لماذا الصلاة بحركاتها؟ ألا يكفي الدعاء؟

كثيرا ما نسأل من قبل المسلمين وغير المسلمين عن هدف الصلاة  ومعناها ولماذا تحاط بهذه الطقوس الغامضة من وضوء وحركات جسدية وأوقات محددة  ولماذا لا يكفينا ان ندعو الله بالطريقة التي نرتاح فيها، اذ من غير المنطقي برأيهم ان نفترض ان الله يطلب منا طريقة محددة روتينية للتواصل معه. وبديهي ان ليس كل السائلين يسأل بنفس الروحية فمنهم من يجحد ومنهم من يستهزأ ومنهم من يحاول البحث عن الحكمة من الطريقة التي نصلي بها.

الأصل في العبادات أن تؤدي امتثالاً لأمر الله وشكرًا لنعمته، سواء عرف الإنسان كل الحكمة منها أم لم يعرف فالعبد عبد، والرب رب، للرب أن يأمر وينهى وعلى العبد أن يسمع ويطيع . ولو كان الإنسان لا يطيع الله إلا فيما اقتنع به عقله المحدود لكان في هذه الحالة مطيعًا لعقله لا مطيعًا لربه . وليختر المؤمن لنفسه. واذا رجعنا للاجوبة التي يمكن ان يجيب بها الفقهاء هذه الاسئلة فسنجد بأنها تتمحور كلها حول ان الصلاة مفروضة هكذا ولا يمكننا ان نجتهد في ما امرنا به الله وهذا صحيح ولكن قد لا يعطي الجواب الشافي للسائل الذي يدور في مرحلة شك في الاصل.الحقيقة اننا يجب ان نتفكر اكثر في مفهوم الصلاة وفي الحكمة من حركاتها وتوقيتها وشروطها، وهذا ليس سهلا لمن اعتاد الصلاة منذ الصغر حتى تحولت عنده الى عادة، ولكنه قد يبدو بصورة اقوى عند غير المسلم الذي يجرب الصلاة لأول مرة وفيما يلي بعض من التجارب التي قرأتها في هذا الموضوع تتجلى فيها النقاط التالية:

1-  الله خلق الجسد والروح فوجب ان تبدو آثار الشكر على الانسان بروحه وجسده.

2- الخشوع لا يمكن ان يتجلى في الدعاء كما يتجلى بالصلاة لأن الدعاء ليس حركة مستقلة لها بداية ونهاية كالصلاة.

3-  السجود فيه كسر لعنجهية الإنسان وتكبره بطريقة لا تمنحها اية وضعية اخرى.

4- صلاة الجماعة وحركات جموع المصلين سوية توحي للمشاهد بالتنظيم و الانسجام والطاعة الكاملة.

5- تخلل عمل الانسان بالصلاة  (يوميا خمس مرات) يجعل العبادة جزءا من حياة الانسان وليست مناسبة اجتماعية نقتصر على يوم واحد في الاسبوع مثل المسيحيين واليهود.

1- لماذا حركات الصلاة؟

1- من كتاب الطريق الى الاسلام للكاتب النمساوي ليوبولد فايس (محمد اسد)

(المكان: الحجاز)

وكان "الحاجي " يتجول مستندا الى عصاه - ذلك أنه كان يشكو التهاب المفاصل وكانت ركبتاه متورمتين "ويبدو وكأنهم زعيم عليهم، فقد رأيت أنهم يطيعونه دونما تردد أو سؤال . وكان يجمعهم عدة مرات في النهار للصلاة وكانوا يؤدونها في الخلاء اذ لم يكن المطر منهمرا بغزارة : كانوا يقفون جميعا في صف طويل واحد وكان هو أمامهم . كانوا كالجنود في دقة حركاتهم - ذلك أنهم كانوا ينحنون معا باتجاه مكة ثم ينهضون ثانية ليركعوا من ثم وتلمس جباههم الأرض. كانوا يتبعون كلمات قائدهم الخافتة، وكان يقف بين الركوع والسجود حافي القدمين على سجادته المعدة للصلاة ، مغمض العينين ، مكتوف الذراعين فوق صدره، محركا شفتيه وشاردا في استغراق عميق : لقد كان في مكنتك أن ترى أنه كان يصلي بروحه كلها.  والحق أنه قد أزعجني أن أرى مثل تلك الصلاة العميقة مقترنة بحركات جسمانية آلية ، فسألت "الحاجي " ذات يوم ، وكان يفهم الانكليزية قليلا: هل تعتقد حقا أن الله ينتظر منك أن تظهر له احترامك بتكرار الركوع والسجود؟ ألا يكون من الأفضل للمرء أن يخلو بنفسه وأن يصلي إلى الله في قلبه؟ لم حركات جسمك هذه كلها؟"

-ولم اكد انطق بهذه الكلمات حتى شعرت بالندم وتبكيت الضمير. ذلك انني لم اكن انوي أن اجرح شعور الشيخ الديني. لكن الحاجي لم يبد عليه قط إمارات الاستياء. لقد افتر فمه، الخالي من الأسنان، عن ابتسامة، وأجاب: بأية طريقة أخرى، إذن ، يجب أن نعبد الله؟ ألم يخلق الجسد والروح معا؟ وإذا كان هذا كذلك أفلا يجب أن يصلي الإنسان بجسده كما يصلي بروحه ؟ أسمع ، سأفهمك لم نصلي نحن المسلمين كما نصلي. إننا نولي وجوهنا نحو الكعبة، بيت الله الحرام في مكة، مدركين أن المسلمين كلهم ، حيثما كانوا، مولون وجوههم نحوها في صلاتهم، وأننا كجسم واحد، وأن الله هو محور تفكيرنا جميعا. نحن نقف أولا مستقيمين ونقرأ شيئا من القرآن الكريم ، ذاكرين أنه كلمة الله أنزلها على الإنسان كي يكون مستقيما رصينا في الحياة. ثم نقول : الله أكبر، مذكرين أنفسنا بأنه ما من أحد يستحق أن يعبد إلا هو، ونركع لأننا نعتبره فوق كل شيء، ونسبح بعزته ومجده. وبعد ذلك نسجد على جباهنا لأننا نشعر بأننا لسنا تجاهه إلا من العدم والتراب، وأنه هو الذي خلقنا وهو ربنا الأعلى. نرفع وجوهنا عن الأرض ونبقى جالسين، داعين إليه أن يغفر ذنوبنا وأن يتغمدنا برحمته ويهدينا الصراط المستقيم ويهبنا العافية والرزق. ثم نسجد ثانية على الأرض ونلمس التراب بجباهنا تجاه عزة الواحد الأحد وعظمته. وبعد ذلك نستوي جالسين وندعو الله أن يصلي على النبي محمد الذي أبلغنا رسالته  كما صلى على الانبياء من قبله وان يباركنا ايضا جميعا ومن يتبعون سواء السبيل، ونسأله ان يهب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وفي النهاية ندير رؤوسنا الى اليمين وإلى الشمال قائلين : "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "، وبذلك نحيي كل من كانوا صالحين، فى حيثما كانوا. هكذا كان النبي يصلي، وهكذا علم أتباعه الصلاة في جميع الأزمنة والعصور كيما يسلموا أنفسهم إلى الله مختارين طائعين ويطمئنوا إليه وإلى مصيرهم أيضا".

إن الرجل الشيخ لم يستعمل، طبعا، هذه الكلمات بالضبط، ولكن هذا هو ما عناه وهكذا اذكرها حتى اليوم. وبعد ذلك بسنوات عدة أدركت أن "الحاجي " البسيط قد فتح لي أول باب للدخول في دين الإسلام. ولكن حتى في ذلك الوقت أي قبل أن يخالجني بزمن طويل أيما تفكير في أن الإسلام يمكن أن يصبح دينا لي بدأت أشعر بخضوع غير عادي كلما رأيت، وكثيرا ما رأيت، رجلا يقف عاري القدمين على سجادته المخصصة للصلاة، أو على حصيرة من قش ، أو على الأرض العارية، مكتوف الذراعين ، محني الرأس ، مستغرقا بالكلية في ذات نفسه ، ناسيا كل ما يجري حوله ، سواء كان ذلك في أحد المساجد أو على رصيف أحد الشوارع المكتظة.

وفي مقطع آخر من كتابه يقول محمد أسد. (المكان دمشق)

في يوم من أيام الجمعة ذهبت مع صديقي ومضيفي إلى الجامع الأموي . كانت الاعمدة  الرخامية الكثيرة التي كانت تحمل السقف المقبب تلمع تحت أشعة الشمس التي كانت تتساقط من النوافذ ذوات الاعتاب الحجرية. كانت رائحة المسك منتشرة في هواء الجامع، وكانت أرضه مغطاة بقطع من السجاد الأزرق والأحمر، وفي صفوف طويلة مستقيمة كان يقف مئات كثيرة من الرجال وراء الإمام الذي كان يؤم الصلاة، كانوا يركعون ويسجدون فيلمسون الأرض بجباههم ثم ينهضون ثانية : في وحدة منظمة، كالجنود سواء بسواء. كان كل شيء هادئا جدا، وبينما كان الحشد وقوفا كان باستطاعة المرء أن يسمع صوت الإمام الشيخ من الأعماق البعيدة في القاعة الكبيرة، يتلو آيات من القرآن، حتى إذا ما ركع أو سجد تبعه الجمع كلهم كشخص واحد، يركعون ويسجدون لله كأنما هو ماثل أمام أعينهم. في تلك اللحظة أدركت مبلغ قرب هؤلاء القوم من ربهم ومن دينهم. إن صلاتهم لم نكن تبدو منفصلة عن يوم عملهم مستقلة عنه، بل كانت قسما منه لم يقصد بها أن تساعدهم على نسيان الحياة، بل على ذكرها عن طريق ذكر الله بطريقة افضل. قلت لصاحبي إذ كنا نغادر المسجد : "ما أغرب وأدهش أن تشعروا أن الله قريب منكم إلى هذا الحد! أود لو أستطيع أن أشعر بنفسي هذا الشعور" فأجابني : وكيف يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، يا أخي، أليس الله، كما يقول كتابنا الطاهر: اقرب اليكم من حبل الوريد؟"

2- مقطع من كتاب "حتى الملائكة تسأل..." البروفسور جفري لانغ

يروي البروفسور جفري لانغ ، أستاذ الرياضيات في الجامعات الأميركية كيفية اعتناقه للدين الإسلامي ، وذلك في كتاب صدر له بعنوان «حتى الملائكة تسأل». فالكتاب يسطر قصة إسلام لانغ ، ويتراوح بين لحظات روحانية غامرة وبين أفكار فلسفية عميقة.

يقول المؤلف: في اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام ، قدم إليَّ إمام المسجد كتيباً يشرح كيفية أداء الصلاة. غير أني فوجئت بما رأيته من قلق الطلاب المسلمين ، فقد ألحوا عليَّ بعبارات مثل: (خذ راحتك) ( لا تضغط على نفسك كثيراً ) ( من الأفضل أن تأخذ وقتك ) ( ببطء.. شيئاً ، فشيئاً ). وتساءلت في نفسي ( هل الصلاة صعبة إلى هذا الحد؟ ). لكني تجاهلت نصائح الطلاب ، فقررت أن أبدأ فوراً بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها.

وفي تلك الليلة ، أمضيت وقتاً طويلاً جالساً على الأريكة في غرفتي الصغيرة بإضاءتها الخافتة ، حيث كنت أدرس حركات الصلاة وأكررها ، وكذلك الآيات القرآنية التي سأتلوها ، والأدعية الواجب قراءتها في الصلاة.  وبما أن معظم ما كنت سأتلوه كان باللغة العربية ، فقد لزمني حفظ النصوص بلفظها العربي ، وبمعانيها باللغة الإنجليزية. وتفحصت الكتيب ساعات عدة ، قبل أن أجد في نفسي الثقة الكافية لتجربة الصلاة الأولى. وكان الوقت قد قارب منتصف الليل، لذلك قررت أن أصلي صلاة العشاء. ودخلت الحمام ووضعت الكتيب على طرف المغسلة مفتوحاً على الصفحة التي تشرح الوضوء. وتتبعت التعليمات الواردة فيه خطوة خطوة ، بتأن ودقة ، مثل طاهٍ يجرب وصفة لأول مرة في المطبخ.

وعندما انتهيت من الوضوء ، أغلقت الصنبور وعدت إلى الغرفة والماء يقطر من أطرافي. إذ تقول تعليمات الكتيب بأنه من المستحب ألا يجفف المتوضئ نفسه بعد الوضوء.(1) ووقفت في منتصف الغرفة ، متوجهاً إلى ما كنت أحسبه اتجاه القبلة. نظرت إلى الخلف لأتأكد من أنني أغلقت باب شقتي ، ثم توجهت إلى الأمام ، واعتدلت في وقفتي ، وأخذت نفساً عميقاً ، ثم رفعت يدي ، وبراحتين مفتوحتين ملامساً شحمتي الأذنين بإبهامي.(2) ثم بعد ذلك ، قلت بصوت خافت (الله أكبر). كنت آمل ألا يسمعني أحد . فقد كنت أشعر بشيء من الانفعال. إذ لم أستطع التخلص من قلقي من كون أحد يتجسس علي. وفجأة أدركت أنني تركت الستائر مفتوحة. وتساءلت: ماذا لو رآني أحد الجيران ؟

تركت ما كنت فيه ، وتوجهت إلى النافذة ، ثم جلت بنظري في الخارج لأتأكد من عدم وجود أحد. وعندما رأيت الباحة الخلفية خالية ، أحسست بالارتياح. فأغلقت الستائر ، وعدت إلى منتصف الغرفة. ومرة أخرى ، توجهت إلى القبلة ، واعتدلت في وقفتي ، ورفعت يدي إلى أن لامس الإبهامان شحمتي أذني ، ثم همست (الله أكبر).... وبصوت خافت لا يكاد يسمع ، قرأت فاتحة الكتاب ببطء وتلعثم ، ثم أتبعتها بسورة قصيرة باللغة العربية ، وإن كنت أظن أن أي عربي لم يكن ليفهم شيئاً لو سمع تلاوتي تلك الليلة. ثم بعد ذلك تلفظت بالتكبير مرة أخرى بصوت خافت وانحنيت راكعاً حتى صار ظهري متعامداً مع ساقي واضعاً كفي على ركبتي وشعرت بالإحراج ، إذ لم أنحن لأحد في حياتي. ولذلك فقد سررت لأنني وحدي في الغرفة.

وبينما كنت ما أزال راكعاً ، كررت عبارة (سبحان ربي العظيم) عدة مرات. ثم اعتدلت واقفاً وأنا أقرأ (سمع الله لمن حمده) ثم (ربنا ولك الحمد)...... أحسست بقلبي يخفق بشدة ، وتزايد انفعالي عندما كبرت مرة أخرى بخضوع فقد حان وقت السجود... وتجمدت في مكاني ، بينما كنت أحدق في البقعة التي أمامي ، حيث كان علي أن أهوي إليها على أطرافي الأربعة وأضع وجهي على الأرض. لم أستطع أن أفعل ذلك ، لم أستطع أن أنزل بنفسي إلى الأرض ، لم أستطع أن أذل نفسي بوضع أنفي على الأرض ، شأن العبد الذي يتذلل أمام سيده... لقد خيل لي أن ساقي مقيدتان لا تقدران على الانثناء.... لقد أحسست بكثير من العار والخزي. وتخيلت ضحكات أصدقائي ومعارفي وقهقهاتهم ، وهم يراقبونني وأنا أجعل من نفسي مغفلاً أمامهم ، وتخيلت كم سأكون مثيراً للشفقة والسخرية بينهم ، وكدت أسمعهم يقولون (مسكين جفري فقد أصابه العرب بمس في سان فرانسيسكو ، أليس كذلك؟). وأخذت أدعو ( أرجوك ، أرجوك ، أعني على هذا).

أخذت نفساً عميقاً ، وأرغمت نفسي على النزول... الآن صرت على أربعتي ، ثم ترددت لحظات قليلة ، وبعد ذلك ضغط وجهي على السجادة... أفرغت ذهني من كل الأفكار ، وتلفظت ثلاث مرات بعبارة (سبحان ربي الأعلى)، (الله أكبر) قلتها ورفعت من السجود جالساً على عقبي وأبقيت ذهني فارغاً رافضاً السماح لأي شيء أن يصرف انتباهي. (الله أكبر) ووضعت وجهي على الأرض مرة أخرى. وبينما كان أنفي يلامس الأرض ، رحت أكرر عبارة (سبحان ربي الأعلى) بصورة آلية. فقد كنت مصمماً على إنهاء هذا الأمر مهما كلفني ذلك. (الله أكبر) وانتصبت واقفاً ، فيما قلت لنفسي: لا تزال هناك ثلاث جولات أمامي. وصارعت عواطفي وكبريائي في ما تبقى لي من الصلاة. لكن الأمر صار أهون في كل شوط. حتى إنني كنت في سكينة شبه كاملة في آخر سجدة. ثم قرأت التشهد في الجلوس الأخير ، وأخيراً سلمت عن يميني وشمالي....

وبينما بلغ بي الإعياء مبلغه ، بقيت جالسا على الأرض ، وأخذت أراجع المعركة التي مررت بها ، لقد أحسست بالإحراج لأنني عاركت نفسي كل ذلك العراك في سبيل أداء الصلاة إلى آخرها. ودعوت برأس منخفض خجلاً : ( اغفر لي تكبري وغبائي ، فقد أتيت من مكان بعيد ولا يزال أمامي سبيل طويل لأقطعه ) . وفي تلك اللحظة ، شعرت بشيء لم أجربه من قبل ، ولذلك يصعب عليّ وصفه بالكلمات.... فقد اجتاحتني موجة لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها كالبرودة ، وبدا لي أنها تشع من نقطة ما في صدري. وكانت موجة عارمة فوجئت بها في البداية حتى إنني أذكر أنني كنت أرتعش. غير أنها كانت أكثر من مجرد شعور جسدي ، فقد أثرت في عواطفي بطريقة غريبة أيضا. لقد بدا كأن الرحمة قد تجسدت في صورة محسوسة وأخذت تغلفني وتتغلغل فيّ... ثم بدأت بالبكاء من غير أن أعرف السبب ، فقد أخذت الدموع تنهمر على وجهي ، ووجدت نفسي أنتحب بشدة.... وكلما ازداد بكائي ، ازداد إحساسي بأن قوة خارقة من اللطف والرحمة تحتضنني. ولم أكن أبكي بدافع من الشعور بالذنب ، رغم أنه يجدر بي ذلك ، ولا بدافع من الخزي أو السرور... لقد بدا كأن سداً قد انفتح مطلقاً عنان مخزون عظيم من الخوف والغضب بداخلي.

وبينما أنا أكتب هذه السطور ، لا يسعني إلا أن أتساءل عما لو كانت مغفرة الله عز وجل لا تتضمن مجرد العفو عن الذنوب ، بل وكذلك الشفاء والسكينة أيضا... ظللت لبعض الوقت جالساً على ركبتي ، منحنياً إلى الأرض ، منتحباً ورأسي بين كفي. وعندما توقفت عن البكاء أخيراً ، كنت قد بلغت الغاية في الإرهاق. فقد كانت تلك التجربة جارفة وغير مألوفة إلى حد لم يسمح لي حينئذ أن أبحث عن تفسيرات عقلانية لها... وقد رأيت حينها أن هذه التجربة أغرب من أن أستطيع إخبار أحد بها. أما أهم ما أدركته في ذلك الوقت فهو أنني في حاجة ماسة إلى الله وإلى الصلاة ، وقبل أن أقوم من مكاني ، دعوت بهذا الدعاء الأخير : « اللهم ، إذا تجرأت على الكفر بك مرة أخرى ، فاقتلني قبل ذلك ، خلصني من هذه الحياة... ومن الصعب جداً أن أحيا بكل ما عندي من النواقص والعيوب لكنني لا أستطيع أن أعيش يوماً واحداً آخر وأنا أنكر وجودك ».

3- معنى الصلاة (الشعراوي)

يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10)

إننا نعرف أن الصلاة هي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي يتطلب الاستدامة، فيكفي المرء أن يقول الشهادة مرة واحدة في العمر، و يسقط الصوم عن الإنسان إن كان مريضا ، ويطعم غيره ، أو يؤديه في أوقات أخرى إن كان مريضا مرضا مؤقتا أو على سفر . وقد لا يؤدى الإنسان الزكاة لأنه فقير ، وكذلك الحج لا يجب على من لم يملك الاستطاعة من مال او عافية ، ولا تبقى من أركان الإسلام غير الصلاة فإنها لا تسقط أبدا. إن عظمة الصلاة توضحها كيفية تشريعها  لأن تشريعات أركان الإسلام كانت بالوحي ، أما تشريع الصلاة .فقد جاء وحده بالمباشرة ولم يقل الله لجبريل : " قل للنبي التكليف بالصلاة " . بل استدعى الله النبي صلى الله عليه وسلم إليه وكلفه بالصلاة . ولله المثل الأعلى- حين يريد الإنسان أن يقدم أمرا  لمرءوسيه ، فالموضوع قد يأخذ دوره في الأوراق العمومية التي تنزل منه إليهم . أما إذا كان الموضوع مهما فهو يتصل بالقائد التنفيذي للمرءوسين ويوضح مدى أهمية الموضوع ، أما إذا كان الموضوع غاية في الأهمية فالرئيس يستدعى القائد التنفيذي للمرءوسين و يبلغه أهمية الموضوع . إذن فكيفية إنزال التكليف تكون على قدر أهمية الموضوعات فما بالنا -إذن - بركن استدعى الله فيه عمدا إلى السماء ليكلفه به وقد رأينا أن بعض التكليفات تجئ إلى رسول الله بالإلهام أن يفعله ، وبعضها جاء بالوحي من جبريل أن يفعله ، أما الصلاة فقد فرضها الله عندما استدعى عمدا إلى السماء إلى الرفيق الأعلى وفرض الله عليه الصلاة بالمباشرة ، وعلى أمة محمد أن تؤدى هذا الفرض خمس مرات في اليوم ، ولا تسقط أبدا . ولذلك جعلها الحق فارقة بين المسلم والكافر ، إن المسلم ساعة أذان الصلاة يقوم إلى الصلاة، و هي استدعاء من الخالق لمن خلقه ليحضر في حضرته كل يوم خمس مرات. وأنت حر بعد ذلك لا تبرح لقاء ربك ولا يمل الله حتى يمل العبد. وإياكم أن تجعلوا للزمان مع الله تخطيطا فتقولوا هذا للعمل والضرب في الأرض، وذلك لذكر الله. فمع ضربكم في الأرض لتبتغوا من فضل الله، إياكم أن تنسوا الله ؟ لأن ذكر الله أمر دائم فى كل حركة يقصدها الإنسان لعمارة هذا الوجود ، وقد أراد الحق منا بوجودنا أن نعبده وحده لا شريك له.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة