لماذا غياب الدليل الحسي والمعجزات؟

لماذا هذه الحملة من القرآن على كل من يطلب دليلا حسيا ماديا على صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم؟ لماذا الإصرار على الأدلة العقلية التي ربما لا تكون قطعية – لتفاوت العقول- مع أن الحل سهل جدا، وهو الإجابة إلى مطلب المدعوين: إنزال دليل حسي مادي تشهده العيون، وتحسه الأبدان فتخر له ساجدة؟

وجواب هذا التساؤل، يتلخص في الآتي:

1-  أن الدليل الكوني دليل وقتي لا يكون معجزا إلا في حق من يراه، وأما من لم يره ممن غاب عنه وقتها، أو جاء بعده فإن طريق معرفته به هو النقل، والذي يطلب المعجزة من السهل عليه أن يشكك في النقل.

2- أن التاريخ نفسه يخبرنا أن المعاند لن يؤمن؛ حتى لو رأى المعجزة رأي العين، يقول الله تعالى في شأن قوم طلبوا معجزة حسية:{الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 183). هذه شهادة التاريخ سجلها القرآن أن من جاءتهم البينات لم يؤمنوا بها.

3- أن المعاندين لن يسلموا بالمعجزات الحسية ، وسيوردون شبها يتملصون بها من الإذعان، قال الله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} (الحجر: 14- 15)

4- إذا كان القرآن قد قص علينا قوما غابرين تماروا في المعجزات الواضحة فإن الله ربنا أخبرنا كذلك أن الباقين ممن لم يأتوا بعد لن يسلموا بالمعجزات الحسية كذلك، يقول الله تعالى : " وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (الأنعام: 109) ومعنى الآية أن هؤلاء الذين يطلبون الآيات لن يؤمنوا بها إذا جاءت، ولكن ما يشعركم أنتم بهذا، فالنفي موجه إلى إيمانهم.

5- أراك تقول: هذا عن المعاندين، ولكني أسألك عن جاهل يتعلم، أو حائر يتثبت، والجواب أن الآية الحسية منعت عنه حتى لا يهلك هو أو يهلك غيره من غير المكذبين، يجلي هذا المعنى الشيخ رشيد رضا؛ فيقول في تفسيره العظيم: جعل الله تعالى آيته على صدق رسالة خاتم النبيين عقلية علمية دائمة لا تنقطع؛ لتكون حجة قائمة على العقلاء ببقاء أمة الدعوة وأمة الإجابة أي إلى يوم القيامة؛ فإن الآيات الكونية لا بقاء لها، ويحصل المراء في نقلها وفي دلالتها.ومنه أنه مضت سنة الله تعالى بأن الأمة التي تقترح على رسولها آية، ثم تكفر به بعد تأييد الله إياه بها؛ فإن الله تعالى يُنزل بها عذاب الاستئصال العام عاجلاً لا عذاب المكذبين وحدهم.

ولما كان خاتم النبيين قد أُرسل رحمة للعالمين كان تعذيب قومه بعذاب الاستئصال منافيًا لهذه الرحمة ومستأصلاً لجميع البشر أو لقومه في الجنسية النسبية وهم العرب عامة، لا من رآها منهم وكذَّبها خاصة، ولو استأصل العرب، لما آمن بالقرآن شعوب العجم:{ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}( الشعراء: 198-199). "وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ" ( الإسراء 59: ) أي نبعث بالآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك ؛ فإنه سهل علينا ، يسير لدينا، إلا أنه كذَّب بها الأولون بعدما سألوها، وقد جرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذَّبوا بها بعد نزولها ... إلخ

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة