مفهوم الانتماء الحزبي المقبول

في مقال سابق اوضحت اعتراضاتي على فكرة الانتماء لجماعة او مذهب او حركة معينة وكنت مسرورا لتجاوب عدد كبير من الناس مع افكاري الا اني اذ تحدثت عن مساوئ الانتماء لا يفوتني في الوقت نفسه ان اوضح بأني لست ضد التنظيم والتجمعات اذا قامت على اساس واضح متين و منفتح وعلى اساس انها وسيلة لا غاية كما توضح هذه الدراسة من اسلام اونلاين.

مفهوم الجماعة اليوم:

استمرَّ مفهوم الجماعة يحمل نفس معناه الاعتقاديِّ دون لبسٍ أو خلاف، أمَّا المعنى السياسيُّ فقد مرَّ بمراحل عديدةٍ حفلت بالوضوح حينا، وبالالتباس أحياناً كثيرة، ووصل المفهوم اليوم في أذهان العديد من الناس إلى مسلكَين خاطئَين:

1- إفراط:

فمنهم من نازع في شرعيَّة الانضواء في تجمُّعٍ من هذه التجمُّعات ابتداء، ذهاباً منه إلى أنَّ المقصود بالجماعة هو جماعة المسلمين، وهذه التجمّعات ليست من الجماعة في شيء، وهم على صنفين: صنفٍ يعتقد ألا جماعة ولا بيعة إلا بعد التمكين ونصب الإمام، وصنفٍ آخر يرى أنَّ الجماعة موجودةٌ بالفعل، وبالتالي فلا حاجة لوجود مثل هذه التجمُّعات .

2- تفريط:

ومنهم من غلا فقصر جماعة المسلمين على تجمُّعه الخاصّ، ولم ير لغيره شرعيَّة الانتساب إلى الإسلام أو الجماعة، فجعل لزوم جماعته جزءاً من أصل الدين لا تثبت صفة الإسلام ابتداءً إلا باستيفائه، واعتبر من لم يكن في جماعته كافرا، ومن كان في جماعته فخرج منها فقد خرج من رِبقة الإسلام، ورفض التقارب أو التعاون مع غيره من التجمُّعات والجماعات الأخرى.

ولا يسع المجال هنا للردِّ التفصيليِّ على هؤلاء ولا أولئك، وسأكتفي بردٍّ مختصرٍ يفي بالغرض:

الرد على المنتقدين للانضواء

- إنَّ الاستدلال على عدم شرعيَّة التجمُّعات القائمة في واقع العمل الإسلاميِّ المعاصر موضع نظر، وذلك لأنَّ الفِرَق التي جاء الأمر في الحديث باعتزالها هي ذلك الشرُّ الذي أشار إليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام في الحديث قبل ذلك بقوله: "دعاةٌ على أبواب جهنَّم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"متَّفقٌ عليه، والذي أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنده بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، ولم يأذن بغير ذلك ولو كان البديل هو الاعتزال حتى الموت. قال الإمام النوويُّ رحمه الله: "قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعةٍ أو ضلال، كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة". وقال الإمام الشاطبيُّ رحمه الله: "إنَّ هذه الفِرَق إنَّما تصير فِرَقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلِّيٍّ في الدين وقاعدةٍ من قواعد الشريعة، لا في جزئيٍّ من الجزئيَّات، إذ الجزئيُّ والفرع الشاذُّ لا ينشأ عنه مخالفةٌ يقع بسببها التفرُّق شِيَعا، وإنَّما ينشأ التفرُّق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلِّيَّة". وليست الجماعات الإسلاميَّة المعاصرة من هذا القبيل لاتِّفاقها في الجملة على الالتزام المجمل بأصول أهل السنَّة والجماعة، ولسعيها جميعاً إلى غايةٍ واحدةٍ تتمثَّل في إقامة الدين والتمكين لشريعة الله في الأرض، أمَّا ما يقع بينها من اختلافٍ فهو اختلاف خططٍ ووسائل، وليس اختلاف غاياتٍ أو عقائد.

الرد على المغالين في التعصب للتحزب

اما قصر مفهوم "جماعة المسلمين" على تجمُّعٍ بعينه فهو خطأٌ وزعمٌ لا دليل عليه، فجماعة المسلمين –كما ذكرت آنفا- هي السواد الأعظم من أمَّة الإسلام، وهذه التجمُّعات أيًّا كان شكلها ليست الأمَّة ولا هي سوادها الأعظم، فمن أين أتى زعمهم هذا؟؟

وتبرز خطورة هذا الفهم القاصر حين تكرَّس الخصومة بين فصائل العمل الإسلاميّ، ويصبح التكفير قُرْبةً إلى الله تعالى، فكلٌّ منهم يتقرَّب إلى الله بإخراج الآخر من الملَّة، ويتعبَّد الله بقطع ما بينه وبين أخيه، وتزداد الفتنة عندما تنتقل هذه الخصومة إلى دائرة المنابر العامَّة، ويندلع لهيبها في أوساط الأمَّة، وأدنى ما يمكن أن يترتَّب على ذلك هو الزهد في العمل الإسلاميِّ كلِّه الذي يفقد احترامه بسبب هذه المهاترات، ويبدو في صورة الفِرَق المتناحرة والشِّيع المتلاعنة، وبدلاً من أن توجَّه هذه الجهود وهذه الطاقات إلى دعوة العالَمين إلى الله تعالى، تحوَّل إلى التكفير والتفسيق بل والضرب والقتل في أحايين كثيرة.

هذه الجماعات أو التجمُّعات ليست أيٌّ منها هي جماعة المسلمين، ولهذا فإنَّها ليست نهاية المطاف، ولا يمثِّل أحدها على انفرادٍ جماعة المسلمين، ولا كلُّها مجتمعة، وبالتالي فليس هناك من زعمٍ في اعتبار هذه أو تلك هي الأصل وغيرها ليس كذلك، وليست هناك من مشكلةٌ في وجود جماعةٍ واثنتين وثلاث، طالما لم يتعدَّ الأمر كونها مجرَّد خطواتٍ مرحليَّةٍ في الطريق إلى جماعة المسلمين، لا أكثر من ذلك ولا أقلّ. علماً بأنَّ هذه التجمُّعات الموجودة قد نشأت لمواجهة تحدِّياتٍ معيَّنةٍ واجهت الأمَّة في القرن العشرين، وإطلالةٌ سريعةٌ على أسباب تكوين هذه التجمُّعات تنبئ بذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ هذه التجمُّعات تصبح تكامليَّة لا تصادميَّة، بمعنى أنَّها كلَّها في صفٍّ واحد، وكلَّ واحدةٍ تقف في مواجهة تحدٍّ مختلفٍ عمَّا تواجهه الأخرى، فيكون الجمع هو الصحيح لا المواجهة.

وعلى هذا يكون السؤال: ماذا على المسلمين اليوم؟ هل عليهم الالتزام في جماعةٍ بعينها؟ أم الأَوْلى الابتعاد عنها كلِّها؟؟

لست هنا بصدد الإجابة بالنفي أو الإثبات، بقدر ما أنا معنيٌّ بإبراز وتوضيح المسأل، وترك كلَّ إنسانٍ يجيب عن السؤال كما يختار ويرغب. وقبل التوضيح أشير إلى أنَّ هذه الجماعات هي وسائل لا غايات، فإنَّنا حين نرغب في الوصول إلى مكانٍ ما مثلاً نختار أفضل وسائل المواصلات التي تؤدِّي الغرض وتصل بنا للغاية، وكذلك الأمر حين نرغب في الانتماء لكيانٍ ما، فإنَّنا نختار من هذه الاتجاهات ما كان أرجى للمسلمين، وأبصر باعتبار المآلات والموازنة بين المصالح والمفاسد، وأنسب لاستيعاب قدراتنا وملكاتنا والاستفادة من طاقتنا ومواهبنا لصالح العمل الإسلاميِّ الشامل، والأولويَّات التي قد تتغيَّر وتتبدَّل حسب الاحتياجات والتحدِّيات.

إذا كان الأمر كذلك يصبح تحديد انتماء أحدنا مرتبطٌ بقدرته على تقديم أقصى جهدٍ في هذا السياق، بعيداً عن الأسماء والمسمَّيات، والأشخاص والهيئات، فمن كان أداؤه الأَوفى والأعلى حين يعمل منفرداً فليعمل، ومن كان يعطي كلَّ طاقته حين ينتمي لجماعات إسلاميَّةٍ فلينتمِ، ومن كان يجد نفسه وطاقته من خلال جمعيَّات المجتمع ومؤسَّساته فليسارع إلى الاشتراك فيها، دون إنكارٍ من أحدٍ على أحد، ولا لوم أحدٍ لأحد.

إنَّنا كلُّنا قد فعلنا ذلك رغبةً منَّا في القرب من الله تعالى، وحرصاً على خدمة دينه ورسالته، وخوفاً على الأمَّة من الضياع، فعلامَ الخلاف والنزاع واللوم والتلاوم؟؟ علينا أن نقبل بعضنا أيًّا كان موقعنا إن كنَّا اتَّفقنا على الغاية واختلفنا في الوسيلة، بل علينا أن نقبل فكرة انتماء الشخص لأكثر من كيانٍ أو هيئة، ما المانع أن يكون المسلم عضواً في جمعيَّةٍ وجماعةٍ في آنٍ واحد؟ بل ما المانع من أن يلتزم في جماعتين طالما يحقِّق ذلك الخير للفرد وللأمَّة؟ فإن حدث تعارضٌ ما يُترَك تقدير الأمر للفرد حسب ما يرى من خدمة دينه وأمَّته، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بنظم وقواعد التجمُّع الذي انتمى إليه طالما رضيه وارتضى الانتماء إليه، إذ الالتزام هنا ليس التزاماً شرعيًّا باعتباره جماعة المسلمين، ولكنَّه التزامٌ إداريٌّ تنظيميٌّ لتسيير العمل وانتظامه.

وبعد هذه المقدمة، جاء دور التوضيح: أرى أنَّ المسلم أمام أمرين:

1-     الالتزام باتِّجاهٍ من الاتِّجاهات القائمة باعتبار ذلك خطوةً مرحليَّةً في الطريق إلى جماعة المسلمين، والسعي من خلاله إلى إيجاد هذه الجماعة بمفهومها العامِّ والشامل. وفي هذا ينبغي التنويه إلى أنَّ المقصود بالالتزام هنا الالتزام بتجمُّعٍ ما بمفهومه العامِّ الذي يشمل: الجماعات الإسلاميَّة- الخيريَّة- جمعيَّات ومؤسَّسات المجتمع.. إلخ. على أن لا يعتبر انتسابه لهذه الجماعة هو نهاية المطاف، فهذه التجمُّعات وسائل لغايةٍ واحدةٍ تتمثَّل في جمع الكلمة وتنسيق الجهود في سبيل خدمة الأمَّة، فهي خطوةٌ مرحليَّةٌ على الطريق. وأؤكِّد على أنَّ هذه الجماعات والتجمُّعات لا يمثِّل أحدها على انفرادٍ جماعة المسلمين، وإنَّما هي خطواتٌ مرحليَّةٌ في الطريق إليها، وأنَّ التزام المسلم بـ"جماعة المسلمين" بمفهومها العامِّ والشامل أسبق من التزامه بهذه التجمُّعات الجزئيَّة، لأنَّ الأوَّل واجبٌ بأصل الشرع، فهو الذي دلَّت عليه النصوص، وانعقد عليه الإجماع، أمَّا الثاني فمستَنَد وجوبه هو المصلحة الراجحة، وكونه ذريعةً لإقامة بعض الواجبات الشرعيَّة التي قد لا يتسنَّى أداؤها إلا من خلال هذه الأطر. فلا ينبغي إذن أن تنقلب الأمور، ويصبح الولاء لهذا التجمُّع أو ذاك ذريعةً لقطع الولاء عن بقيَّة العاملين، أو مشوِّشًا على المفهوم العامِّ لجماعة المسلمين، فيتحوَّل إلى غايةٍ وقد كان وسيلة، ويصبح منتهى السعي وقد كان شوطاً من أشواطه، ويتمزَّق به ولاء الأمَّة بدلاً من أن تجتمع به وتتوحَّد من خلاله!! ويوم أن تصبح هذه التجمُّعات مفرِّقةً للكلمة، أو مشوِّشةً على الولاء العامِّ للإسلام والجماعة، فإنَّ شرعيتَّها من الأساس تكون موضع نظر، لما تقرَّر من أنَّ الذرائع تأخذ حكم المقاصد حلاًّ وحرمة. وإذا كان مفهوم "جماعة المسلمين" لا ينطبق على التجمُّعات الموجودة، ففي هذا الإطار ماذا تكون "البيعة" التي يعطيها المسلم لبعض هذه التجمُّعات حين التزامه بها؟ وما إلزاميَّتها؟ أمَّا البيعة التي تُعطَى لأيِّ تجمُّعٍ فهي ابتداءً بيعةٌ على عملٍ صالحٍ يتَّفق مع مقرَّرات الشرع؛ كفعل الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البرِّ والتقوى، والمقصد منها الالتزام بالعمل الذي تمَّ الاتفاق عليه بين الطرفين، بصرف النظر عن الأوصاف والمسمَّيات. وأمَّا إلزاميَّتها فهي لا تأخذ حكم التعاقد الملزم بين أطراف العلاقة التعاقديَّة، ولا يترتَّب عليها التزامٌ بين المتعاقدين إلا بقدر ما تسبِّبه من ضرر، فالبيعة التي تُعطَى لهذه التجمُّعات لا تخوِّل لأمرائها الحقَّ في السمع والطاعة المطلقة، وإنَّما هي بمثابة العهد أو العقد.  فإن فارق الشخص تجمُّعه، وقد التزم معه بعمل، فلا شيء عليه، بشرط ألا يُخلَّ فراقه بالتزامٍ تَعهَّد به وترتَّب عليه ضرر على الطرف الآخر، شأنه تماماً كشأن المتعاقد الذي أخلَّ بتعاقده فوقع الضرر بسبب ذلك على الطرف الآخر، فلا يمكن بحالٍ إكراهه على الاستمرار في التجمُّع، أو اعتبار تحلُّله من عهده وانتمائه "خروجا" على "جماعة المسلمين".

2-     الالتزام بالطاعة لـ"جماعة المسلمين" بمفهومها العامِّ والشامل، دون الالتزام بتجمُّعٍ بعينه، مع الالتزام بالعمل للإسلام حتى ولو كان وحيدا، والاكتفاء في هذه المرحلة بإقامة صلاتٍ متوازنةٍ مع كافَّةٍ التجمُّعات الإسلاميَّة وبذل النصيحة الواجبة لأصحابها، والتعاون معهم جميعاً على ما عندهم من خير، دون الالتزام العضويِّ بأحدها إلى أن يأذن الله بتجاوز هذه الفرقة وتقام جماعة المسلمين. وعموماً فتحديد أيِّ اختيارٍ من هذين الاختيارين مردُّه إلى المسلم نفسه، فحيث يرى نفسه أنفع فليذهب إلى ذلك دون تردُّد، فالانفراد وسيلة، والانتماء وسيلة، والغاية هي المراد، وما يحقِّق الغاية أقصى تحقيقٍ يصبح مراداً أيضا.

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة