ، غير راغب بديلاً عن ذلك المكان الذي راق لخاطره وقلبه، ناسياً أنه إنما يمر فوق جسر ، وأنه من التفاهة بحيث ما ينبغي أن يتوقف عنده ويركن إليه- أقول: إن من كان في مثل هذا الغباء، حري به أن ينقطع عن داره وقريته، وأن لا يصحو إلى الحقيقة التي خدع عنها، إلا وقد جنه الليل ، واحتوشته السباع ، وضاعت عليه معالم الطريق .

 ونظير هذا الغبي المخدوع تماماً ، من يقف على طريق النقيض من سلوكه هذا، بأن لا يدرك لهذا الجسر من فائدة أو أهمية، ولا يتنبه إلى أي ضرورة له، من أجل مواصلة سيره وبلوغ غايته؛ فيمضي معرضاً عنه غير عابىء به. فإنه هو الآخر حري به أن يقع في المغبة ذاتها وأن يصحو على المصيبة نفسها.

فلتعلم أن ذلك هو شأن هذه الحياة الدنيا التي نمر بها، دون أي فرق… فلا سبيل إلى معرفة حقيقتها ، وتقديرها حق قدرها إلا من خلال هاتين النظرتين المتكاملتين اللتين ينبهنا إليهما القرآن في تمازج وبكل دقة وتنسيق.

فمن حبس تصوره عند إحدى هاتين النظرتين فقد أدرك منها شطر الحقيقة، وكان في تعامله معها كمن يعالج نصف حجر الرحى؛ إذ أن شطر الحقيقة لا يمكن أن يثمر شطر نتائجها لو كانت متكاملة. بل يساوي من حيث النتائج فقدانها أو تمام الجهل بها.

ولقد وقف بعض الناس، فعلاً عند الشطر الأول الذي رسمه القرآن للحياة والذي عرضنا لطائفة من الآيات التي نبهت إليه ورسمته بكل دقة؛ ثم لم يتابعوا تتمة الصورة في شطرها الثاني : ففروا إلى الكهوف القاصية ، واستأنسوا بالوحوش بدلاً من الناس، وراحوا يعانقون شبح الموت انتظاراً لمقدمه وفراراً من مسؤوليات الحياة. فسعوا بذلك إلى خراب الأرض بدلاً من أن ينفذوا أمر الله في النهوض بعمارتها. وكان مصدر خطئهم وانحرافهم أنهم استعجلوا، ووقفوا من فهمهم للحياة عند شطر حقيقتهما، دون أن يتابعوا فهم شطرها الثاني. وفهم نصف الحقيقة قد يؤدي في الواقع إلى الجهل بها كلها والوقوع في نقيض مقتضاها.

كما وقف آخرون من فهمها عند شطرها الثاني فقط، إذ لم يطب لهم أن يفهموا عنها سوى صفة الحرمة والقداسة وواجب الحماية والرعاية، وأخذوا يلتقطون من القرآن تلك الآيات التي تدعم من حقيقة الحياة هذه الصفة وحدها؛ فكان عاقبة ذلك أن نظروا إليها على أنها المصدر والمال، وركنوا إليها ركون من اطمأن إلى أنها اليوم الذي لا مساء في نهايته، ولا غد من ورائه. فاتخذوا بذلك من الممرات والدهاليز وتبلدت مشاعرهم عن تحسس سيرهم الحثيث نحو النهايات التي يحثون الخطى إليها شاؤوا ذلك أم أبوا. فكانت النتيجة أن سعى هؤلاء أيضاً إلى إفساد الأرض وخرابها، ولكن من سبيل أخرى غير التي سلكها ذلك الفريق الأول، وبطريقة غير تلك التي مارسها أولئك. ولكن الحياة الدنيوية في قرار القرآن وبيانه التربوي الدقيق، ليست ممزقة ولا منشطرة إلى هذين الشطرين المتعارضين. وإنما هي في حكمه دهليز إلى مقر، وممر إلى الوطن الذي لا تحول عنه، والدهليز يجب أن يفهم على أنه دهليز. أي فشطبه عن الاعتبار حمق وغباء، والركون إليه ذهول واغترار؛ أما فهمه على حقيقته واستعماله على وجهه فيكشف عن وجه أهميته، ومدى الحاجة إليه، على الرغم من أنه ليس أكثر من دهليز.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة