كيف نصل الى الايمان؟ بالعقل أم القلب؟

أريد أن أعرف رأيك في كلام الإمام أبوحامد الغزالي

( فعلمت يقيناً أنـهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، و لم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك )

ألا ترى أن العقل المغتر أحيانا لا يصل للحقيقة لأنها أوسع منه بينما يمكن إدراكها بالقلب

و أنه من خلال هذا الطريق (أياكان إسمه إحسان أو تصوف أو غيره..) نصل لمعرفة الحقائق معرفة يقينية

الباحثة عن الحق

الجواب

المقدمة: حاجات الانسان الاربع

كل انسان له أربع حاجات أساسية لا يستطيع في العادة أن يعيش حياة متوازنة إن أخلّ بمتطلبات واحد منها...

1- الحاجات الجسدية: كالغذاء والمأوى والصحة والأمن والجنس ...

2- الحاجات العاطفية: كالحاجة إلى الحب و الحنان والأُسرة والعناية والأصدقاء..

3- الحاجات الفكرية: كالرغبة في التعلم والتعليم والتفكير والتطور والثقافة...

4- الحاجات الروحية: كالحاجة إلى الدين وإيجاد هدف للحياة يمتد لما بعدها...

وهذه الحاجات قد يطلق عليها ايضا مسميات اخرى مرادفة: غريزة، قلب، عقل، روح..

ولنتذكر أيضا أن هناك ترتيباً معيناً لهذه الحاجات من الأدنى الى الأعلى:

1- لا يفكر المرء في العادة بالحاجات الروحية أو الفكرية إن كانت حياته مهددة أو إن كان مريضاً مرضاً شديداً (نحن نتكلم عن الأعمّ الأغلب وإلا فإن الأنبياء عليهم السلام والصحابة رضي الله عنهم قدموا الجانب الروحي على الجانب الجسدي المادي) ومن هنا لا نتوقع من أشخاص لا يجدون لقمة عيشهم أن يشاركوا في العادة في حوار فكري  (لذلك نرى أن معظم الجبابرة والدكتاتوريين يشغلون شعوبهم بتحصيل لقمة العيش كي ينشغلوا عن المطالبة بحقوقهم). كذلك إذا نظرنا إلى إنسان مكتف مادياً ولكن مدمر عاطفياً فهو في الأغلب لن يهتم بالشكل الكافي بالجانب الروحي من شخصيته مثل العبادة أو إصلاح المجتمع ...

2- صحيح أن الحاجات مرتبة بهذه الطريقة من حيث التدرج في الاشباع ولكن الصحيح أيضا أن التأثير مرتب ترتيبا عكسياً فالتغيير في الجانب الروحي سينعكس على الجوانب الثلاثة التي تحته فسنجد على سبيل المثال أن الرجل الذي ترقى دينيا لا بد وأن يهذب نفسه من حيث الفكر والعاطفة والجسد.. والرجل الذي ترقى فكريا يسيطر أيضا على عواطفه و كيانه الجسدي.. ويترتب على هذا الترتيب أيضا أنه من الصعب بمكان أن تغري شخصا متفوقا دينيا وروحيا بمكافأة من فئة أدنى مثل إغوائه بمنصب وسلطة.. أو أن تغوي شخصاً متفوقاً فكرياً بحوافز مادية وزيادة في المعاش.. أو أن تغري شخصا مكتف عاطفياً مع زوجته بالخيانة الجسدية...

3- والقضية لا تقتصر فقط على إشباع هذه الجوانب الأربع في حياة الإنسان بل أيضا علينا الانتباه الى مخاطر الإفراط في إشباع هذه النواحي.. فنحن نعلم جميعا عاقبة من يسرف في الطعام أو يلهث وراء ملذاته الجنسية.. كذلك ندرك تماما مخاطر الإفراط في العشق والانصياع للعواطف وكيف ترتد سلبا على مجرى حياتنا..

ولا يحسبن أحد أنّ هذا التقسيم بما يشمله من جانب روحي هو قضية فلسفية أو عقائدية بل هو أمر أثبته علم النفس الحديث وأصبح من المسلّمات حتى في الغرب الذي يعيش خواءاً روحياً.. لقد وعى الغرب أخيراً أنه بدون تلبية الحاجات الروحية فالإنسان سائر حتماً الى الضياع وربما الانتحار.. ولكن وهنا يكمن الفارق النوعي بين التفكير الإيماني والتفكير النفعي.. نحن لا ننظر إلى حاجاتنا الروحية كوسيلة لحياة متوازنة سليمة كما ينظر إليها الغرب بل ننظر إليها كهدف لحياتنا تسخر له جميع الجوانب الأخرى في شخصيتنا وتعتاش منه... وختاماً أختم بهذا القول الرائع لصاحب الظلال حيث يقول "عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعيش، وتنتهى بانتهاء عمرنا المحدود! أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الانسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الارض! "

خلاصة المقدمة:

للانسان حاجات اربع: مادية، اجتماعية، فكرية لروحية والمطلوب منا: 

1-    أن نُشبعها كلها حتى نعيش حياة متوازنة.

2-    ألا نفرط في إشباعها حتى لا تنحرف عن مقاصدها.

3-    أن نغذيها التغذية الصحيحة حتى لا يصيبنا ما أصاب من أطعم البقر العلف الحيواني بديلاً عن العشب والشعير.

2- على القلب ان يتبع العقل

مما لا شك فيه ان لكل من العقل والقلب اهمية قصوى في حياة الانسان كما قدمنا.. ولنعطي على ذلك مثلين: اولهما الزواج وثانيهما الايمان..

 الزواج بدون اعمال العقل يؤدي الى كوارث فقد يحب الانسان فتاة من غير دينه ويتعذب معها فيما بعد.. وبنفس الوقت اذا لم يكن هناك اعمال للقلب وانسجام عاطفي فلن ينجح الزواج..

الايمان بدون اعمال العقل قد يؤدي بك الى الضلال فقد تؤمن بدين مزيف وتحبه فيوردك المهالك.. وبنفس الوقت ايمان بدون اعمال القلب يكون باردا لا اثر للتقوى فيه ولا للعمل..

لكن لا يفوتنا رغم تأكيد اهمية العاملين ان نؤكد ان العقل هو من توكل اليه مسؤولية القيادة ذلك ان القلب لا يحسن الاختيار ويزور الحقائق.. لذا كان لزاما علينا ان نحذر من اي قرار لا يقوم على اساس عقلي مكين.

3- التمييز بين القلب والروح

يميل اكثر الناس الى المزج بين مفهومي القلب والروح لما بينهما من قواسم تأثير مشتركة.. لكن كما بينا في المقطع الذي تحدث عن الحاجات الروحية.. فان هناك شيئا اعلى من الذات هو من صميم النفس الانسانية والى هذا يرمز بالروح.. يقول السيد كوفي: نحن نرضى عادة بذلك الخداع الذي يقدمه لنا المجتمع من أن الهدف في الحياة يتأتى من التركيز على الذات، أي الشعور بالمكانة والتطوير الذاتي. ولكن الحكمة الإنسانية، عبر آلاف السنين، تؤكد الحقيقة القائلة: إن إنجاز العظيم في تطوير الذات هو في دفعها إلى المشاركة، والتفاعل، والتعاون مع الغير. فجودة الحياة تنبع من الداخل لتصب في الخارج. المعنى والهدف يأتي من عطاء الغير، والعيش من أجل شيء أعلى من الذات. ونتائج الخداع الذي نعيشه عند مقارنتها بنتائج الحقيقة تختلف باختلاف البحر الميت حيث الركود، حيث لا حياة ولا مخرج، وبين النهر العذب المتدفق الذي يبعث الحياة في كل الأشياء الميتة على ضفتيه.  

4- الجواب بناء على ما تقدم

اذا عرفنا كل هذه الامور ايقنا ان العقل هو المصدر الاساسي لمعرفة الحقيقة. والاديان والنظريات والعقائد تخاطب العقل اولا .. واما كلام الغزالي ان الايمان نور يقذفه الله في القلب فلا يعني ان الحقيقة تعرف بالروح او بالقلب.. انما يقصد ان الايمان لا يمكن ان يتم بدون هداية الله مصداقا لقوله تعالى "انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء" والقضية ليست ابدا في قصور العقل عن معرفة الحقائق وحده انما في كون الطبيعة البشرية معقدة ولكون هذا العقل مغطى بسحب من الاهواء والشهوات والتقاليد قد تحجب عنه الحقائق فلا تنجلي هذ الظلمات الا بنور الايمان.

هذا من جهة ومن جهة اخرى..  فان كلام الغزالي ( فعلمت يقيناً أنـهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته، و لم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك )

لا يعني ان الروح هي بديل من العقل بل لو دققنا النظر لرأينا انه قال انه حصل كل العلوم التي تحصل بالعقل وانتفع منها ولكن كي يرتقي بايمانه اكثر لم يعد العقل يكفيه بل عليه ان يعمل على القلب والروح اكثر.. فهو لا ينفي مركزية دور العقل انما يقول ان الايمان لا يكتمل بدون تغذية الروح وتغذيتها بغذاء صحيح وهو ما لا يتم بدون فكر صحيح يوجه التغذية نحو الطريق القويم.. والا لكان المتصوفة والزهاد لأي دين انتموا  قد وصلوا للحق عبر تجربتهم الروحية وهو ما لم يحصل.

باختصار الايمان الكامل يحتاج الى: عقل نصل به الى تمييز الحق عن الباطل والى التسليم بحقائق الدين.. قلب يعضد الايمان العقلي ويحوله الى ايمان فعال ونشيط.. روح ترتقي وتسمو بالتزكية ومراقبة الله.. وطبعا كل هذا لا يتم الا بهداية فوقية من الله وارادة منه..

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة