مشاكل التسرع والسطحية في العمل الاسلامي

انعدام الوعي السياسي:

 قد يظن البعض أن الإيمان يغني عن الأخذ بالأسباب، وعن الوعي السياسي، وعن التدبر والتبصر في الأمور. والحقيقة أن الإسلام يدفع ويحض على الأخذ بكامل الأسباب ومنها الوعي السياسي، واستكشاف الافاق واستشفاف ظواهر الأمور وبواطنها. والحركة التي لا تمتلك الأجهزة والقدرات اللازمة التي تعينها على عمق النظر في القضايا، وعلى بعد النظر في الأمور، من أجل استكشاف حقائق السياسيات والمواقف والمواقع والصراعات المحلية والإقليمية والدولية، ومعرفة موقع كل حدث مما يجري على هذه الساحات والمستويات جميعا، هي حركة لن تكتب لها الحياة، ولن يحالفها التوفيق ، ولن تكون في خير و عافيه ، خاصة وأننا في عصر غدت فيه مصالح الدول والنظم والأحزاب والمؤسسات والأشخاص متشابكة متداخلة، وعملية التفكيك والتحليل واستخلاص النتائج ليست بالأمر السهل وتحتاج إلى جهود وإمكانات جبارة وأجهزة متخصصة. والحقيقة أن هذه الفئات لم يكن لديها الأفق السياسي ،والمرجعية الذاتية التي تعينها على تقصي الحقائق، التوجهات و تحديد السياسات السليمة الصحيحة، وهذا ما جعلها تقع في كثير من التناقضات في المقولات والمواقف والتصرفات . . . وحسبي أن أتناول في هذه العجالة بعضا من السياسات التي إن دلت على شيء فإنما تدل على ضآلة الوعي السياسي وعلى قصر نظر.

1- أعلنت هذه الفئات عداءها لكل الأنظمة والتنظيمات والأحزاب دفعة واحدة وقبل أن تكون بنيتها وإمكاناتها قادرة على مواجهة ردود الفعل والتحدي من واحدة هذه القوى، فكيف بها مجتمعة.

2-  شنت هجوما على نظام معين تجلى ذلك في خطب وتصريحات وبيانات متعددة، ثم عادت بعد ذلك تهادن وتلاين بل وتمتدح وتطري ؟!.

3- عارضت بقوة وعنف فكرة تولي الجيش للأمن وقامت من بعد ذلك بعدد من التصرفات العنفية لمنع الجيش من النزول، ثم ما لبثت أن وافقت ورحبت.

4-  تحالفت مع زعيم فلسطيني واشتركت معه في غرفة عمليات واحدة، ثم ما لبثت أن شنت عليه حربا شعواء ووصفته بالخائن والعميل

5- أعلنت عن استعدادها لحل القضية اللبنانية، ولكن دون أن تقدم بين يدي ذلك أي مشروع بهذا الخصوص، إلا إذا استثنينا الطرح المبدئي للإسلام وأنه البديل القادر على حل مشاكل البشرية جمعاء.

6- تصورت هذه الفئات أن إقامة الحكم الإسلامي جد بسيط، وإن ذلك لا يحتاج لأكثر من قوة مسلحة وشعارات ورايات وأمراء يحكمون الشوارع، إضافة إلى عدد من السجون والتعاونيات الإستهلاكية . . ولقد فاتها أن الحكم الإسلامي يجب أن يسبقه تغيير جذري للواقع الجاهلي، وأن يمهد له ويساعد عليه قيام بيئة قادرة على احتضان حركة التغيير الإسلامي، وعلى الدفاع عنها، وعلى إمدادها بكل طلبات الصمود والاستمرار . . إن الحكم الإسلامي لا يمكن تحقيقه في مدينة مطوقة عسكريا، محاصرة اقتصاديا، معزولة جغرافيا . . بل إن مجرد تفكير في إقامة حكم إسلامي في مدينة من المدن أو شارع من الشوارع ضرب من العبثية والسطحية .

اختصار الزمن:

 ومن السمات البارزة في أساليب وطروحات هذه الفئات انها كانت حريصة على اختصار الزمن في عملية التغيير الإسلامي .. علما بأن عامل الزمن له قيمته وأهميته في أية عملية تغييرية أوحتى خطوة تصحيحية .. فما يحتاج إلى عشر سنوات لا يمكن اجتزاؤه بسنة، وما يحتاج إلى مائة عام لا يجوز اختصاره بعشرة أعوام . . .والتغيير الإسلامي - بصورة خاصة - ليس عملية تجميلية أو شكلية، وإنما هو استبدال واقع بواقع ، بكل ما في هذا الواقع من مرتكزات عقائدية وفكرية وتشريعية وقانونية وخلقية وحضارية. وعملية كهذه ينتظر أن تقف كل قوى الجاهلية في العالم دون تحقيقها ونجاحها، يجب أن تاخذ مداها من الإعداد وحاجتهما من الاستعداد. وكل مطلع على المشاريع والسياسات التي يعتمدها أعداء الإسلام، من حركات صهيونية وصليبية وشيوعية، لتحقيق أهدافهم وغاياتهم ، يلحظ مدى عناية هؤلاء بعامل الزمن، فيرون أن الهدف الذي قد يستحيل تحقيقه اليوم ، يمكن أن يكون مستطاعا بعد ذلك ،وأن المشروع الذي يصعب الوصول إليه وإقامته اليوم، قد يسهل غدا، وذلك لاعتبارات كثيرة منها: توفر مزيد من الإعداد والتحضير، وتوقع مزيد من الظروف المناسبة، وامتلاك مزيد من المعطيات المساعدة.

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة