لماذا يقتل المرتد؟

إذا آمنا بالحرية الدينية التي أمَّنَها الإسلام حيث يقول : (لا إكراه في الدين...) ، فلماذا يُقتل المرتد؟ وكيف نوفق بين الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم :

1 ـ ((من بَدَّل دينه فأقتلوه))6 .

2 ـ ((أيما رجل إرتد عن الإسلام ، فأدعه ، فإن عاد وإلا فإضرب عنقه)) .

3 ـ ((لا يحلُّ دم امرىء مسلم إلاّ بإحدى ثلاث : الثَّيِّبُ الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة))7 . 

 

الإرتداد ليس مسألة شخصية وإن بدا ذلك في ظاهر الأمر ، فما معنى الإرتداد عن الإيمان؟ إذا بحثنا في معظم المرتدين الاوائل فإننا نجدهم قد إرتدوا بسبب ترك دفع الزكاة ، فهم إذن يمتنعون عن أداء فريضة يعود خيرها على المجتمع في الوقت الذي يعيش فيه المرتدون في داخل هذا المجتمع ويستفيدون بمزايا وجودهم فيه . فقد كانت مقاتلتهم بإسم هذا المجتمع ، وبإسم المصلحة العامة ، ولم تكن قطعاً لمصلحة الحاكم ذاته . إنه إرتداد عن أداء فريضة جماعية ، فالضرر الذي ينتج منه يعود على الجماعة التي يستمتع المرتد بمزايا وجوده بين ظهرانيها ، ونضيف هنا إن خطر الإرتداد في هذا المجتمع ، كخطر ((الخمر والزنا)) فيه العدوى التي لو كانت من غير عقاب لإنتشرت .

الإرتداد تحلل من الإلتزامات ، ولا يمكن أن يتحلل فرد من إلتزامه نحو ربه والمجتمع ، لأن ترك الإلتزامات نحو الخالق هي في الوقت ذاته إلتزامات نحو نفس المرتد وجماعته التي يعيش فيها ، فهو بتحلله خطر على بقية المجتمع ، فالإرتداد لا يدخل في نطاق الحرية الشخصية لأسباب أضيفها :

ــ إنه يعتبر نفسه أنه هو المهتدي والآخرون ـ المؤمنون ـ مغفَّلون ، يقيدون أنفسهم بإلتزامات تحد من إستمتاعهم بحيوانيتهم المطلقة ، إنه يدعوهم إلى الهدى ، ويبشرهم بالنور الجديد ، والإستجابة لدعوته ، ألا وهي الإنطلاق من القيود دون إرهاق أو جهد ، فالإنسان أقرب إلى الهبوط منه الى الصعود ، فالتسامي والإرتفاع هو الذي يحتاج إلى جهد دائب .

ــ المرتد مفسد لجهد طويل ، إنه يعلن شرَّه وإفساده ، ويطلب من الناس التحصن من شروره ، وهذه سفسطة لا تثبت لنقاش فالإفساد يستأصل من أرومته في جميع دول العالم حديثها وقديمها . وإذا قال المرتد : إنه إرتد ـ فلسفة ـ وأنه يراعي قواعد الأخلاق ، نقول له : إن حبك للإنفلات من قيود الأخلاق هو الدافع الأصيل الذي دفعك إلى الهروب من الدين .

ــ الإرتداد عن دين الله بعد الإيمان ، معناه إفساد نظام لا مجرد تغيير عقيدة فردية ، فالإسلام نظام عملي قائم على عقيدة ، ومجتمع قائم على هذا النظام ، وأوامره ـ كما رأينا في بداية البحث ـ مفروضة لصالح الفرد أولاً ، ولصالح المجتمع في الوقت ذاته ، فهي إذن مسألة شخصية ، وغنما يرجع الضرر والنفع فيها على المجتمع . هذا ... وإن للأمة الإسلامية ـ كما لكل أمة في العالم ـ حرصاً شديداً على سلامتها الجسدية والعصبية والفكرية والروحية العقائدية ، فلا تبيح لفرد أن يجاهرها العداء ، ومن جاهرها العداء إعتبرته خارجاً عن القانون ، يعاقب بعقوبة تنص عليها قوانين الدول كل بحسبها ، وأكثرها نصت على عقوبة الإعدام.

الإسلام نصَّ على قتل المرتد لا الذي إحتفظ بفكره لنفسه ، بل الذي بدأ يدعو لخرق مبادىء الإسلام جهرة وفي كل ميدان أو مجلس ، كما أن المرتد يُدعى لنقاش مع كبار الحكماء لمدة ثلاثة أيام1 ، ثم إن كابر وفسق يُقْتَل ، فلماذا يعاب على الإسلام أن يقتل هذه الجرثومة المُضلِّلة ، التي لو تركت لأفسدت الناشئة والجيل الفتي الصاعد ، تُضِلُّه لا عن علم وحقيقة وبينة ، بل مراوغة في نفسه وسوء في فهمه وغثاثة في ضميره وإنحراف في روحه ، والجيل الصاعد بريء لم يكتمل علمه ولم تتم محاكمته ، فهو واثق من المجتمع الطاهر النقي الذي يعيش فيه ، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية : فإن التخريب أهون على المرتد من البناء على المؤمنين2.  

ويمكن في النهاية أن نجمل أسباب قتل المرتد بما يلي :

1 ـ ليجعل الإسلامُ  الفرد الذي يُقْدِمُ على الدخول فيه ، لا يُقْدِمُ  إلاّ بعد إطلاع وإقناع ودراية وفهم لجميع جوانبه ، فإن حصل الإقتناع ولو بعد سنين فأهلاً وسهلاً به مسلماً مؤمناً ، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، وإن لم تحصل قناعة ، فله دينه الذي هو عليه ، ويبقى ذمياً في دولة الإسلام تطبق عليه قوانين الذميين3 ، ولذا فقد تم تعيين الدعاة أيام عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وهشام الثاني ليكون الدخول في الإسلام عن مناقشة ودراية ووعي وقناعة .

2 ـ في الإرتداد إساءة إلى الإسلام ، وإستهزاء قد يكون مدروساً أو مخططاً له من فئات غير إسلامية من الداخل أو من الخارج . فكأن المرتد يقول : دخلت الإسلام وتركت ديني السابق ، ثم إطلعت على الإسلام عملياً وجربته مدة طويلة فوجدته لا يرقى إلى مرتبة الدين السابق ، فديني الأول أفضل ، وها أنا ذا ـ يا ناس ـ أرتد عن الإسلام بعد تجربته وإقتناعي بفساده ، فكأن المرتد لسان دعاية خطر هائل ، ليمنع دخول الشعوب في دين الإسلام الذي جرَّبه هو ـ  بعقله الخَرِب ـ أو ذكاءً منه لمنع الناس من الدخول في دين لو إطلع عليه أي فرد بتجرد وموضوعية لعشقه .

3 ـ يُعدُّ الإرتداد بمختلف صوره : كالإمتناع عن تطبيق قواعد الإسلام ـ كترك الزكاة ـ أو إتباع المتنبئين ، أو ترك الدين جملة ، ثورة داخلية مضادة ، إن تُركت تفشَّت وخرَّبت المجتمع ، وهذا في عرف العصر الحاضر عقوبته الإعدام في دول العالم كله. وهكذا يُظهِر الإرتداد نفوساً خبيثة إما أن تكون مخططة لغاية بعيد مداها ، ألا وهي طعن الإسلام إعلامياً ، أو مترددة متذبذبة غير مستقرة ، مريضة ، تجعل مصيرها الدنيوي والأخروي أُلْهِيَة وأُلعوبة .

ونحن بدورنا نسأل : ما هي عقوبة الخارج على قوانين دولة ما في العالم؟ بم يعاقب المجاهر بالعداء لها والمحطم لنظمها والداعي إلى القيام بثورة داخلية مضادة؟. أليس القتل هو العقوبة المقررة؟ فلِمَ يعاب على الإسلام إن قرر ذلك؟ ومن ذا يحمل عليه إلا أن يكون حاقداً مفترياً؟! ...

 

6  ـ رواه أحمد والبخاري عن إبن عباس بحديث صحيح ، راجع ، فيض القدير : ج6 ص 95 . وفي ((تنوير الحوالك ، شرح على موطأ مالك)) ج2 ص 211 : حدثنا يحيى عن مالك عن زيد بن أَسْلَم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((من غيَّر دينه فإضربوا عنقه))

7  ـ رواه البخاري ومسلم .

1  ـ قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري ، فسأله عن الناس فأخبره ، ثم قال عمر : هل كان فيكم من مُغَرّ به خبر فقال : نعم رجل كفر بعد إسلامه ، قال : فما فعلتم به؟ قال : قرّبناه فضربنا عُنقه ، فقال عمر : أفلا حبستموه ثلاثاً وأطعمتموه كلَّ يوم رغيفاً وإستتبتموه لعلَّه يتوب ويُراجع أمر الله؟! ثم قال عمر : ((اللهم إني لم أحضر ، ولم آمر ، ولم أرضَ إذ بلغني)) . ((تنوير الحوالك : ج2 ص 211))

2  ـ الإرتداد لعب بالدين وتضليل للمتدينين ، لذلك إعتبر القرآن الرِّدة من أشد التضليل ، قال تعالى في سورة النساء ، 137 : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) .

3  ـ راجع جلسة ((الذميون والجزية)) .

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة