مفهوم التطوع في الإسلام

الاوسمة: 

بسبب تسائل من أحد الأخوة عن انعدام العمل التطوعي بين المسلمين وانعدام وجود الهيئات التي تساعد الشباب على التطوع أردت أن أتحدث قليلا في مقالي هذا الأسبوع عن مفهوم التطوع في الإسلام وعن عدم حاجتنا إلى هيئة أو موقع يتبنانا وينظمنا لنتطوع ...

 

بداية: ما هو التطوع ؟

هو ما يقوم به الإنسان بمحض إرادته ومن غير ابتغاء منفعة رجعية مادية كانت أو معنوية مقابل تصرفه هذا.

 قال تعالى : "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا" ولمن لا يعرف تفسير هذه الآية أعطيكم شرحا بسيطا جدا يفيدكم في المستقبل. هذه ببساطة تعني أنك عندما تفعل الخير أو تتصدق أو تطعم المسكين يجب عليك ألا تسأله أن يدعو لك أو أن يمدحك أو أن يقبل يدك ... وكذلك التطوع ، ويكون التطوع إما بأمور جيدة وإما بأمور سيئة، يقول تعالى: "فمن تَطَوَّعَ خيراً فهو خير له" البقرة:184 مما يعني أن الشخص يمكن أن يتطوع في سبل الشر او سبل الخير وهما سبيلان لا يوجد منطقة رمادية بينهم.

والتطوع الإسلامي هو المتعلق بسبل الخير فقط، يقول تعالى:  "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" الحج:77   وقال : "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ" (البقرة:148

فعل الخير بلا مقابل هو الخير:

يظن البعض أنه إن بادر بفعل الخير فإنه يجب على الناس أن يردوا له صنيعه ولكن هذا مفهوم خاطئ، إن فعلت الخير لوجه الله حصلت على أمرين ...

أولهما الأجر من الله وثانيهما سيرد لك صنيعك بالدنيا فكما تدين تدان وستجد من يرد لك الخير دون أن تبحث عنه أو تنتظره ، وهناك أيضا مقابل دنيوي آخر يأتي على الصعيد الإجتماعي والنفسي فالمتطوع محبوب من الناس لما يقدمه من خير والمتطوع قلبه يمتلئ سعادة لما فعله مع الناس فهو يسعد بسعادة الناس وبتنميتهم فترتقي مكانته بين الناس و يحترمه الجميع برغبتهم وإرادتهم وليس لمنصبه أو سلطته ... هناك فرق كبير بين الداعية الذي تتورم قدماه من الدعوة من دون أجر وبين داعية ينعم ببرودة التكييف ويلقي خطابا دعويا لا يتجاوز الساعة ويأخذ بالنهاية أجرا على وقته ...

وهنا يطرح السؤال نفسه: متى كانت آخر مرة أخي القارئ فعلت فيها شيئا لوجه الله ؟

 أتمنى أن يكون جوابك ... كل يوم.

التطوع السري:

فعل الخير سرا من أسمى أشكال التطوع ففاعلها ليس فقط يبتغي الأجر من الله ولكنه أيضا يستحي من أن يراه الخلق فيقع في الرياء ولهذا المقام أستحضر قصتين من أجمل القصص التي قد تقرأها في حياتك:

- القصة الأولى : أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر:

في أحد الأيام كان عمر يراقب أبو بكر الصديق في وقت الفجر وشد انتباهه أن أبا بكر يخرج الى أطراف المدينة بعد صلاة الفجر ويمر بكوخ صغير ويدخل به لساعات ثم ينصرف لبيته ... وهو لا يعلم ما بداخل البيت ولا يدري ما يفعلة أبو بكر الصديق داخل هذا البيت لأن عمر يعرف كل ما يفعله أبو بكر الصديق من خير إلا ما كان من أمر هذا البيت الذى لا يعلم عمر سره !!

مرت الايام ومازال خليفة المؤمنين أبابكر الصديق يزور هذا البيت ومازال عمر لا يعرف ماذا يفعل الصديق داخله إلى أن قرر عمر بن الخطاب دخول البيت بعد خروج أبو بكر منه ليشاهد بعينه ما بداخله وليعرف ماذا يفعل فيه الصديق رضي الله عنه بعد صلاة الفجر !!

حينما دخل عمر في هذا الكوخ الصغير وجد سيدة عجوز لا تقوى على الحراك كما أنها عمياء العينين ولم يجد شيئاً آخر في هذا البيت فاستغرب ابن الخطاب مما شاهد؟؟!! وأراد أن يعرف ما سر علاقة الصديق بهذه العجوز العمياء ؟!؟

سأل عمر العجوز : ماذا يفعل هذا الرجل عندكم ؟ (يقصد أبو بكر الصديق)

فأجابت العجوز وقالت : والله لا أعلم يا بنى فهذا الرجل يأتى كل صباح وينظف لي البيت ويكنسه ومن ثم يعد لى الطعام وينصرف دون أن يكلمنى !!؟؟

جثم عمر ابن الخطاب على ركبتيه واجهشت عيناه بالدموع وقال عبارته المشهورة : أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر.

- القصة الثانية: سواد على الظهر ابن الحسين بعد الموت:

عندما مات علي بن الحسين رضي الله عنهما حملوه ليغسلوه، وبينما هم يغسلونه رأوو سوادا على ظهره فجعلوا ينظرون إلى أثار هذا السواد و فقالوا ما هذا؟ وبعد فترة من وفاته رضي الله عنه اشتكت أكثر من مائتي عائلة من الجوع على أن الذي كان يطعمها في كل يوم لم يعد يظهر عليهم ومن هذه الشكاوي اكتشفوا أمر السواد في ظهره رحمه الله)  ذكرها الذهبي وابن الجوزي

إحياء ثقافة التطوع لدى أبنائنا:

كل شئ عادة يتعود المرء عليها ومن شب على شئ شاب عليه، إن رزقكم الله بأطفال عليكم أن تحيوا بهم الحس التطوعي بأن تكونوا مثالا أمام أعينهم لتكونوا لهم ناقوسا يدق في ذاكرتهم عندما يحين الوقت الذي يمكن أن يتطوعوا فيه والطرق والأساليب كثيرة ... فبعد أن تضع أمامك عددا جيدا من أشكال التطوع التي بإمكانك القيام بها كل ما يتبقى عليك أن تقوم به هو ان تطبق هذا الشيء أمام أطفالك مثلا قم بالذهاب للفقراء وأحضر لهم الطعام واشرح لإبنك بعد أن تخرج لماذا فعلتم ذلك، خذه معك عندما تريد أن تتبرع بالدم.. خذه معك عندما تريد أن تكفل يتيما أو عندما تذهب لزيارة يتيم كنت قد كفلته من قبل.. ساعد كبار السن على عبور الشارع أمامه ... بهذه الطرق تزرع به ثقافة التطوع لتحصدها أفعالا خيرية عندما يكبر.

من أشكال التطوع:

يظن البعض أن التطوع ما هو إلا فعل، ولكن التطوع قد يضم تحت كنفه الكثير من النشاطات وإن رتبتها بشكل هرمي من عندي فأقول: أفضل العمل التطوعي (بيده) على شكل أفعال ومن ثم يليه التطوع المعرفي إما بنشر العلم والتعليم (بلسانه وقلمه) أو بتطبيق الخبرات الشخصية من دون مقابل ومن ثم التطوع بالجاه فإن كان ذا منصب ومكانة تطوع بالتوسط إلى أهل الخير يعينهم على أداء أفعالهم ومن ثم التطوع بالمال وصرفه في أوجه الخير وأخيرا أن يتطوع بقلبه بالدعاء لأمة الإسلام والمسلمين.

هذا من حيث المفهوم أما من حيث التطبيق فالأوجه كثيرة كثيرة:

أن تزرع بعض الأشجار مثلا

أن تميط الأذى عن الطريق

أن تقف لشخص أنفجرت عجلت سيارته وتساعده

أن تتبرع بالدم بشكل دوري

أن تذهب إلى مآوى العجزة أو إلى مراكز تكفل اليتامى أو المعاقين وتزورهم بشكل دوري تمسح على رؤسهم وتخفف من همومهم وتملئ أي فراغ قد افتقدوه

أن تحضر دورات تدريبية تلقيها في مكان ما أو تنشرها على الأنترنت ...

والسبل كثيرة كثيرة وبالنهاية فأن كل ما يرسم الإبتسامة على وجوه الأخرين في سبيل الخير فهو تطوع إن شاء الله ، وأهم شئ أود التنويه إليه أن المسلم ليس بحاجة إلى منظمة أو هيئة تنظم أعمالا تطوعية لكي يتطوع لفعل الخير وإنما يجب عليه أن يجد السبل بنفسه، أفلا يستطيع أحدنا أن يعرف بعض الأرامل في حيه أو أن يستدل على بعض الفقراء في أحياء مدينته الفقيره ويزورهم بشكل شهري يعطيهم مما أعطاه الله فالرجاء الرجاء إن التطوع ليس بحاجة إلى منظمات تديره وكل ما يحتاجه هو قلوب مؤمنة تحب لغيرها ما تحبه لنفسها.

أستغرب انتشار بعض المفاهيم الغريبة التي تنص على أن التطوع ضعيف في المجتمعات العربية بسبب عدم توفر الدعم المادي !! وهل يحتاج التطوع إلى دعم مادي ... والله أمرهم عجيب وآخرون يقولون يغيب المجهود التنظيمي لحملات التطوع ؟؟!! 

ولكن بعد هذه الفقرة ألم يتبين لكم كثرة وجوه التطوع وأنه باستطاعة أي منا أن يتطوع بشكل فردي أو جماعي مع بعض أصدقائه الذين يحبون هذا الفكر أو النشاط ؟! نعم بالطبع ... النتيجة نحن لسنا بحاجة إلى هيئات أو مواقع لكي نفعل الخير ولسنا بانتظار من ينظمنا وينظم لنا الرحلات ولسنا بانتظار الحملات أيضا رغم شكري لمنظميها.. نحن بحاجة إلى وازع داخلي ليس أكثر يجبلنا على حب الخير وفعله لوجه الله.

من فوائد التطوع:

- الأجر والثواب الكثير عند الله والراحة النفسية في الدنيا إن شاء الله.

- إلغاء ظاهرة الإنطواء الإجتماعي المنتشرة هذه الأيام بسبب تعقد الحياة وتنمية الروابط الإجتماعية ومبدأ    الأخوة في الإسلام الذي اندثر مع الوقت.

- تهذيب الإنسان لنفسه وتنمية جانب الإيثار في نفسه الأنانية.

- حدوث توازن رباني في سد حاجات الناس المحتاجة دون ماديات.

- التكافل والتعاضد الإجتماعي.

الخاتمة:

أختم مقالي بخير كلام رسول الله عليه أفضل السلام وأتم التسليم ... يقول صلى الله عليه وسلم: " مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه احمد ومسلم

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " رواه البخاري ومسلم

هذا والله أعلم والله ولي التوفيق.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة