محشي رمضان ... بالهنا والشفا؟

هذا العنوان ليس وصفة لطبق رمضاني شهي ولكنه توصيف لواقع رمضاني رديء يصعب هضمه وتبيان للهوة السحيقة التي باتت تفصل بين الأهداف السامية التي شـُرع الصيام من أجلها وبين التطبيق العملي لهذه العبادة من قبل المسلمين اليوم.  لا شك بأن هذا الواقع الرديء قد أصبح عبئاً على حياتنا الروحية بدلاً من أن يكون مَعيناً لتوهجها ومصدراً لتجددها وأنه قد استحال تقليداً اجتماعياً بعيداً كل البعد عن جوهر الصيام وقيمه ومبادئه.

 

لقد علل الله سبحانه وتعالى فرض الصيام تعليلاً صريحاً فقال عز من قائل: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، والتقوى عنوان عريض تندرج تحته فضائل ومناقب وخصال كثيرة للشهر الكريم لا يسع هذه المقالة الإحاطة بها، ولكن حسبنا الإشارة أن من الثمرات التربوية المتوخاة من الصيام هو لجم شهوات البطن والفرج عبر الامتناع عن بعض ما أحل الله بغية ترويض النفس على الصبر والنزول عند حكم العقل ووقايتها من اتباع النزوات والخوض في ما حرم الله.  وهذا هو جوهر التقوى، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كثير مثل قوله "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس"، وقوله "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (أي وقاية)، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافةَ أن نقع في الحرام.

 

وإذا كان الإنسان معجوناً من روح وطين فإن من أهداف رمضان أن يغذي الجانب الروحي، الذي يضفي على الإنسان إنسانيته المميزة له عن باقي الكائنات، فيزيدها توقداً وتوهجاًً، ويهذب الغرائز فيخلص النفس من بعض أوضار الحمأ المسنون التي تثـّاقل بالإنسان إلى الأرض فتقعد به عن الاضطلاع بأعباء مسئولية العبادة الملقاة على عاتقه منذ سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام.

 

فهل لهذه الأهداف  السامية مؤشرات ملموسة على أرض الواقع؟  ها هو ذا رمضان يطرق الأبواب ثانية عارضاً نفحاته الثرة ولفحاته العطرة  لمن أحسن استقبالها وأعد العدة لها، ودونكم بعض ظواهره الاجتماعية العامة التي بدأت معالمها بالتشكل مع قرب حلول الشهر الفضيل والتي من المفترض أن تدلل على آثاره المرجوة في القلوب والنفوس المؤمنة!!

 

أول ما يلحظه المراقب كثرة الإقبال على الأسواق وانتشار التبضع على نطاق واسع.  تبدأ هذه الطقوس التسوّقية قبل عدة أسابيع من دخول الشهر الكريم تحت شعار الاستعداد لرمضان.  أما الكميات فلا تسأل عنها فهي وافرة للغاية تكاد توحي بأن المشتري يتوقع سبع سنوات عجافاً من القحط والضيق وشظف العيش أو أن مجاعة يتوقع لها أن تضرب دونما إنذار.

 

يأتي هذا النشاط الاستهلاكي مشفوعاً أو ربما مدفوعاً بحملات إعلانية مركزة وعروض ترويجية مكثفة:  اشترِ .. اقتنِ .. ابتعْ .. لا تفوّت الفرصة ..عروض خاصة .. اربح المليون .. احصل على هديتك المجانية .. حقق أحلامك .. جوائز يومية .. شارك في المسابقة .. أرسل رسالة إس إم إس .. تابع نجمك المحبوب .. تمتع ببرامجنا الرمضانية .. شاهد مسلسلك المفضل .. خلـّيك معنا .. استهلك .. استهلك .. استهلك!!  قصف إعلاني عنيف يجتال "المؤمن" من كل حدب وصوب، يستحثه ويستنهضه ويدعوه بكل عبارات الترغيب والإغراء والاستمالة إلى الاستمتاع بالترفيه والتلذذ بالطعام والشراب والاستكثار من السلع حتى لـَيُخيل للمرء أننا لسنا مقبلون على رمضان الذي نعرف، شهر الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان بل نحن مقبلون على شيء آخر مختلف، لعله مهرجان "رمضان غير" للتسوّق والتذوق والاستهلاك!!

 

"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق" سينبري أحدهم قائلاً، ونقول بعون الله إن أحداً لم يحرم زينة الله ولا الطيبات من الرزق ولكننا نجد المبالغة المقيتة في الدعوة للتوسع في الحياة الدنيا في شهر يجب أن يكون طابعه العام هو الزهد والتقشف أمراً مستنكراً.  ومتى يزهد الناس في الدنيا إذا لم يزهدوا في رمضان؟  ومتى يكرسون وقتهم للتوسع في العبادة والتفكر والتذكر والاستغفار والتوبة ومحاسبة النفس؟  وماذا ترك الناس لعيد الفطر إذا أمسى رمضان شهر أكل وشرب وترفيه وتسلية وفرفشة؟

 

ويعجب المرء أن يكون الإقبال الشره المنفلت على الطعام سمة الشهر الذي يفترض أن يُضيـّق فيه على الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم.!!  بدلاً من ذلك، نحن نفتح للشيطان في عروقنا أتوسترادات ممهدة بكافة أنواع الدهون والشحوم والكوليسترولات لضمان سهولة النزغ وسلاسة الوسوسات خلال الشهر الفضيل!! كيف لا والمائدة الرمضانية "القياسية" صار لا بد أن تشتمل على عدة أنواع من "الأشربة الرمضانية" الخاصة على أن لا تقل عن ثلاثة خيارات، يصاحب ذلك نصف دزينة (أو دستة أو درزن بحسب اللهجة المحلية) من أصناف التمور، يتبع ذلك الأركان المكينة والحصون الحصينة لـ "المائدة الرمضانية" والتي تتمثل في الحساء "الشوربة" والسمبوسة (أو السمبوسك) والفتوش، فهذه لا مفر من وجودها على مائدة الإفطار في رمضان وهي واجبة على أغلب مذاهب "أهل الطبخ والنفخ" من شيفـّات الفضائيات وأرباب الشعائر الغذائية!!!  ثم، إن كان في المعدة بقية، تدلف بعدها إلى الأطباق الرئيسية من المشاوي والمناسف والفراخ والكبب والمحاشي والكبسات بمختلف أنواعها.  وفي رمضان، إياك ثم إياك أن تغفل عن "الآخرة" ... حلوى رمضان بالطبع فلهذه مكان محجوز في الثُلـُث الخامس من المعدة!!  فهل يستقيم ويكتمل الصيام بدون تناول البسبوسة والبقلاوة والكنافة والقطايف ... الخ من "حلويات الشهر الكريم"؟  ثم هل نستغرب بعد ذلك أن الذين يخططون لِحمْيَة غذائية (ريجيم)، سواء فرضها عليهم المرض أو فرضوها على أنفسهم بغرض الرشاقة والتخسيس فقط، يُرجئون خططهم إذا حل رمضان إلى ما بعد الشهر الفضيل؟؟!!

 

ويعجب المرء أن تسود في رمضان مظاهر سلبية لا تليق بمجتمع مسلم ابتداءً ناهيك أن تصبح ملازمة للشهر الكريم، بل يصبح الصيام هو المسوغ والمبرر لانتشارها.  فبدلاً من أن تسود السكينة والطمأنينة والكلم الطيب وينكبّ الناس على إتقان أعمالهم وإحسان معاملاتهم مستشعرين قرب الله منهم ومراقبته لهم تجد عكس ذلك تماماً: انقلاب في نظام الحياة، مباهاة بالموائد والولائم، تقصير في العمل، تسويف في المواعيد، تهرب من الالتزامات، سوء أخلاق في التعامل، رعونة في القيادة ... الخ من المثالب والنقائص التي يكاد قلب المرء أن ينفطر من جراء تعدادها فضلاً عن معايشتها! 

 

كما يعجب المرء كذلك أن يتحول الناس خلال الشهر الفضيل إلى كائنات تلفزيونية تستمد انتعاشها النفسي وحيويتها الاجتماعية من تلك الأشعة الصادرة عن هذا الجهاز الخطير الذي أصبح عنوان لقاء الأسرة والمحور الذي تتمحور حوله!! وكأن الفرد قد أضحى عاجزاً عن أن يستغني عن هذا الوسيط لنسج علاقاته الأسرية والاجتماعية ومَلء وقته بما ينفعه في دنياه وآخرته.

 

وأتساءل لو أن رحّالةً مرّيخياً هبط بين ظهرانينا فجأة في رمضان، ما هو الانطباع الذي يمكن أن يخرج به حول الشهر الكريم فيدوّنه في مذكرات تجواله الكوني؟  ألن يخرج بانطباع أنه من عادات وتقاليد الأرضيين الذين يدينون بدين الإسلام في شهر معين من شهور السنة: النوم في النهار والسهر في الليل والإفراط في الطعام والإسراف في الإنفاق وقلة الإنتاج وغلبة الكسل وفشو الهدر وكثرة النزق، أما الورد اليومي الذي لا ينفكون عن المداومة عليه في هذا الشهر فهو الجلوس ساعات طوال في محاريب تتوسطها شاشات غريبة آسرة تنبعث منها أضواء ملونة خلابة وأصوات فاتنة ساحرة تأخذ بالعقول والألباب فكأن على رؤوس الجالسين الطير؟!

 

إن أقل ما يمكن أن يقال في حال مجتمعاتنا اليوم مع رمضان أنها شهادة زور على حقيقة الشهر الكريم، وإن أخشى ما أخشاه أن ينطبق علينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد في الصحيحين "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

 

فكيف إذن نفسر ما نشاهده ونلمسه اليوم من ظواهر مَرَضية مصاحبة للشهر الفضيل لا تمت له بأي صلة بل تكاد تتناقض تماماً مع ما من شأنه الارتقاء بالفرد والمجتمع نحو التقوى التي صرح المولى عز وجل بكونها علة فرض الصيام؟  إذا كان مبتدأ هذا الانحراف في التطبيق هو ضعف الإنسان أمام نوازع النفس البشرية نحو الدعة والخمول واتباع الشهوات والتحايل على التكليف والهروب من المشقة، يعضدها جهل أو خلل في فهم الأهداف التربوية التي شرع الصيام من أجلها، فإن ما لا يمكن تجاهله بحال هو تلك الموارد المادية والبشرية الهائلة الموظفة من قبل فئات ذات أجندات خاصة، تمتلك قدراً واسعاً من النفوذ داخل الأروقة الرسمية وتهيمن هيمنة شبه كاملة على وسائل الإعلام، من أجل تعزيز تلك النوازع عبر إطلاق العنان لجماح شهوات النفس وتسعيرها ما أمكن وتكريس الجهل وخلل الفهم بل والإمعان في حرف هذه العبادة الراقية السامية عن حقيقتها وتقديمها في قوالب ظاهرها الحفاوة وباطنها التمييع والتخريب والتفريغ من المحتوى القيمي والأخلاقي.

 

 

هذا ما يمكن أن نعبر عنه تعبيراً موجزاً بـ "تزييف الوعي الرمضاني" والوسيلة المستخدمة لتحقيق ذلك هي الإعلام الرمضاني المحدَث الذي يهدف أساساً للسطو المسلح على أغلى الأصول التي يمتلكها الفرد المؤمن، فيسطو على وقته (جزء من عمره) مسلحاً بمغريات الدعاية والإعلان والبرامج التي توقظ وتستثير غرائز الفضول والأنانية والجشع والمقاتلة والبقاء الكامنة في داخله.

 

إن وقت المؤمن هو رأس ماله الحقيقي في رمضان وهو ثمين للغاية إذ يستطيع أن يستثمره استثماراً رابحاً في الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وأي عمل آخر يشغل المؤمن عن استثمار وقته في رمضان ينطوي على كلفة الفرصة الفائتة (بمفهوم الاقتصاد) لتحصيل الأجر والثواب والتقرب من العزيز الحكيم.  هذا على فرض أن الأعمال التي قد تشغل المرء عن ذلك الاستثمار هي من المباحات، فكيف إذا سلـّم المؤمن قياده إلى تجار الأوقات وسماسرة الأعمار من مختطفي الشهر الفضيل والذين يدعون الناس خلاله إلى تسعة أعشار الحرام!! هؤلاء يستثمرون أوقات المؤمنين بأسعار تصل إلى أكثر من 700 دولار للثانية الواحدة، واسأل المعلنين عن الكلفة الوسطية للإعلان التلفزيوني المعياري (مدته 30 ثانية) والذي يتضاعف سعره في رمضان ليتجاوز 20,000 دولار لكل إعلان في أوقات ذروة المشاهدة أو ما يعرف بالبرايم تايم بعد الإفطار!!

 

دهاقنة الإعلام أولئك يزوقون، بل يزورون، اليوم للناس طرازاً جديداً ممسوخاً من الشهر الكريم من سماته المميزة الصيام في المنام والإفراط في الطعام والاستكثار من الأفلام والقيام في الخيام، فلندْعه "رمضان دايت"، هو كامل (بل زائد) الدسم ولكنه منزوع القيم، نفس طعم الجوع والعطش ولكن بـ "زيرو حسنات"، صيامه لا يورث تقوى ولا ورعاً كصلاة ساهٍ لاهٍ لا تنهاه عن فحشاء أو منكر، وسبحان الله العلي العظيم القائل في محكم التنزيل "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيماً".

 

وهنا يبرز سؤال ملح يتسول إجابة ممن دأبوا على اجترار كليشة "استغلال الدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية" في وسائل إعلامهم: من هم الذين يستغلون الدين حقاً؟!!  أهم الذين يحاولون تمثل قيم الإسلام العظيم في حياتهم اليومية؟  أهم الذين يعملون من أجل أن يتناغم المكون الأساس لشخصية وهوية الأمة العربية المسلمة مع المرجعية السياسية والقانونية التي يعهد إليها تدبير أمورها أفراداً ومجتمعات؟؟ أهم الذين تنادوا بضرورة أن تتصالح نظم الأمة مع ثقافتها وتاريخها وضميرها ووجدانها، هذا التصالح الذي ضمن لها مكانة رائدة متميزة بين الأمم في يوم من الأيام؟  أم هم آخرون مردوا على رمي الآخرين بدائهم والانسلال؟    

 

هؤلاء يتهمون غيرهم باستغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية وما وصلوا إليه من استغلال مركب متعدد المناحي والأبعاد للدين لا يجاريهم فيه منافس، وأحد أبشع تجليات هذا الاستغلال يحدث في رمضان.  فعلى الصعيد الاقتصادي،  نحن أمام ظاهرة يمكن أن نسميها "سَلْعَنَة الشهر الكريم"  حيث يقتلع ركن من أركان الإسلام اقتلاعاً من سياقه الطبيعي، سياق التعبد والتبتل والانصراف عن الدنيا والإقبال على الآخرة، ويقدم للناس في حلة جديدة على أنه موسم للبيع والشراء وزيادة النشاط التجاري، لكن بخلاف غيره من المواسم فهو يمتاز بإمكانية استغلال قدسية الشهر ومكانته في قلوب الناس لضمان الاستهلاك الزائد عن الحاجة عبر صياغة رسائل إعلانية جذابة تربط المفردات الرمضانية ربطاً تعسفياً مع السلع والمنتجات المراد ترويجها.  فرمضان ضمن هذا المنظور ليس إلا مسنناً كبيراً في ماكينة ضخمة وظيفته دفع عجلة الاقتصاد قدماً والإسهام في تحقيق معدلات أعلى من النمو والازدهار الاقتصادي!!

 

وأما على الصعيد الثقافي فحدث ولا حرج عن الجرعات المكثفة من القيم المشبوهة والمبادئ الغريبة عن ديننا وإرثنا وتقاليدنا وأخلاقنا التي تُحشر حشراً في ثنايا برامج ذات محتويات سطحية ساذجة في الغالب الأعم، تقوم بتجسيدها شخصيات سقيمة هابطة تُبْرَز للمشاهد محفوفة بهالة من الألق والنجومية يعمي بريقها البصائر لتكون شر مثال يحتذى وأسوأ قدوة يقتدى بها لا سيما بالنسبة لجيل الشباب والناشئة.  وكل ذلك يُقدَّم باسم رمضان وبمناسبة الصيام، فهل هناك صورة أبلغ لاستغلال الدين من هذه؟

 

ويُستغل رمضان على الصعيد الاجتماعي أيضاً من خلال الرسالة المركزية الكامنة في الإعلام الرمضاني الكاسح والتي تهدف إلى تأجيج النزعة الاستهلاكية لدى المتلقين.  هذه الرسالة تعزز مفهوم التمحور حول الذات وتدليل النفس وإغداق الجوائز والعطايا مكافأة لها على "مشقة" الصيام فيمسي الصائم طوال الشهر وهو يثني على نفسه ويطبطب عليها ويكافئها بالمنتجات الكمالية من رموز المفاخرة وإبراز الانتماء إلى شريحة اجتماعية معينة، بدلاً من أن يمسح رأس اليتيم ويطبطب على المحتاج الفقير ويكافئ المسكين المستحق للصدقة مستشعراً هموم شرائح اجتماعية أخرى محققاً لهدف التكافل الاجتماعي الذي يجب أن يكون من أبرز سمات الشهر الكريم.  وهكذا تكرس الطبقية والفردانية والنخبوية باسم رمضان شهر التكافل والتراحم والتواصل!!

 

أما على الصعيد السياسي، والذي يُفتَّق فيه الكلام عن استغلال الدين، فالإلهاء المنظم هو العنوان الأبرز في رمضان بقصد إشغال الشعوب عن الاستبداد المستفحل والفساد المستشري والكرامة الضائعة والحقوق المهضومة والهواجس اليومية الدائمة للمواطن المسكين حول المستقبل الغامض في أحسن الحالات والقاتم أو الحالك السواد في أسوئها.  فتجد تركيزاً هائلاً على كل ما من شأنه أن يصرف الأنظار عن الواقع السياسي المحتقن الذي يهمش المجتمع ويحتكر السلطة ويقصي الآخر بل يكاد يقضي عليه، وتصبح مهمة الإعلام الرمضاني توفير الموسيقى التصويرية الملائمة لكي يُتم الشعب رقصه على إيقاعها رقص المذبوح من الألم.

 

أما الوجه الجهادي لرمضان، رمضان بدر وفتح مكة وغزوة تبوك وعين جالوت فهذا جانب لا يُتطرق إليه إلا في سياق تاريخي محض، وأما استلهام الدروس والعبر وربطها مع التحديات الكبرى التي تواجه المسلمين في واقعهم اليوم والتذكير بأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر فمن المحرمات والمحظورات الإعلامية في الشهر الفضيل.  وهكذا يُطمس الوجه الجهادي لرمضان تحت وابل من مسلسلات إضاعة الوقت والعمر وهستيريا الافتتان بنجومها وأبطالها؟!

 

وماذا عن الوجه التضامني لرمضان عبر استشعار محنة أخوان العقيدة الصامدين على خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة ومقدساتها في مواجهة أعدى أعدائها، المحاصرين في شِعْب غزة هاشم لا يجدون ما يقيت عيالهم أو يسد رمقهم والذين بُحت أصواتهم وهم يستنصرون أخوانهم في الدين، وغاية مطلبهم أن كفوا أيديكم وألسنتكم عن أذانا لا تشاركوا في حصارنا، فتتلاشى نداءات استغاثتهم في صخب الأجواء الكرنفالية احتفالاً بالشهر الكريم، وتتيه مناشداتهم في زحام صرخات النشوة من الفائزين بالمليون وصيحات الاستحسان من الجمهور الحاضرين وتنهدات الأمل والحسرة من ملايين المشاهدين الذين يمنّون أنفسهم بنصيب مشابه.  

 

وماذا عن المسلمين المظلومين والمقهورين والدماء السائلة أنهاراً في العراق وأفغانستان وماذا عن المسلمين الجوعى في الصومال والحبشة والنيجر؟  هؤلاء تُطمر صور معاناتهم تحت سيل من وصفات أطباق رمضان الشهية!!

 

وبذا يستحيل رمضان، شهر التربية والإعداد وحفز الهمم وشحذ العزائم، إلى أداة لتدجين الشعوب وتثبيطها وتكبيلها بمفردات واقعها المرير، فهل رأيت استغلالاً للدين لتحقيق المآرب الخاصة أشمل وأوسع وأكثر إيغالاً؟؟!!

 

كل ما تقدم يجعلني أفتقد رمضان بينما هو قاب قوسين أو أدنى منا، أفتقد رمضان القلوب المخمومة المخبتة ورمضان النفوس الراضية القانعة ورمضان الوجوه البشوشة السمحة ورمضان الأسارير المنبسطة والقسمات المرتاحة والأوداج المسترخية.

 

وأفتقد رمضان الذي ما زال الليل فيه لباساً وما زال النهار فيه معاشاًً، رمضان الذي كان فيه "القيام" عملاً تتمحض له نوايا الاستيقاظ بعد الهجود، لا مجرد عمل كسائر الأعمال الاعتيادية لفترة المساء والسهرة الممتدة من الغروب وحتى الفجر.

 

وأحن إلى رمضان زمن مضى، ليس ببعيد، كان فيه "الباب" الذي تهفو إليه النفوس وتشخص إليه الأبصار وتشرئب له الأعناق هو باب الريـّان لا باب الحارة، وكان فيه "النور" الذي يلامس شغاف القلوب ويأخذ بتلابيب الأفئدة فتشرق له المهج والأرواح هو نور القرآن لا نور التركمان، وكان عنوان التنافس والمسابقات فيه "وزنك حسنات" على الطاعات والصالحات والقربات!!  وأحن إلى زمن قريب كانت فيه "سنوات الضياع" أمراً يُـتاب منه في رمضان!

 

وأشتاق إلى رمضان الانتصار .. على النفس وعلى الشيطان وعلى أعداء الوطن والأمة والدين.

 

وأتوق إلى رمضان، لا إلى نسخته المحفورة المجوفة ثم المحشوة بنقيض روحه وجوهره، بل إلى أصله المصمت الصلد الأصيل المحتفظ بلبه والمحافظ على خصائصه وصفاته، لأنه في حالته هذه وعندئذ فقط يكون فيه ... الهناء والشفاء بإذن الله.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة