فهم نفسية المؤمن مدخل ضروري لفهم الاسلام

1- اعتراف المؤمن بقصور العقل عن ادراك كل الحقائق ("وما أوتيتم من العلم إلا قليلا")

عندما كنا اطفالا كنا نستغرب تصرفات اهالينا او مدرسينا ولا نراها منطقية البتة.. لماذا الذهاب الى المدرسة مثلا وما النفع؟؟ ولماذا نتعلم هذه المواد؟؟ لماذا لا يتركوننا بحالنا نمرح ونلعب؟؟ الخ الخ... طبعا حينما نكبر تتضح الامور لنا.. ويتبين لنا ان ما كنا نظنه منطقيا كان ناشئا عن محدودية فكرنا في هذا السن.. في حين ان القيمين علينا كانوا اكثر وعيا لمصلحتنا ليس فقط لانهم اكبر منا سنا بل لأنهم كانوا يرون الصورة كاملة.. وكانوا يعرفون ان هذه الامور التي لا نرى منها أي جدوى الآن ستنفعنا فيما بعد بطريقة او بأخرى... وتدور الايام ونمر بهذه المرحلة الآن مع اطفالنا.. حيث نجدهم غير قادرين على فهم تصور حقيقة الوضع فبالنسبة لطفلي الصغير مثلا لا مشكلة ان يتعطل الحاسوب لأن والده قادر ان يشتري حاسوبا – على منطق ان المرأة والطفل الصغير يظنون الرجل على شراء كل شيء قدير- طبعا ظنه مبني على كوني فعلت ذلك من قبل حينما كسر لعبة زهيدة عنده.. فهو في هذا العمر غير قادر على تمييز الفرق في السعر بين لعبة وحاسوب لأنه لا يعرف تقييم الاشياء بعد وتثمينها..

قد نسأل ما علاقة هذا بذاك؟ اقول ان القضايا متقاربة اكثر مما نظن... فنحن اطفال على مستوى الكون.. الا تقدر نسبة ما نعرف من هذا الكون بنسبة ما يعرفه الطفل الصغير عن حياته القادمة؟ الا نشك ولو للحظة واحدة ان منطقنا الذي قد يبدو لنا عقلانيا جدا لا يحمل من المنطق الا صورته تماما كمنطق الاطفال؟ واننا اذا اقتنعنا ان اهلينا ومربينا في مرحلة ما كانوا الاقدر على تقدير مصلحتنا.. اليس من الاسهل علينا ان نتقبل ان خالق هذا الكون الفسيح.. الرب العالم الحكيم المحيط بكل شيء هو الاقدر على معرفة مصلحتنا؟ اذا اقتنع  معي صديقي المخالف بهذه الخاطرة فسهل جدا علي اتمام الحوار معه .. اما ان كانت هذه الخاطرة لا تدخل من ضمن مسلماته فسنظل نتحاور في التفاصيل الى ما شاء الله دون الوصول الى النتيجة.. اذ ان العقول تتغاير حتى قيل "ان ابن ادم اعترض على توزيع كل شي من النعم من مال وجمال وشخصية وبيئة محيطة الا عقله لم يعترض عليه بل اعجبه ورضي به.."

2- ادراك طبيعة ضعفنا البشري وحاجتنا للحماية ("إن الإنسان خلق هلوعا")

"إن الإنسان خلق هلوعا(19)  إذا مسه الشر جزوعا(20)  وإذا مسه الخير منوعا(21) " (المعارج)

تكلمنا في المقطع السابق عن الناحية العقلية في الموضوع والآن سنتناول الناحية النفسية مستعملا نفس الامثلة.. مثال الطفل والاهل.. في الحقيقة ان كل انسان منا ضعيف مهما تنكر لضعفه.. وهو من الداخل يخاف كثيرا.. هلوع جزوع كما وصفه القرآن الكريم. منا من يخفي هذا الضعف البشري وراء هالة من العند والتكبر والشجاعة الكاذبة.. لكننا في داخلنا نخاف.. واذا صادفت شخصا لا يخاف فتأكد انه لم يتعرض للشيء الذي يخاف منه بعد.. فليس كل الناس يخافون من نفس الامور.. منهم من يخاف من الظلمة ومنهم من يخاف من الوحدة ومنهم من يخاف من المرض... الفرق بيننا وبين الاطفال ان الطفل يعترف بخوفه وبحاجته للحماية ولا يستحي من اظهاره.. لكن نحن نكابر في كثير من الاحيان ونكبت خوفنا او نتجاهله... تماما كما تدفن النعامة رأسها في الرمال فتتخيل ان الخطر لم يعد موجودا لمجرد انها لا تراه.. فإذا كان هذا هو الحال فينا.. وما دام الخوف قد كتب علينا فلم لا نخاف من رب العالمين وهو خالقنا وبارئنا؟؟ وان كنا بحاجة للحماية دوما فلم لا نلجأ الى الركن الشديد؟ وما دامت العبودية قد كتبت علينا؟ فلم لا نكون عبيدا لله عز وجل بدل ان نكون عبيدا للبشر؟ ليس هناك من حرية حقيقة في هذا الكون.. كلنا عبيد.. وهذا الذي يظن نفسه حرا.. هو عبد لشهواته واهوائه تسيره كيفما شاءت وتحطمه على تروس الحياة بدون شفقة او ضمير.. " أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا" اما رب العالمين فهو رحيم بنا وارأف بنا من الأم برضيعها.. كل شيء تخاف منه تفر منه الا الله تخاف منه فتفر اليه..

3- انصياع المؤمن لرب العالمين

 واذا عدنا الى مثال الطفل والاب.. هل نرى ان الطفل يجادل ابيه في كل ما يأمره به ويطلبه منه؟ ويسأل ماذا تهدف من ذلك يا ابتاه؟ وما الحكمة من ذلك؟ او لن انفذ ما تريد حتى تشرح لي لم تريدني ان افعل هذا؟ الا يعد هذا سوء ادب في عرف الناس؟ هل يسأل الجندي قائد الجيش في كل امر يطلبه منه ويناقشه مسفها خططه العسكرية؟ ليست القضية فقط في كون هذا القائد يعرف اكثر من الجندي فهذه الناحية تكلمنا عنها في المقطع السابق بل هناك ايضا وعي كل انسان لقدره ومستواه في هذه الحياة وكما يقولون "العين لا تعلو عن الحاجب".. لماذا اذن حينما نأتي لأوامر الله لا نجد في انفسنا حرجا في مناقشة كل امر وتقليبه من جميع وجهات النظر.. أليس في هذا سوء أدب مع رب العالمين؟؟ (ان كان بوجه الاعتراض والتذمر طبعا)  الا يدل هذا على إننا في قرارة انفسنا لا نقدر الله حق قدره.. " ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز" وان انصياعنا لابائنا وطاعتنا لهم هي اهم من انصياعنا لربنا ورب آبائنا وزعمائنا ورؤسائنا؟؟؟ وكل هذا لماذا؟ لأن رب العالمين يمهل ولا يهمل.. يبدو إننا طمعنا في كرمه ونسينا قدر انفسنا.. سبحانه وتعالى "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".

4- فهم نفسية المؤمن مدخل ضروري لفهم الاسلام

فلنتذكر ان الممثل الذي يريد ان يمثل دورا في فيلم يأخذ قرابة الستة اشهر في دراسة الشخصية التي يتناولها الفيلم سواء كانت شخصية رجل بدوي او رجل معاق.. او.. او.. لذلك نطلب ممن يريد ان يتصدى لأهم موضوع في حياته الا وهو "الغاية من وجوده" ان يأخذ قليلا من الوقت وينصت لنا..لا بل ينصت لفطرته قبل ان ينصت لنا.. فما كلامنا الا ترداد لهمسة الفطرة البشرية التي يحاول ان يخنقها بيديه. عليه ان يفهم الاسلام حقا.. ان يحاول تخيل نفسية المسلم.. وليس أي مسلم بل المسلم الملتزم بدينه المقتنع به.. انا لا اكتب لأقنع المخالف برأيي بل اكتب لأنقل له ما أشعر به.. نحن قادرون ان نتفهم المخالف ونتفهم كيف يفكر.. وقادرون ان نتفهم تماما لم يكرهون الإسلام.. لكن على الطرف المقابل ان يبذل قليلا من الجهد كي يتخيل الطريقة التي نفكر ونشعر بها ايضا.

ليتخيل من يكفر بالله او من يعترض على حكمه وجود الله بالصفات التي يشعر بها المؤمن.. ليفترض ان ما نقوله أسطورة في بادىء الأمر.. لا مانع.. الا يتخيل احدنا نفسه سوبرمان أحيانا؟؟ الا يتخيل نفسه مع حبيبة قلبه؟؟ هناك امور كثيرة نتخيلها وهي غير حقيقية.. فلم يرفض من يكفر بالله ان يتخيل وجود الله – أكيد حسب التصور الإسلامي- ولو لمدة أسبوع ويحاول ان يتصرف على هذا الأساس ويعيش هذه الفترة – لن أقول كمسلم – بل كمؤمن بالله فحسب وينقل لنا خلاصة تجربته.. هل سيتفق معنا فيما قلناه ام لا؟

لطالما تفكرت بهذا الموضوع ولم أجد له جوابا سريعا.. لم نتفهم نحن المسلمين الكفار والملحدين ونتفهم كل الشبهات التي تعترض طريقهم؟ لم نجد لهم الأعذار والتبريرات ونقول موقفهم صعب.. تارة نقول هم لم يتربوا على الإسلام.. وطورا نقول الإسلام اليوم مشوه..  بالمقابل هم لا يبذلون أي جهد للتقرب من طريقة تفكيرنا ومحاولة فهمها. مرة أخرى.. لا اقصد فهم المسلمين فقط بل أي مؤمن بعقيدة ما كخطوة أولى.. لقد توصلت لقناعة بالنهاية وهي ان البصير يستطيع ان يتخيل بسهولة طريقة إحساس الأعمى والضرير.. فما عليه الا ان يغمض عينيه ويتخيل نفسه محروما من نعمة البصر.. ولكن أنى للأعمى ان يتخيل طريقة تفكير وشعور المبصر.. وهو أمر لم يذقه ولم يعهده ولا يعرف ماهيته.. مستحيل طبعا.. لن يستطيع ان يفعل هذا الا إذا نقل له المبصر تجربته بأمانة كما نحاول ان نفعل هنا.. ولكن حتى في هذه الحال فلن يشعر شعور المبصر الا حينما تزول الغشاوة عن قلبه ويبصر حقا..  

5- هل شعور الضعف الايماني غريب عن الشعور الانساني؟

لا ليس غريبا.. لتقريب الفكرة الى الذهن فلننظر الى شعور المرأة نحو زوجها..فالمراة - المراة الطبيعية اعني- تقر بضعفها امام الرجل وتحب من شريكها ان يكون اقوى منها وافضل منها كي يحميها وتجد لذة غريبة في طاعته وارضائه.. وهو امر يسعد الرجل كثيرا وان كان يثير استغرابه فالمعتاد في الانسان ان يجد لذة في ان يكون مسيطرا متحكما متفوقا.. ذكرا كان ام انثى.. فحتى الانثى تحب ان تمارس سيطرتها على اولادها او قريناتها.. فقط مع زوجها تحب ان تكون ضعيفة.. ومع ذلك فهذا الرجل يتفهم شعور المراة نحوه ولا يسخر منها او يتهمها بالقصور العقلي..

نقول هذا الكلام كي نثبت ما قلناه آنفا ان شعور المسلم تجاه ربه والذي يحتوي التذلل والخوف والرهبة والاجلال الى جانب المشاعر المألوفة من محبة ورغبة في التقرب ليس غريبا البتة بل هو شعور انساني يوجد له مثيل في عواطفنا البشرية.. فلا نفهم لم يأتي المخالف ليسخر منا في شعورنا هذا ويتهمنا بالتخلف او الغباء.. وفي المقاطع السابقة تفسير وشرح يغني عن اعادة الكلام..

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة