مخاطر الانتماء

وفي عودة الى موضوع اخطاء الحركات الاسلامية احب ان اتوقف عند نقطة مرت في الدراسة مرور الكرام ولها عندي تفصيل وهي

 الانتماء الحزبي او الحركي بما لها من مساوىء ومحاسن.

ان اول ما الاحظه بخصوص الانتماء الى تيار فقهي اوحزبي اسلامي معين  هي المشاكل التالية والتي حاولت ان اصيغها متدرجا من المشاكل الاقل خطورة الى الاكثر خطورة:

1-     حذر الناس من المنتمي: مجرد الانتماء الى فرقة يضع حاجزا بينك وبين الناس حتى لو لم تكن متعصبا لها. وهم بالتالي يأخذون منك موقف المترقب الحذر ويفسرون كل خطوة  تقوم بها نحوهم على انها محاولة لتحقيق مصلحة حزبية او حركية لا على انها خطوة محبة وصدق ناحيتهم.  بينما يكون غير المنتمي اقرب الى الناس واكثر قدرة على الانخراط فيهم والتأثير عليهم لأنه منهم.

2-     الانفصال الشعوري عند المنتمي: والشعور السابق من الناس لم يأت من فراغ بل ناتج من ان معظم المنتمين الى حركة او مذهب معين ينفصلون شعوريا بشكل لا ارادي عن الجماعة المسلمة ليصبحوا طريقا جديدة متميزة. فنراهم يقدمون التعامل مع المنتسب لجماعتهم حتى على اولي القربى (اذا سمعت من المنتمي لفظ "الشباب" او "الاخوة" تأكد انه يعني جماعته وحزبه) بينما يكون غير المنتمي اكثر انفتاحا على كل من يخدم المسلمين سواء كان منتميا ام لا.

3-     القالب الجامد لكل منتمي: ونقصد بالقالب الجامد ان كل منتم الى حركة اسلامية له قالب لا يحيد عنه متمثلا بمجموعة العقائد او المبادىء التي صاغها هذا الحزب او المذهب. وقد يكون هذا القالب ناتجا عن قناعة تامة بالمذهب (مردها الى غياب الرأي الآخر او الى ثقة عمياء برجالات المذهب) او ناتجا عن عقدة نفسية كما هو الحال في معظم الاحيان، فالمنتمي لا يقبل ان يجاهر بخروجه عن مبدأ من مبادىء المذهب ولو لم يقتنع به لأنه يخاف انتقاد "الرفاق" (اتهامه بالخروج عن المبادىء) او انتقاد "الخصوم" (اتهامه بالتناقض كونه يخالف اسسا وضعها رموز مذهبه). وقد لا يعترف المنتمي بهذا الخوف ولكنه موجود ولو بطريقة لاواعية في وجدانه. فإذا أخذنا قضية "وجوب النقاب أم سنيته"  وهي قضية فرعية ثانوية لا نجد أي فرد من الفريقين المختلفين حولها قادرا نفسيا على الخروج بموقف مخالف لجماعته ولو اقتنع بعكسه فكيف بمسائل العقائد؟؟؟. فيما يكون غير المنتمي (مثلي) محظوظا كونه يقدر على الاختيار بعامل الاقتناع لا بعامل الخوف او التبعية.

4-     تقديم المصلحة السياسية على الدعوة: ويضاعف هذا الشعور بالتمايز عن سائر المسلمين الخوض في السياسة للفرق الاسلامية التي سلكت هذا الاتجاه. فمن جهة يتعزز الشعور المذكور في النقطة (1) عند الناس بأن المنتمين يعملون لمصلحتهم لا لمصلحة الدين مثلهم كأي حزب آخر. ومن ناحية اخرى تتضاعف العزلة الشعورية عند المنتمي المذكورة في النقطة (2) ليقدم نفسه على انه ممثل الاسلام في الانتخابات وان غيره من المسلمين لا يمثلون دينهم لمجرد انهم لا ينتمون الى تيار اسلامي معلن. وعلى فرض صحة هذا الافتراض فهذا من اهم الاخطاء الدعوية لأنه يجعل الآخر يشعل بالتعامل الفوقي معه وان علاقته معك علاقة المتلقي لا علاقة الند. اما غير المنتمي فيكون على مسافة واحدة من جميع الاطراف ويكون بالتالي اقدر على توجيه النصيحة.

5-     التعصب الفكري : طبعا ستجد العديد من الفرق التي تدعي انها خرجت من الحزبية الضيقة وانها تتبع المنهج الاسلامي متمثلا بالقرآن والسنة ، ولكن حتى هذا الادعاء يصبح مع الوقت مصدرا للتمايز اذ يحل "اجتهاد الفرقة في فهم القرآن والسنة" محل " القرآن والسنة" ويصبح تفسير العالم الفلاني لنص قرآني بمثابة النص نفسه. ويتم اهمال الاجتهادات المخالفة بدعوى انها تخالف النصوص الصريحة والتي لا تكون صريحة او قطعية الا بنظر الفئة نفسها. يقول الدكتور عمر عبدالله كامل : فحتى التيار المتشدد الذي بنى وجوده على التحرر من التقليد، نجد انه اصبح يدور في فلك الاشخاص فما هو الفرق بين  الالتزام الحرفي باجتهادات المذاهب الاربعة المعتمدة، والتعصب لبعض الرموز الحالية؟

6-     احتكار ملكية الحق: وقد يتعاظم الشعور بالافضلية عند الفئة الاسلامية ليصل الى مرتبة "احتكار ملكية الحق" والى تقديم الفرقة نفسها على انها الفرقة الوحيدة الناجية من النار وان سائر الفرق الاسلامية هي الفرق الضالة التي وردت في الحديث المشهور "تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ‏ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَة"

7-     تقديس الاشخاص: وعلى رغم اعتراف كل الفئات الاسلامية بعدم العصمة الا في حق الانبياء، لا نجدهم يطبقون هذا الكلام على رموزهم. وذلك عائد لسببين: اما لغياب أي معرفة بالآراء أو الحجج المخالفة لهذا الرمز بسبب التضييق الفكري، واما لأن الشخص مندمج عاطفيا في هذه التركيبة فلا يتقبل أي نقد  -ولو كان محقا بنظره - لأي رمز من رموز المذهب الذي ينتمي اليه. فنشاهد مثلا ان بعض المنتسبين للاخوان لا يقبل ان يقال امامه بأن الرمز الفلاني اخطأ في مسألة ما ويفهمها بأنها محاولة للنيل من حركة الاخوان المسلمين عبر التطاول على احد رموزها ويحرم الخوض في هذه المسائل على اساس ان من العيب تخطئة الأعلى مقاما. فيما يكون غير المنتمي اكثر موضوعية ويناقش القضية من منطلق شرعي لا من منطلق انتماء.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة