مفهوم الاستخلاف

الاوسمة: 
 

هي مهمة اختار الله لها الإنسان يوم أصدر ذلك الإعلان الكوني على مشهد من الملائكة فقال: "إنّي جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، وهو عهد من الله للإنسان أن يعمّر الأرض ويقوم بشأنها، وينتفع بها. ومكّنه منها، وجعل له سلطانا عليها.

 

ويستنكف كثيرون أن يفسروا الخليفة بالنائب مناب الله القائم مقامه في الأرض حكما وفعلا وتغييرا، بحجة أن الخلافة لا تتحقق للخلف إلا بعد ذهاب السلف، وهذا ما لا يجوز على الخالق. وهذا التلازم المدّعَى غير ضروري، فإنا نقرأ قوله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء" (الزمر: 74)، فنرى الله يورث عباده الجنة، فهل يلزم من ذلك موت المورِّث أو غيابه. كذلك الشأن بالنسبة للخلافة، ينوب الإنسان ربّه دون غيابه أو خلوّ الأرض من سلطانه وإرادته، لأنّ الإنسان بعض إرادته. ويؤكّد هذا المعنى قوله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق" (ص: 26).

دلالات الخلافة:

 

لا يخفى على ذي بصر ما يحمل مفهوم الخلافة بين طياته من معنى التكريم المقدم على بساط من المسؤولية: تكريم استشرفته الملائكة وهي تقول: "ونحن نسبح بحمدك وتقدس لك" (البقرة:30)، ومسؤولية عرضت على السماوات والأرض والجبال "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها" (الأحزاب:72)، وقد أثبت القرآن حقيقة التكريم فقال: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء:70) ونطق بها حال الإنسان: من حيث تزويده "بمواهب الخلافة"، ومن حيث تسخير الكون له، مسرحا لإعمال تلك المواهب، ومجالا لعملية التغيير المرجوة، و"أرض الميعاد" للإبداع الإنساني المنتظر، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الجاثية:12).

 

ويبلغ التكريم ذروته في سجود الملائكة، إذ هو يتضمن تفضيل المسجود له على الساجد، ومن ثم فالخلافة درجة وجودية عليا بين المخلوقات يؤكدها:

-         الأمر بسجود الملائكة "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" (البقرة:34)

 

-          استشراف الملائكة لهذا المركز استشرافا استبطنه قولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" (البقرة:30).

-         حقد إبليس على الإنسان ورفضه للسجود لئلا يقر له بالأفضلية، "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" (البقرة:34).

وأما المسؤولية، فلها مستويان:

 

مسؤولية مع "المستخلِف" هي العبودية، يؤسسها الوحي ويرعاها، وما الرسالات إلا صُوًى تنظم طريقها. وهذه العبودية بشتى أجزائها و مقوماتها قد صبغت بصبغة الحرية، وعليها انبنت، انطلاقا من الوحي الذي يؤسسها، وانتهاء بالجزاء الذي يتوجها. فالوحي اعتراف عملي بحرية هذا الإنسان المستخلف، يترسّخ ويتأكد بسمات الخطاب الإلهي في محاورته للعقل البشري من خلال الإدلاء بالحجة أو المطالبة بها، وتصل بعدها الأسنى في خطب ود الإنسان وتثمين رضاه "رضي الله عنهم ورضوا عنه" (البينة:8)، "فاذكروني أذكركم"(البقرة:152).

 

ومسؤولية مع "المستخلَف فيه" استثمار وتغييرا وتطويرا، يرعاها العلم، وتضمنها مقومات الإنسان المتعددة، تعطيه موهبة الحياة على مستويات مختلفة، وتمكنه من تذوق أنواع شتى من كؤوس الوجود ومشاربه، وتكثر من روابطه بالحياة تعميقا لدوره فيها تأثيرا و تأثرا. فالكون كتاب صفحاته الفعل الإنساني، وأجداث روحها عمله الذي لا ينقضي، لا يصلحه إلا التطوير والتغيير كالماء إذا ركد أسن، والإنسان وحده هو المؤهل لذلك بما اختص به من قابلية التغير و التغيير عبر عقل مستفيد وإرادة حرة منطلقة.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة