مسؤولية المسلمين تجاه الإلحاد

من كتاب سر تأخر العرب والمسلمين للامام الغزالي 

 الواقع أننا-نحن المسلمين المسؤولون الأوائل عن ظهور هذا الإلحاد في بلاده ، وعن مصاب الإنسانية عامة به، فلولا تقاعسنا عن اداء رسالتنا الكبرى، ما كانت المعركة بين العلم والدين، وما استفحل خطر الإلحاد على هذا النحو المزعج، وما انتشرت المذاهب المادية، وفتكت بالجماهيركما نرى. كان لدينا ما يقنع العقل المتطلع المستكشف، وكان لدينا ما يشبع الطبيعة البشرية، المتشوقة إلى الرضا، وكان لدينا ما يوفر الكرامة الفردية والاجتماعية لإنسان نفخ الله فيه من روحه، فهو يبغض الهوان والإهانة . . لكننا جهلنا، أو تجاهلنا، ومضينا في طريق اخر، احيينا فيه مساوئ أهل الكتاب السابقين. إن الله يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : "كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور"  ولمهمة واضحة، فغاية الرسالة استنقاذ الناس من ظلمات الفوضى والجهالة والفساد والاستبداد، إلى افاق أزكى و أسمى. والرسول صلى الله عليه وسلم لا يحيا الدهر كله، وإنما تقوم أمته بعمله بعد موته يقول الله: "ثم اورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا" اي ان مهمة الأمة إعلان حرب على الظلام حيث كان، بالعلم تحارب الجهل، وبالعدل تحارب الظلم، وبالنظام تحارب الفوضى، وهكذا. . . .

 لكن أمتنا-عفا الله عنها-اعتراها إغماء، ولا أقول موت، فلم تؤد الوظيفة المنوطة بها، وذهلت عن عالمية الرسالة، التي كلفت بادائها، وحسبت أن الإسلام نظام داخلي لها وحدها، فقبعت وراء حدودها، تحيا وفق ما يتاح لها من حياة، وتمزق أردية الإسلام التي لفتها الأقدار بها لتواري سوءاتها، وما زالت كذلك حتى وثب خصومها عليها ليلغوا أولا شريعتها، ثم لينقضوا بنيان العقيدة الني نقوم عليها. أين خلفاء محمد صلى الله عليه وسلم  لا أقول ليخرجوا العالم من الظلام الى النور، بل ليخرجوا أنفسهم من الظلام إلى النور !.

إن الإلحاد يتحدى، وله الحق، فقد خلا الجو له، والعلم الديني، والتطبيق الديني غير مؤهلين للنصر بما يحملان من جراثيم الضعف والعجز . . . إن المذاهب المادية تستغل أخطاء الفكر الديني في إحراز انتصارات كبيرة، وتستهوي الناس بما تقدم من حلول سريعة لمشكلاتهم، على حين يتصف المتدينون بالتعقيد، وضعف الإحساس بمعاناة الناس. والقرآن الكريم يصف البشرية المصابة بهذا التدين وصفا يجعلها أنزل رتبة من الذين لم يتدينوا أصلا: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم" . البغي ، وقسوة القلب ، إيثار الشكل ، وتجاهل الأركان، وغير ذلك من الأمراض النفسية هون من قيمة الدين وأثره . . وعندما يخدم المتدينون الاستبداد السياسي، ويجحدون قاعدة الشورى، فإن الباب سوف ينفتح لديمقراطية تسوي بين الطاهر والعاهر. وعندما يعيشون في كنف ذوي الثراء، ولا يبالون من أين يكسبون، ولا فيم ينفقون، ولا يتساءلون عن الحق المعلوم، أخرج أم لم يخرج، فإن الباب ينفتح لماركسية تكفر بالله وبالإنسان معا . . وعندما ينظرون ببلادة إلى الغريزة الجنسية، ولا يسارعون إلى توفير مهادها الحلال، ثم تتضافر جهودهم لحماية الأسرة، فإن الحرام سيكون الجواب الحتمي!

إن المتدينين من قديم - ولا يزالون إلى الآن - يتعثرون في قضايا خلقية، واجتماعية، وسياسية كثيرة، بل إن تصوراتهم الثقافية موضع دهشة . . فيوجد من يؤلف ضد دوران الأرض حول الشمس، ويؤيد موقف الكنيسة في العصور الوسطى، ويدعي مع ذلك أنه سلفي! ويوجد من يأمر التلامذة بتخريق صور الأحياء في كتبهم، لأن التصوير محرم، ويوجد من يهاجم كون الأمة مصدر السلطة، ويوجد من يحسب إقام الصلاة مغنيا عن تعلم الصناعات، ويوجد من يعيش مع أعداء الإسلام في القرن الرابع، يهاجمهم وينال منهم، ولا يدري شيئا عن أعداء الإسلام في هذا القرن! ألا يمهد هذا كله لإلحاد مدمر؟؟ بعد عشرين سنة من بدء الوحي، حذر الله الأمة الإسلامية أن تسري إليها أمراض أهل الكتاب، فيعتل إيمانهم ومسلكهم، كما اعتل إيمان اليهود والنصارى من قبل، قال سبحانه :  "ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون". وأمراض التدين المنحرف تتشابه على مر العصور، جرثومتها الأولى، جفاف الشعور، وضيق التفكير، وقسوة القلب، والانسلاخ العام من الفطرة ، والتعلق الشديد بالمراسم، والصلف بمعرفة الحق، والميل إلى سوء الظن، ومعاملة المخطئين بجبروت. وتلك كلها افات ينكرها الدين، ولا يعد أصحابها على شيء مهما بلغت عباداتهم . . . !

قد ذكرنا كيف بدأ الانحراف في تاريخنا بانفصال الحكم عن العلم، وحدوث فجوة أو جفوة بين الحكام والعلماء . . . إلا أن انفصالا اخر وقع في ميدان العلم نفسه، بين رجال الشريعة ورجال التربية، انتهى بجعل الأخلاق علما نظريا أو أدبا ثانويا! وجعل العبادات والمعاملات عادات موروثة ، وتقاليد متبعة ! وبذلك تقطعت الصلات بين الأمة والدولة، ثم بين الأمة بعضها مع البعض الاخر، وابتعد الجميع عن روح الإسلام.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
1 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة