محاضرة سباق التحدي

 

سامي بن خالد الحمود

 

نحن على موعد وإياكم اليوم مع سباق التحدي .. ما هو هذا السباق ؟

هذا السباق ليس سباقاً نحو الكأس ولا الميداليات الذهبية أو الفضية، بل هو سباق نحو الجنان، كما هو عنوان  الكتاب النافع للأستاذ خالد أبو شادي والذي استفدت منه كثيراً في جمع مادة الموضوع .

ما الذي سنعرضه لكم هذه الليلة؟

جمعت لكم ما لذ وطاب من المواقف والفوائد الإيمانية المتعلقة بالعبادة والسلوك والسير إلى الله . ثم دعيت على سباق السيارات الدولي الذي أقيم قبل أشهر في حايل فرأيت أن أضرب للشباب مثلاً بهذا السباق على سير الناس وتسابقهم في الحياة .. وضرب الأمثال منهج قرآني ونبوي يوضح الفكرة ويقوي الأثر ويطرد الملل .

سنبدأ الآن بالعرض المصور ومن خلاله سنطرح عناصر الموضوع ، وتعرض معها مشاهد حقيقية من سباق التحدي .

شارة البرنامج :

سنقف وإياكم عدة وقفات إيمانية حول هذا السباق : نبدأها بخط البداية ، ثم شروط الاشتراك في السباق، ثم دليل الفوز ، ثم ميادين السباق ، حتى ننتهي بخط النهاية .

ولعلي أنتقل بكم الآن إلى خط البداية وأول مشاهد السباق .

1)     تعليمات خط البداية

ونحن عند خط البداية ، لا بد لكل متسابق من معرفة بعض التعليمات المهمة :

1-    السباق إجباري

فطر الله عباده على السعي والحركة والكدح، (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ...)

والله تعالى يدعونا إلى السباق في آيات كثيرة .

يقول تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) .. (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ) .

ليس لك خيار في الاشتراك لأن الله تعالى يقول: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر)

ومن الاحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم: "كل الناس يغدو ، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " مسلم عن أبي مالك الأشعري .

2-    اضبط ساعتك

قبل أن نبدأ السباق على كل متسابق أن يضبط ساعته ، وأن يحرص على وقته ، فالدقيقة في هذا السباق لها ثمن بل الثانية ، فكل لحظة نعيشها هي أمل في الفوز ، وربما خسرت السباق بفارق ثانية واحدة فلا تضيعها فتندم يوم لا ينفع الندم .

قال سبحانه : {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ }

لحظة واحدة قد تكون سبباً للخسارة والهلاك ، كما قال الشاعر:

لحظة يـا صاحبي إن تغفلِ           ألف ميل زاد بعد المنزلِ

رام نقش الشوك حيناً رجلُ            فاختفى عن ناظريه المحملُ

هل تعرفون قصة هذه الأبيات؟ .. القصة التي قيلت بسببها هذه الأبيات هي أن إنساناً كان تائهاً في الصحراء يمشي على قدميه ، فشهد على بعد منه محملاً أمل فيه أسباب النجاة فأسرع متعجلاً يدركه حافياً ، وأصاب الشوك قدميه فصرف بصره عن المحمل لحظة لينزع الشوك من قدمه فغاب عن المحمل ، ومات ولبسته الحسرات " .

لو تأملنا في حياة السلف الصالح واغتنامهم الأوقات لطال بنا المقام ، لكن دعونا نأخذ أنموذجاً واحداً من أولئك العظماء ، وهو الإمام أبو الفرج ابن الجوزي ، يقول عن نفسه " كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني ... ولو قلت أني قد طالعت عشرين ألف مجلد ، كان أكثر وأنا بعد في طلب " .

وقال عنه صاحب كتاب الكنى والألقاب: "إن براية أقلام ابن الجوزي التي كتب بها الحديث جمعت فحصل منها شيء كثير فأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها".

3-    السباق بالقلوب لا بالأبدان

ليس الاعتبار في سباقنا بكم أعمال فحسب ، وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها من الآثام ، 

سير الدنيا يقطع بسير الأبدان ، وسير الآخرة يقطع بسير القلوب .

ولهذا .. قال عمر بن عبد العزيز عند دفع من عرفة : ليس السابق من سبق به بعيره ، إنما السابق من غفر له.

وذكر ابن القيم أن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل القلوب ، فتكون صورة العمل واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض .

قارن بين الصورتين :شهيد يموت على فراشه .. ومجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يدخل النار .

الصورة الأولى: لما مات عبد الله بن ثابت رضي الله عنه قالت ابنته : والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيداً ، فإنك كنت قد أتممت جهازك ( أتممت ما تحتاج إليه في سفرك للغزو ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن الله أوقع أجره على قدر نيته".

الصورة الثانية: رجل اسمه قزمان ، خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد فأبلى بلاءً حسناً ، وكان لا يدع للكفار شاذةً ولا فاذةً إلا أتبعها يضربها بسيفه ، حتى قال بعض الصحابة : ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه من أهل النار " ، فتتبعه صحابي آخر فرآه قد أُصيب فهنأه بالشهادة وبشره ، فقال : بم تبشرون ؟ والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت ، ثم أخرج سهماً من كنانته فقتل به نفسه ، فمات كافراً .

حديث للحفظ

لأهمية سير القلب وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا العنوان عندما قال للصحابة في حديث أبي كبشة الأنماري : " وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر:

عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل .

وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء .

وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل .

وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء .

رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند صحيح .

إذن النية النية ، فإنها تعظم العمل ، وتصحح السير في السباق ، وهي كما يقال الإكسير الكيماوي الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهباً .

4-    اليقظة :

المتسابق الغافل لا يمكن أن يفوز في السباق .

اليقظة : هي انتباه القلب وتحرره من الغفلة .. وعلامات القلب اليقظ كثيرة ، منها :

أ – ملاحظة كثرة النعم :

هذه اليقظة تؤدي إلى ملاحظة نعم الله الظاهرة والباطنة ، فيشاهد عظمتها وكثرتها ، وييأس من عدها والوقوف على حدها ، وتفضل الله عليه بها دون أن يستحقها ولا أن يدفع ثمنها .

مشاهدة التقصير في شكر هذه النعم، يعطي القلب قوة وصحة ويقظة دائمة، فلا يملك إلا أن يردد "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي" كما في دعاء سيد الاستغفار.

ب – فن إحصاء السيئات :

التاجر يحصي الريالات التي خسرها ، والطالب درجات النجاح والرسوب ، وهكذا المتسابق المؤمن ، فهو يُحصي سيئاته ويحذر عاقبتها .. بخلاف الغافل الذي قال الله عنه: )ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه( .

ها هو المتسابق الجليل سفيان الثوري يخبرنا بأسى ومرارة : " حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته "

قال سليمان الداراني: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فلا ندري من أين نؤتى"

ج – الحذر الدائم وعدم الأمن :

المتسابق اليقظ هو الذي يكون في حذر دائم ، ولا يأمن الفشل أو يغتر بقوته.

وهكذا المؤمن ، حتى في اشتغاله في الطاعة والعبادة .. فرب طاعة أورثت عزاً واستكباراً وعجباً ومنةً على الله فأهلكت صاحبها.. وفي المقابل رب معصية أورثت ذلاً واستغفارا، فكانت نجاة وصلاحاً ورفعةً لصاحبها .

- صلى بشر بن الحارث يوماً فأطال الصلاة وأحسن ، ورجل يصلي خلفه ، فانتبه له بشر وقال : " لا يعجبنك ما رأيت مني ، فإبليس عبد الله مع الملائكة دهراً ثم صار إلى ما صار إليه " .

- ويقول الشافعي: " إذا خفت على عملك العُجب ، فاذكر رضا من تطلب ، وفي أي نعيم ترغب ، ومن أي عقاب ترهب ، فمن فكر في ذلك صغُر عنده عمله " .

إذن رب طاعة.

-إياك ثم إياك :أن تفخر على العاصي بطاعتك ، أو تُعيره بمعصيته لأن وقوفه بين يدي الله ناكس الرأس ، خاشع الطرف ، منكسر القلب ، أنفع له وخير من صولة طاعتك ، والمنة على الله بها .

- لقي بشر بن الحارث رجلاً سكران ، فجعل الرجل يُقبله ويقول : يا سيدي ، يا أبا نصر ، وبشر لا يدفعه عن نفسه ، فلما تولى ذرفت عينا بشر بالدموع وقال : " إنه أحب رجلاً على خير توهمه فيه ، ولعل المحبوب هلك والمحب نجا " .

5-    الجد والنشاط:

ونعني بهذا محاولة استثمار كل مراحل السباق .. فالمتسابق الكسول الذي يتثاءب في السباق لا يفوز .

لا للكسل ولا للتثاؤب .. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم  يتثاءب قط، وفي هذا ايماءة لطيفة الى ما كان عليه من عزيمة صادقة وإرادة نافذة .

يوم المؤمن كله لله حتى منامه .. انظر إلى همة معاذ رضي الله عنه لما تناظر هو وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه .. فقال أبو موسى : أنا أقوم أول الليل وأنام آخره ، وقال معاذ : وأنا أنام أول الليل وأقوم آخره فأحتسب نومتي وأحتسب قومتي " .

معاذ يعلمنا كيف نكون في عبادة حتى في وقت النوم ، ويضع لنا هذه المعادلة المربحة : عادة + نية صالحة = عبادة .

- وأعجب من هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها " .

حديث محير : متى تثمر هذه الفسيلة وقد توقف الزمن وقامت القيامة؟

ومن الذي سيأكل منها وقد فنيت الدنيا والناس إما إلى جنة وإما إلى نار؟

والجواب : لا أحد ، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يربي فينا قلوباً تبذر الخير دون انتظار الأجر إلا من الله، بل دون أن ترى ثمرة عملها .

ها هو أبو الدرداء رضي الله عنه يمر به رجل وهو يزرع جوزة فيقول له: أتغرس وأنت شيخ كبير؟ وهذه لا تُطعم إلا في كذا وكذا عاماً !!

فيقول أبو الدرداء: ما علي أن يكون لي أجرها ، ويأكل منها غيري .

 

2)     دليل الفوز بالسباق:

أولاً : التزود بالوقود

ثانياً : تفادي عقبات الطريق

ثالثاً : الانتفاضة والثأر

رابعاً : اتقان مهارات السباق

أولاً : التزود بالوقود

القلب هو محرك الجسم ، وكما أن محرك السيارة يحتاج للوقود فإن القلب يحتاج إلى وقود يجعله مشتعلاً طيلة السباق .. وهذا الوقود يمكن أن يتزود بع العبد من عدة محطات .

المحطة الأولى:  ذكر الموت:

سيسألنا متسابق : لماذا اخترتم محطة ذكر الموت لتكون أولى المحطات التي يتزود منها المتسابقون؟

والجواب : لأن إمام المتسابقين صلى الله عليه وسلم فعل هذا وأمرنا بكثرة ذكر الموت، وتحن لا قدوة لنا غيره .

المحطة الثانية:  الخوف من الله

كل واحد إذا خفت منه هربت منه إلا الله فإنك إذا خفت منه هربت إليه وسابقت غيرك إليه، كما قال تعالى: )  فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(.

لو تأملت أحوال السلف وجدت أن أهم ما كانوا يخافونه أربعة أمور:

1)     سوء الخاتمة:

 عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: " ان العبد ليعمل عمل أهل النار وانه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وانه من أهل النار، وانما الأعمال بالخواتيم " .

ولذلك كان أكثر دعاء النبيصلى الله عليه وسلم  " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" .

وهكذا كان النبيون من قبل، فهذا خليل الرحمن إبراهيم يدعو : )واجنبني وبني أن نعبد الأصنام( .. ويوسف يناجي ربه : )توفني مسلماً(.

فإذا كان هذا حال رسل الله وهم أكرم الخلق على الله وأعظمهم درجة ، فكيف بمن لا يساوون في جوارهم ذرة تراب .

قصة مؤذن: " يروى أنه كان بمصر رجل ملتزم مسجداً للآذان والصلاة ، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة ، فرقى يوماً المنارة على عادته للأذان ، وكان تحت المنارة دار لنصراني ذمي ، فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار ، فافتتن بها وترك الأذان ، ونزل إليها ودخل الدار فقالت له : ما شأنك ؟ ما تريد ؟ قال : أنت أريد . قالت: لماذا ؟ قال لها : قد سلبت لبي وأخذتِ بمجامع قلبي ، قالت : لا أجيبك إلى ريبة ، قال لها أتزوجك ، قالت له : أنت مسلم وأنا نصرانية ، وأبي لا يزوجني منك ، قال لها : أتنصر . قالت : إن فعلت أفعل ، فتنصر ليتزوجها ، وأقام معهم في الدار ، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى السطح كان في الدار فسقط منه ومات ، فلا هو بدينه حظي ولا هو بها ظفر ، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة ".

2)     الخوف من عاقبة المعصية:

فالمعصية الواحدة قد يغفرها الله لك ، لكنه كذلك يملك أن يعذبك بها .

لعن إبليس وأهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها، وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها، وحجب القاتل عن الجنة بملء كف من دم، وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بايلاج قدر الأنملة فيما لا يحل له ، ودخلت امرأة النار في هرة .. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب .. فكيف لا تخاف منه سبحانه  .

وتأمل معي هذه القصة:

في الصحيحين عن أبي هريرة : فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ونزلنا بها مع الغروب الشمس ، ومع رسول الله غلام أهداه له رفاعة بن زيد ، فوالله إنه ليضع رحل رسول الله إذ أتاه سهم غرب (طائش) فأصابه فقتله فقلنا : هنيئاً له الجنة . قال صلى الله عليه وسلم : " كلا والذي نفسي بيده ، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً " .

سبحان الله هذا رجل رآه الناس من أهل الجنة ، وكان يخدم رسول الله .

ولكن ذلك كله لم يشفع له ومعصية واحدة أدت به إلى النار .

3)     الخوف من عدم القبول:

مصداق هذا ما ثبت عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ( ، قالت عائشة الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : " لا يا ابنة الصديق ولكنهم يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات " ..  وإذا كان هذا حال من يسارعون في الخيرات ، فكيف بمن يسارعون في الآثام .

4)     الخوف من الاستدراج:

سنة الاستدراج سنة إلهية حذرنا الله منها ، فقال عز وجل ) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ( .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فانما ذلك منه استدراج " . احمد والطبراني وصححه الألباني .

إذا تزوجت النعمة بالإصرار على الذنب أنجبا جنين الاستدارج ، ولا يزال الجنين يكبر وينمو حتى يصل إلى الهلاك والخسران .

قال تعالى : ) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( .

المحطة الثالثة:  لزوم الجماعة ورفقة الخير :

الصحبة الصحبة .. هذه من أهم المحطات التي يتزود منها المؤمن ، ويتقوى بها .

المرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : " فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم الشاة القاصية " احمد وابو داود والنسائي عن أبي الدرداء .

المحطة الرابعة :  القرآن والذكر:

وهي محطة عظيمة بعظم ذكر الله وكلامه تعالى .

وإذا أردت التزود الإيماني من هذه المحطة ، احرص على الخشوع والتدبر .. بحيث يجاوز الذكر أوالتلاوة اللسان لتدخل إلى القلب .

فإذا كنت كذلك، أصبح الذكر والقرآن لذتك ، وكان أشهى لنفسك من الماء البارد على الظمأ .

إذا كنت تشك في هذا الكلام ، فانظر إلى الإمام البخاري محمد بن إسماعيل ، دعى إلى بستان بعض أصحابه ، فلما حضرت صلاة الظهر صلى القوم ، ثم قام البخاري للتطوع، فأطال القيام، فلما فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه ، فإذا زنبور قد لسعه في 16 موضعاً فتورم جسمه ، فقال له بعضهم : كيف لم تخرج من الصلاة في أول ما لسعك؟ فقال: "كنت في سورة فأحببت أن أتمها" .

لكل شيء حقه الذي يليق به ، ولا بد من إعطاء القرآن حقه الذي يليق به .

ومن الأمثلة الطريفة لإعطاء الشيء ما يستحقه، مثال ضربه ابن الجوزي بين الفأرة والجمل.

يقول ابن الجوزي : رأت فأرة جملاً فأعجبها ، فجرت خطامه فتبعها ، فلما وصلت إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال : إما أن تتخذي داراً يليق بمحبوبك ، أو تتخذي محبوباً يليق بدارك .

الفائدة من هذا المثال أنه لا بد أن تعطي القرآن حقه الذي يليق به من حسن القراءة والتدبر والعمل به ، لا كبعض الناس الذين يقرؤونه كقراءة الجرائد والمجلات .

ثانياً: تفادي عقبات الطريق  :

الشيطان يغيظه أن يقترب المتسابقون من خط النهاية، ويبقى في النار وحيداً فينصب الكمائن، ويضع العقبات، يريد بذلك عرقلة متسابق فذ، أو حر تسبقه خطواته إلى الجنان .

العقبة الأولى: طول الأمل

فيقول لك الشيطان: لماذا العجلة .. أنت لا زلت في أول عمرك .. تمتع بشبابك وإذا كبرت تب إلى الله .. إذا تزوجت استقم .. إذا انتهيت من بناء البيت اترك الربا ... الخ .

إياك وطول الأمل ، فإنه يفسد العمل .

وإذا سول لك الشيطان بطول الأمل، فتذكر فجأة الموت، وقرب الأجل ، وأنت ترى الموت لا يفرق بين صغير وكبير ، أو شاب أو شيخ .

العقبة الثانية : حب الدنيا :

قال تعالى: ) زين للناس حب الشهوات ...)

ولهذا يزين الشيطان الدنيا في نفس المتسابق حتى تعوقه عن السباق ويثقل عليه مفارقتها، حتى ينتهي السباق وهو متعلق بالدنيا .

- مثال جميل عن الدنيا والموت: ذكر ابن الجوزي في بستان الواعظين عن بعض الصالحين أنه قال : " رأيت في المنام رجلا وهو في غابة وأمامه غزالة ، وهو يجري خلفها وهي تفر منه ، وأسد كأعظم ما يكون خلفه وقد هم أن يلحقه ، والأسد يمد رأسه للرجل فلا يجزع منه ، ثم يجري خلف الغزالة حتى لحق به الأسد فقتله ، فوقفت الغزالة تنظر إليه وهو مقتول ، إذ جاء رجل آخر قد فعل ما فعله الأسد ولم يدرك الغزالة ، فخرج آخر ففعل ذلك ، قال : فما زلت أعد واحداً بعد واحد حتى عددت مائة رجل صرعى والغزالة واقفة ، فقلت : إن هذا لعجب ، فقال الأسد: مم تعجب؟ أوما تدري من أنا ومن هذه الغزالة ؟ فقلت : لا ، فقال : أنا ملك الموت ، وهذه الغزالة الدنيا وهؤلاء أهلها يجرون في طلبها ، وأنا أقتلهم واحداً بعد واحد حتى آتي على آخرهم .

إذن .. نجن لا نقول طلق الدنيا، ولكن احذر فتنتها، واعلم أن الدنيا ممر وليست بمقر .. إن أعانت على طاعة الله والسباق إلى الله فهي محمودة، وإن أعاقت المتسابق عن السباق فهي مذمومة .

العقبة الثالثة : ران الذنوب :

مثل تراكم الذنوب مثل تراكم الصدأ الذي يتراكم على محرك السيارة فيؤثر على قوة المتسابق وسيره في السباق .

والشيطان يزين الذنوب والشهوات للمؤمن حتى يغلب حبها في قلبه ، والنتيجة هي فساد القلب .

ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم  : " إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذلك الرين الذي ذكر الله عز وجل في القرآن ) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ( " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة .

ثالثاً : الانتفاضة والثأر  :

مهما كان في السباق من عقبات، فإن المتسابق البارع يجتهد في التعويض متى ما أخفق في بعض مراحل السباق.

وهكذا المؤمن فهو قوي القلب ، دائم الثأر من شيطانه، فإذا غافله شيطان في غلبة شهوة ، أو ورود هوى دمغه بسيل من الحسنات، وهو يتلمح نور قوله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ}.

من أخبار الثأر والانتفاض :

أ – صدقة ثأرية :

بطلها أبو طلحة عندما اشتغل قلبه في صلاته بطائر في حائطه : فتصدق بالحائط كله كفارة له .

ويسابقة الفاروق عمر في نفس الميدان حيث شغله حائط ثمنه 200 ألف درهم عن صلاة العصر فتصدق به ، وكان يضرب نفسه بالدرة ويقول : ماحملك على أن صنعت كذا يوم كذا وكذا ؟

ب – قيام ثأري :

عبد الله بن عمر له مسلك آخر في معاقبة النفس والثأر من شيطانه حيث كان إذا فاتته صلاة العشاء جماعة، قام ليلتها حتى يطلع الفجر .

ج – ثأر متنوع :

قد يتنبه الشيطان ، ويلبس درعاً ليتوقى سهام الثأر الإيماني ، فوجب التنويع .

قال عبدالله بن وهب: جعلت على نفسي كلما اغتبت إنساناً صيام يوم فهان علي ، فجعلت عليها كلما اغتبت إنسانا صدقة درهم فثقل علي وتركت الغيبة .

رابعاً : اتقان مهارات السباق  :

هذه بعض المهارات السريعة، ما من متسابق يعمل بها إلا حاز شرف القرب، وأوشك على إدراك خط النهاية .

1)     أبدأ بالأساس:

ونقصد بالأساس الفرائض، وبنيان بلا أساس كجيش بلا حراس ، وجسد بغير رأس .

والفرائض هي أحب الأعمال إلى الله حيث كما في حديث الولي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه) البخاري عن أبي هريرة .

فقد عمر بن الخطاب يوماً سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح ، ثم لقي عمر الشفاء أم سليمان فقال لها : لم أر سليمان في الصبح ، فقالت : إنه بات يصلي فغلبته عيناه ، قال عمر: " لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة " .

ويقول ابن الجوزي: رأيت كثيراً من الناس يتحرزون من رشاش النجاسة ولا يتحاشون عن غيبة ، ويكثرون من الصدقة ولا يبالون بمعاملات الربا ، ويجتهدون بالليل ويؤخرون الفريضة عن الوقت .

2)     القليل الدائم:

في صحيح مسلم قالت عائشة: سئل رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ .

والسر كما ذكر المناوي : أن المواظب ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب كمن جد ثم انقطع عن الأعتاب .

ولهذا كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو : " يا عبد الله لا تكن مثل فلان ، كان يقوم من الليل فترك قيام الليل " متفق عليه .

3)     انس نفسك:

ولسنا نعنى بذلك إهمالها وترك تهذبيها، ولكننا نعنى باباًَ من أبواب الخير غفل عنه أكثر المتسابقين، فانصرفوا إلى طاعات لا يتعدى نفعها أنفسهم كقيام الليل وصيام التكوع وغيرهما من النوافل، تاركين خلف ظهورهم طاعات يتعدى نفعها إلى الغير، مع أنها قد تكون أوفر أجراً وأعظم ربحاً وأثقل في ميزان الله، بل قد تصل إلى درجة فروض الأعيان .

تأمل معي في هذا الحديث :

قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وأستغفر الله، ويأمر المعروف، وينهي عن المنكر، ويعزل الشوك عن طريق الناس والعظم والحجر، وتَهدِى الأعمى، وتُسمِع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتَدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك" رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني.

4)     الاستثمار الجاري:

في سباقات الدنيا ، لا يحق للمتسابق أن يتحرك في غير وقت السباق ، أما في سباقنا نحو الجنان ، فإن بعض المتسابقين لا يزال يتحرك ويسير وغيره واقف ممنوع من الحركة .

قال صلى الله عليه وسلم : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ... مسلم عن أبي هريرة .

قال عليه الصلاة والسلام : (سبع يجرى للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته) رواه البزار وحسنه الألباني .

الله أكبر .. كل الناس تطوى صحائفهم بعد موتهم إلا هؤلاء النفر الذين جاء ذكرهم في الحديث ، فيظل عملهم ينمو وموازينهم تثقل إلى أن تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها .

5)     تنويع فنون الحسنات:

ذلك أن النفس ملولة لاتحب لوناً واحداً، بل تميل إلى التغيير وتضجر من الرتابة، من أجل هذا وجب التنويع مع ملاحظة حفظ الفرائض وعدم تضييعها.

هل تحب أن يلين قلبك؟

مثال: كلنا يعلم أنه ما من دواء يحي القلب ويلين قسوته أكثر من ذكر الموت ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يصف لنا داوء جديداً سيراً على مبدأ التنويع فيقول في حديث أبي الدرداء: "أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلنْ قلبك وتدركْ حاجتك " رواه الطبراني وحسنه الألباني.

6)     الدال على الخير كفاعله:

وصية عظيمة إن عملت بها حزت قصب السبق، ادع إلى الخير يضاعف لك الأجر، عمل منْ دعوته بما قلت أم لم يعمل، لأن الأجرة تعطى على الدعوة لا على الثمرة.

وأوفر الناس حظاً في هذا الباب الدعاة إلى الله من العلماء العاملين والدعاة المخلصين، جعلنا الله وإياكم من الدعاة إلى سبيله .

7)     سبق درهم مائة ألف درهم:

 ويبين النبي السر في ذلك فيقول: (رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها) النسائي عن أبي ذر وصححه الألباني .

الفائدة من الحديث أن النوع أهم من الكم .. فاحرص على إحسان العمل قلباُ وقالباً .

قلباً: بتصحيح النية والقصد، وتعظيم الله خوفاً ورجاءً وحباً .

وقالباً : بأن يكون العمل وفق السنة ، وتكميله بالمكملات والمستحبات .

8)     استفد من فرص التعويض:

في السباق ، إذا عرض للمتسابق أي تأخر أو تعثر ، فإنه يسعى في تعويض التأخر متى ما سنحت له الفرصة للتعويض .

وكذلك في سباقنا .. هناك فرص للتعويض يستفيد منها المتخلف عن المتسابقين .

والأمثلة على ذلك كثيرة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل) مسلم عن عمر .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن وتره فليصل إذا أصبح" الترمذي عن زيد بن أسلم وصححه الألباني .

9)        معرفة خير الخيرين:

المتسابق الجيد يختار أفضل الطرق والوسائل للوصول للهدف .. وهكذا المؤمن السباق للخيرات ، يقدم أفضل الأعمال في سباقه إلى الجنان .

س) ماهو أفضل الأعمال؟

إن معيار أفضلية الأعمال محدد بأربعة أمور رئيسة:

1-   مراعاة جنس العبادات:

فمثلاً جنس الصلاة أفضل من جنس قراءة القرآن، وجنس قراءة القرآن أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء، وجنس الجهاد أفضل من الحج وهكذا .

2-   مراعاة الزمان:

فأفضل الأعمال في رمضان الصيام والقيام والجود .. فإذا دخلت العشر الأواخر فأفضل الأعمال الاعتكاف ، وأفضل الأعمال في شهر الله المحرم وشعبان الصيام .

وأفضل الأعمال وقت تعليم الجاهل : الإقبال على تعليمه ، وأفضل الأعمال وقت الوقوف بعرفة : الاجتهاد في التضرع والدعاء ، وأفضل الأعمال وقت الأذان إجابة المؤذن ، وأفضل الأعمال وقت نزول الضيف إكرامه والقيام بحقه ، وهكذا .

3-   مراعاة المكان :

فالصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواء، والصلاة في المسجد النبوي تعدل ألف صلاة فيما سواء، والصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة فيما سواء.

وأفضل الصلاة صلاة المسجد للمكتوبة ، أما النافلة فالأفضل البيت .

4-   مراعاة الأحوال:

قد تكون العبادة المفضولة في حال السلم ، أفضل من غيرها في حال الحرب وقيام الجهاد .. وإطعام الطعام في المجاعات أفضل مراعاة للحال ، وهكذا .

ومما يدخل في مراعاة الأحوال أيضاً ، مراعاة مواهب وقدرات المتسابقين .

فالغني صدقته وإيثاره أفضل له من النوافل الأخرى .. والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته ، وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الصوم والصدقة .. والعالم ، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفرغه للعبادة .

10)   بين الشرةّ والفترة:

وأنت في السباق، قد تتعب أو تمل، فتفتر همتك، ويضعف سيرك، فهل تتوقف وتنسحب من السباق؟ أم ماذا تفعل؟

في البداية لابد أن تعلم أن هذا الأمر حقيقية وهو من طبيعية النفس البشرية، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم : (لكل عمل شرةّ، ولكل شرةَّ فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك) أحمد وابن حبان عن عبد الله بن عمرو وصححه الألباني .

ومعنى قوله (إلى سنتي) لزوم الفريضة، فلا معنى إذن أن نسمع من متسابق أنه لا يصلي الفجر هذه الأيام لأنه في حالة فتور ، أو أنه يقع في الحرام لأنه في حالة فتور .

3)     ميادين السباق :

ميادين السباق كثيرة جداً ومتنوعة ، وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة ، فما من عمل عظيم يقوم به قومٌ ويعجز عنه آخرون إلا وجعل الله لهم عملاً يساويه أو يفضل عليه، فلا يبقى للمتخلف عذرٌ .

وقد حفلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بنماذج عديدة من ميادين التسابق والتنافس في الخيرات ، نذكر بعضها:

1.     قراءة القرآن وحفظه والعمل به :

حديث ابن مَسْعُودٍ : (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ) الترمذي وصححه الألباني .

حديث الترقي عبد الله بن عمرو (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها) أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الألباني .

2.     الذكر:

حديث جابر: (من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) رواه الترمذي وصححه الألباني .

3.     التوكل:

حديث ابن عباس في السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب . متفق عليه .

4.     الدعاء:

في البخاري عن أبي هريرة (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) .

5.     التبكير للصلاة وإدراك الصف الأول :

في الصحيحين عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " .

6.     التبكير للجمعة :

قال صلى الله عليه وسلم : " احضروا الجمعة وادنوا من الإمام ، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها " رواه احمد وغيره وحسنه الألباني .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة: " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" .

7.     كثرة صلاة النافلة:

حديث ربيعة بن كعب عند مسلم (أسألك مرافقتك في الجنة ، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود) .

8.     الخشوع:

الناس في الخشوع مراتب ، نظراً لتفوتهم في الخشوع وحضور القلب .

عن عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها" رواه أبو داود وحسنه الألباني.

9.     الصدقة:

حديث (كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس) أحمد عن عقبة بن عامر وصححه الألباني .

- سباق بين الصديق والفاروق:

ها هو ذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهدُ عجوزاً عمياء في أطراف المدينة من الليل، فيستقي لها ويقوم بأمرها، فكلما جاء عمر لكي يستقي لها ويقوم بأمرها وجد غيره قد سبقه إليها، فتعجب الفاروق ممن يسبقه إلى الخير، فرصده ذات ليلةٍ فإذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال الفاروق: والله ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه .

- ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإنفاق لتجهيز جيش العسرة لغزوة تبوك، فيأتي الصديق رضي الله عنه وقد ملأ ثوبه من الذهب والفضة فيلقيه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ فيقول: أبقيتُ لهم الله ورسوله .

وفي نفس مضمار السباق يدخل عمـر رضي الله عنه وقد أتى بنصف مالـه وهو يقول : لأسبقن أبا بكر اليوم ، فإذا به يرى أن الصديق قد سبقه بكل ماله .

هكذا كان الصديق سباقاً إلى الخيرات ، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم : مانفعني مال أحدٍ قط مثل ما نفعي مال أبي بكر ، بكى الصديق وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله .

10. الدخول في أكثر من ميدان:

أول هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه ، كما ثبت في مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه يوماً: "من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ " قال أبو بكر : أنا ، قال : " من تبع منكم اليوم جنازة ؟ " قال أبو بكر " أنا ، قال : " فمن عاد منكم اليوم مريضاً ؟ " قال أبو بكر " أنا ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".

4)     خط النهاية :

ها نحن قاربنا خط النهاية ، في سباقنا نحو الجنان .

ونحن نتحدث عن خط النهاية الذي يفصل بين المتسابق وبين الفوز .. نتذكر الخط الذي يفصل المؤمن عن الجنة .. نعم هو خط وطريق من جازه دخل الجنة .. إنه الصراط .. الجسر المنصوب على متن جهنم ، أعاذني الله وإياكم منها .

تأمل يا حبيبي هذا المشهد الرهيب عند خط النهاية ، عند الصراط:

جاء في حديث حذيفة في صحيح مسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أهوال القيامة ومشاهد الحشر والشفاعة، ثم قال: (وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق ، ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ، ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا ، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار) .

لماذا يا إخوان هذا يمر سريعاً ، وهذا بطيئاً ، وهذا يزحف ، وهذا يهوي على رأسه في نار جهنم؟ .. هذه حصيلة السباق في الدنيا ، وعلى قدر المسارعة والاجتهاد في السباق تكون النهاية .

قال ابن القيم في مدارج السالكين: "وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط .. فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا حذو القذة بالقذة جزاء وفاقا ، (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون)" اهـ .

وفي الختام .. أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المسارعين في الخيرات .. الفائزين في سباق الطاعات.. الواصلين إلى الجنات .. الحائزين على أعلى الدرجات .

كما أشكر الإخوة الكرام القائمين على هذا الملتقى دعوتهم وتنظيمهم هذا اللقاء المبارك، والشكر لكم على حضوركم وحسن استماعكم .

سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك .

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة