كيف تكون جنسيتنا الإسلام؟

لا نقاش في ان تقديم الوطنية على الدين -كما هو حال الكثيرين في بلادنا للاسف- امر مرفوض. فمن يقول "انا لبناني قبل ان اكون مسلما".. ليس بمسلم لا اولا ولا اخيرا لأن لا ولاء يتقدم ولاء الانسان لله وللرسول والامة الاسلامية. ووضع الدين في المرتبة الثانية معناه تقديم احكام البشر على حكم الله. هذا امر واضح ومفروغ منه ولكن يا ترى ما حال من يقول: انا مسلم اولا لبناني ثانيا؟

في الاصل كنت اتقبل هذا الامر لعدم رؤيتي أي تناقض بين الدين وبين حب الوطن.. لكن قراءاتي و تجاربي بدأت تبعدني عن هذا المفهوم ولي حول هذا الموضوع الخواطر التالية فارجو الا تتسرعوا بالحكم على الموضوع  قبل قراءته قراءة كاملة وبتمعن.

حب ارض الوطن حب فطري

حب الوطن شيء فطري ولا نملك ان نرفض الاعتراف بذلك. فالانسان جبل على حب المكان الذي نشا فيه وعن الدفاع عن ارضه ومحيطه وبيئته. وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حق مكة عند هجرته منها: (ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك). وحيث أن حب الوطن غريزة في الإنسان، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم من ربه بأن يرزقه حب المدينة لما انتقل إليها،  لكن ان يحمل مفهوم الوطن معنى سياسيا وان تنشىء رابطة جديدة تسمى رابطة الوطن أو الرابطة الوطنية أو الوحدة الوطنية بدل (او الى جنب) رابطة العقيدة الإسلامية والوحدة على أساس الإسلام فهذا امر لا يتوافق مع مفهومنا للاسلام حيث ان الرابط بين الناس هو العقيدة وليس الارض. واروع ما قيل في هذا المجال ما كتبه صاحب الظلال: " والبشرية إما أن تعيش _ كما يريدها الإسلام _ أناسيّ تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور .. وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الحدود الأرضية ، أو حدود الجنس واللون .. وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع !!! 

كيف تكون جنسيتنا الاسلام؟

عنوان قد يبدو غريبا بالنسبة للبعض فالاصل عندهم ان ديننا هو الاسلام وجنسيتنا هي جنسية البلد الذي ننتمي اليه. فلماذا نريد ان نحول الجنسية الى الاسلام؟ وما معنى هذا الكلام؟ دعوني احاول الاجابة: اما ان ديننا هو الاسلام فلا خلاف في ذلك.. ولكن مصطلح الدين سلب اليوم كثيرا من امتيازاته لصالح مفهوم الوطن والجنسية. فاصبح الدين هو مجرد "اعتقاد" اما الوطن فهو "الانتماء". في حين ان الدين –كما انزل- يشمل مفهوم الانتماء الى الامة الاسلامية ولا ينفصل عنها كما يشير قوله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" أي ان كل حركة وكل سكنة نقوم بها تدور في اطار الدين فهل هذا هو حالنا اليوم يا ترى؟ لو كان الحال كذلك لما مانعنا ربما من الاعتراف بمفهوم الجنسية الوطنية كعامل رديف ثانوي مميز لمكان ولادة الانسان كما كان حال المسلمين في عهود الخلافة الاسلامية حينما قسموا الى ولايات : الشام-اليمن-الحجاز.... مع بقاء ولاءهم الاساسي للاسلام.

جنسية المسلم وطبقته

يشدد القرآن الكريم على جنسية "الاسلام" ويربط بينها وبين الغاية من اخراج الامة المسلمة والوظيفة التي اخرجت من اجلها وذلك في قوله تعالى: ""وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير"

ويلحق بجنسية الانسان المؤمن طبقته داخل الامة المسلمة. وتتقرر هذه الطبقة طبقا لدرجة اتقائه من الاصابة بمرض الطغيان او الهوان. والى هذا المقياس يشير قوله تعالى "إن اكرمكم عند الله اتقاكم"

اذن ليست الجنسية هي الانتماء الى قطعة ارض وليست الطبقات قائمة على اساس المال والسلطة كما هي في عالمنا اليوم. انما الجنسية هي الاسلام والطبقة تتحدد بنسبة التقوى.

لماذا نريد ان تكون جنسيتنا اسلامية؟

من المعروف ان أي انسان له حاجات متعددة من اهمها حاجة الانتماء..لا يحقق الفرد ذاته ان لم يشعر بالانتماء لمجتمع ما.. وللاسف فاننا حين تخلينا عن جنسيتنا الاسلامية واستبدلناها بجنسية الارض تقهقر الدين الى الخلف ليصبح ذا اثر ثانوي في حياتنا وتقدم عليه عنصر الانتماء للدولة. ومن مظاهر هذا التغيير:

1-  اصبح الدين عامل تخلف وانقسام بين افراد المجتمع بدل ان يكون عامل توحيد: حيث نرى الكثير من المسلمين يردد: لا يجب على الدين ان يفرقنا فنحن ابناء وطن الواحد. او يقول احدهم لا يهمني ما دينك فانت اخي في الوطن. والمشكلة ليست فقط في تعاظم اهمية الارض على حساب الدين بل هي باعتبار الدين –ولو بدون قصد - عامل تفرقة وعامل تخلف وكأنه عنصرية بغيضة تفرق بين الناس..

2-  تراجع القضايا الدينية لتحتل القضايا الوطنية المركز الاول فها نحن نرى ان أي قضية سياسية او وطنية ممكن تحرك نصف الشعب (ولنا في تظاهرات 8 و 14 اذار "المجيدة" اكبر دليل) فيما تعجز القضايا الاسلامية المصيرية ان تهز مشاعر الناس في الغالب (قضية القدس- نصرة الرسول).

3-  الحزازيات العنصرية بين المسلمين من بلاد مختلفة وتقديم عامل نصرة المواطن ولو كان من ملة اخرى على المسلم من بلد آخر. لا بل ان بعض الاخوة للاسف لا يتقبل ان ننتقد حكامه مع كل مساؤهم انتصارا لبلده.

4-  ضعف التعاطف مع مشاكل البلاد الاسلامية الاخرى: فلسطين، العراق، لبنان، افغانستان.. حيث يقف المواطن المسلم منها موقف المعزي لا موقف المصاب لأنه يجد ان مصالحه الاقتصادية لا تتأثر ان ضربت تلك البلاد مما خلق انفصالا شعوريا عن معاناتهم لا يمكن ان تردم الهوة فيه الا اذا اعتبر ان كرامته كانسان مسلم قد مست بنفس القدر اذلي تمس فيه حين تحل مصيبة بإبن وطنه.

5-  والاسوأ من ذلك ان هذا المواطن ليس مستعدا ان يتحمل تبعة اي موقف تضامني مع تلك البلاد المنكوبة خشية ان يعاقبه الغرب فيتأثر مستوى معيشته لذلك. لا بل انه مستعد ان يشارك مع جيوش الغرب في قتال اخوته المسلمين ويسمح لهم باستعمال القواعد في بلاده لضربهم فهل بعد هذا من ذل وهوان وهجر لحكم الله فينا؟

6-  ايضا من المؤسف ان ابناء هذه البلاد المنكوبة يناشدون الدول الشقيقة مساعدتهم ولكنهم في الوقت نفسه يرفضون ان يتدخل احد في انتقاد موقف لهم او في إبداء الرأي بتصرفاتهم.. فنجدهم يقولون.. "دعونا وحدنا.. هذا بلدنا نحن.. لا تتدخلوا في ما لا يعنيكم.." وكأننا متطفلون على اي قضية تحدث خارج حدود الارض التي نعيش عليها والتي قطعها الاستعمار في الاصل ليحافظ على مصالحه وليفتت المسلمين وقد نجح ي ذلك ايما نجاح.

الجنسية الوطنية و معاني الولاء والانتماء والعصبية

ما هي العناصر المضرة في الجنسية الوطنية؟ العناصر كما اراها هي : الولاء، الانتماء، والعصبية..

1- الولاء للوطن هو حينما يعتبر الوطن مصدراً لعزة النفس ويستعد من يسكنه ان يحارب اخوته في الدين لاجل اوامر قادة الوطن.

2- والعصبية الوطنية حينما تشعر بالميل القلبي لابن وطنك حتى لو كان حاكما ظالما او مواطنا منافقا و تنظر الى كل نقد يوجه لهؤلاء بمثابة تجريح شخصي بحقك.

3- والانتماء حينما تشعر انك تحقق ذاتك بكونك تنتمي الى هذا الوطن وهو ما اريد التركيز على التحذير منه كون بقية الامور واضحة الفساد من وجهة النظر الدينية.

جميعنا نذكر ماذا حل بمن خير بين القتل والزنا وشرب الخمر فاختار شرب الخمر على انه اهون الشرور فاذا به يقتل ويزني تحت تأثير السكر. وبالمثل فان مفعول الجنسية الوطنية مسكر كمفعول الخمر.. وبدون التخلص منها سنقع لا محالة في فخي الولاء والعصبية. كما قدمنا من قبل فإن الشعور بالانتماء هو اقوى من شعور الاعتقاد الغيبي الذي لا يترجم على ارض الواقع لذلك ترى ان الوطنية هي الدينامو المحرك للفرد في عالمنا اليوم لا الدين. واذا كنت ارفض كل انتماء لغير الاسلام حتى لو كان انتماء لجماعة اسلامية فكيف اقبل ان احقق ذاتي من خلال انتمائي لرابطة ما انزل الله بها من سلطان؟

حدود مفاعيل الوطنية

هل هذا يعني اني ادعو لالغاء اي ارتباط بالوطن؟ لا ابدا.. ما ادعو الى فكه هو الارتباط الوجداني فحسب. دعونا لا ننس ان المسلم يحترم عهوده ووعوده لذلك فلا ريب ان ولادته على ارض معينة وقبوله التوقيع على كثير من اوراق المواطنة تعطي لهذه الوطن حقوقا عليه الزم نفسه بها ولكنها شبيهة –برأيي- من حيث النوع بأي عقد مع أي مؤسسة تعمل فيها حيث تحترم قوانينها وتسير وفق نظمها وخططها وتطلعاتها مع مراعاة عدم تعارض هذه الامور مع مسلماتك العقدية. ويكون ولاءك –بالتالي- لهذه القوانين ولاء محدودا بزمن معين وبزاوية محددة لا شعورا راسخا في الوجدان لا يسعنا الإنفكاك عنه. الا يحترم الموظف المؤسسة التي يعمل فيها و يعمل على ازدهارها ومن ثم قد ينتقل الى اخرى منافسة فيعمل بصدق والتزام ايضا؟  هكذا ينبغي ان تكون علاقتنا مع الدولة التي ننتمي اليها ولا يجب ان نشعر باي حرج من ان نغير جنسيتنا الى جنسية دولة اخرى اذا اقتضت المصلحة الاسلامية ذلك. ان اي ارتباط عاطفي او وجداني بمفهوم الوطن ينشىء في عقولنا رابطة جديدة متناقضة مع ولاءنا الأصلي للأمة الاسلامية. نحن لا نعارض ان يكون الإنسان مواطنا صالحا بل هذا عين ما ندعو اليه ولكن لتكن كل روابطنا بهذا الوطن روابطا اجرائية ومادية لتسهيل حياتنا في هذه الفترة – المؤقتة مهما طالت- والتي نترقب فيها بصيص ضوء يخرجنا من هذا النفق المظلم ويعيدنا الى عهد امة الاسلام. 

هل من مخاطر

قد يقول البعض ان توجهاتي تخالف الخطاب الاسلامي المعاصر الذي يحرض على دمج المسلمن ببلادهم خاصة في بلاد الاغتراب. فاقول نعم انا لا اريدهم ان يندمجوا.. لان هذا معناه الذوبان فنحن لن نؤثر فيهم بقدر ما سيؤثرون فينا والناظر للجيل الثالث من المهاجرين يدرك تماما ان هذا الجيل قد ذاب تماما في بلاد الغربة الا من رحم ربي. لا مانع من ان نحترم قوانينهم وان نحرص على عهودنا معهم فنحن في ارضهم والمسلمين عند وعودهم وعهودهم فلا نناصر ضدهم عدوا ان اقررنا بذلك العهد لهم. وانا شخصيا ادعو كل مهاجر في الغرب الى ترك تلك الدول في اقرب فرصة والهجرة الى بلد عربي او مسلم.. اما من اراد ان يبقى فليشعر دائما بالغربة وليحرض الا يندمج في مللهم الملتوية وليوطن نفسه على الدعوة الى الاسلام مع معارفه كي يكون لإقامته في الغرب مخرج شرعي مقبول اذ اننا نعرف ان الاصل في ذلك هو التحريم الا لحاجة ملحة.

هذا عن الجنسية الاجنبية فماذا عن الدول العربية والاسلامية.. اقول ان محاذير الانتماء اليها اشد فالمسلم يشعر دائما بما يميزه عن الغربي (حتى وان تغافل عن ذلك فالغربي سيشعره دائما بهذا الفرق بالتمييز العنصري الذي يمارسه ضده) فينفر من شعور المواطنة كردة فعل غريزية. اما في بلادنا فان الجو العام يرغبك اكثر فاكثر بالغرق في مستنقع الوطنية. وأنا اسأل في الاصل من رسم الحدود بين دولنا؟ من فرق فلسطين عن سوريا عن لبنان وكلها بلاد الشام.. ان اعترافي بهذه الحدود المصطنعة سيجرني في النهاية ان اعترف ايضا باسرائيل التي اقيمت فوق ارضنا الاسلامية (وهو ما بدأنا نسمع تباشيره) والتي منحتها جلالة الملكة لليهود في حدث فريد من نوعه اعطى فيه من لا يملك لمن لا يستحق. والمؤسف في كل هذا اننا لم نعترف فقط بالحدود التي رسمها الغرب بل اصبحنا نحارب بعضنا البعض ونقاتل لأجلها.. فهل بعد هذا من غباء؟

الغرب قطع اشواطا اكثر منا في نبذ التعصب الوطني

والغريب ان الغرب على رغم كل ما خاضته شعوبه من حروب يسير نحو الاندماج متعاليا عن الفرق الاثنية والدينية والعنصرية فيه.. في حين نحن ابناء الامة الاسلامية الواحدة نتشرذم ونتعادى ونتحارب. نعم.. لقد ادرك الغرب ان الجنسية تحولت الى قيد خانق لحرية الفرد في التعبير والاختيار في الداخل وحريته في التنقل والعمل والاقامة في الخارج. لهذا صارت المجتمعات المعاصرة بحاجة الى مفهوم جديد في الجنسية لا تتحكم فيه العصبيات العرقية او الاقليمية او المصالح المادية. فها هي شعوبه قد نزعت من الجنسيات قيود السفر والعمل والاقامة وحولتها الى مجرد ادوات للتعارف .. تماما كما يشير قوله تعالى "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" بينما يستمر فقهاء الملوك والرؤساء في تعزيز سجون الجنسيات العصبية وقيودها ومضاعفاتها التي ادت الى تمزق الامة الاسلامية شر ممزق.

 التغيير بالاسم وليس بالشعور قط

ان جنسيتي هي الاسلام وليس جنسية الوطن ورب العالمين يقول عن الامة الاسلامية "هو سماكم المسلمين من قبل"  فلم نعدل عن هذا التسمية وهذه الجنسية؟ فلنتذكر ان كل تغيير شعوري يجب ان يصاحبه تغيير المفردات كذلك لتحمل معان جديدة. لأن الاستمرار في استعمال مصطلحات العهد السابق سيبقى اثارا نفسية في اللاشعور لن تستطيع التخلص منها الا عند نبذ كل ما يذكرك بالحقبة الماضية. عسى ان يقرأ الاخوة هذا البحث المتواضع بروحية موضوعية وان ينظروا الى الامور من ناحية عقدية لا من ناحية سياسية فهي ليست مقصدا اساسيا في موضوعي هذا ولو اني مررت عليها مرور الكرام. فلا يؤثر مدى صوابية الامثلة التي اعطيتها وانطباقها على الواقع على اصل الموضوع الذي لا خلاف فيه.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة