فلسفة الموت

الاوسمة: 

مقدمة

قد يتساءل البعض: لماذا يجري الانسان ويشقى لنيل الف دولار ولا يعمل بالكد نفسه للجنة وفيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على بال بشر. اذا دققنا لوجدنا ان سر ذلك كامن في ان مفهوم الجنة والنار شيئ غيبي يضعف تأثيره عند الناس لعدم احتكاكهم اليومي به. نعم إذا حاولنا سبر اغوار الشخصية الانسانية لوجدناها تتعلق بالامور المحسوسة اليومية اكثر من تعلقها بالامور المستقبلية الغيبية حتى لو ايقنت بوجودها. الى هنا فالامر مفهوم ولكن الى أي فريق ينتمي الموت يا ترى؟ انه ليس شيئا غيبيا بل امر محسوس نشهده بشكل يومي مع معارفنا واقاربنا ومع ذلك نعامله كأنه امر غيبي!!! يتخيل المرء لحظة تخرجه من الجامعة و لحظة زواجه ولحظة استقباله للمولود الاول.. وكثير من مراحل حياته الا الموت فهو يتجاهل تذكره تماما !!! نعم قد تدور كلمة الموت على السنتنا كأمر غيبي لا نستشعر بكينونته ولكنها قلما تخطر على بالنا كمرحلة يجب ان نمر فيها جميعا ... لذلك فقد ايقظتني رسالة الاخ فاروق الذي مر بهذه التجربة الى ارسال هذه المقاطع اليكم وكنت قد سبق وكتبتها مستعينا ببعض الكتابات عن هذا الموضوع وارتأيت ارسالها حتى قبل ان تكتمل خشية ان يدركني الموت قبل ان تخرج للنور.

الانسان يتجاهل الموت

لا شك في ان موضوع الموت مهيمن على كثير من ادبياتنا الدينية ودائما ما يذكر على انه حقيقة مفروغ منها وانه المصير الذي لا مفر منه وعلى وجوب الاعداد له.إن الموت هو من الغرابة بحيث قلما ننظر إليه على أنه شيء ممكن على الرغم مما تشهد به التجربه خصوصا حينما يكون الأمر متعلقا بشخص نحبه ونعزه، فالموت إنما يقدم إلينا دائما باعتباره شيئا لا سبيل إلى تصديقه، شيئا لا معقولا هيهات أن نجد له مبررا.  وعندما نكون وحدنا، يتهيأ الينا اننا نسمع صوته قادما، نتخيل كحته او قهقهته، صوت مفاتيحه تضرب في قفل الباب، نغمة بوق سيارته المميزة ... ويصعب علينا ان نرى البيت خاويا منه. فنحن نحزن ان فقدنا هرة اعتدنا عليها فكيف بشخص من لحم ودم له ملأ البيت حنانا وعطاء. وكثيرا ما نندم على اشياء لم نقم بها في حقه، على طلبات طلبها منا ورفضنا تأديتها، على فرصة فوتناها لنرضيه ونكسب رضاه.

حقيقة الموت

إن حقيقة الموت واضحة للعيان جعلته كالشمس وحقيقتها، ولكن هذه الحقيقة بوضوحها وسطوعها تجعل الموقف تجاهها كموقف الأعمى من النور. وكما قال أحد الفلاسفة: "إن ثمة شيئين لا يمكن أن يحدق فيهما المرء: الشمس والموت". إننا نرى الشمس بضوئها الذي يقع على الأشياء لا بذاتها. وكذلك الموت اننا نراه وهو يقع على الآخرين لا علينا. فأي وضوح أوضح من الشمس ولكن أي عيون تستطيح أن تحدق فيها ؟ وكذلك الموت فهو واضح جدا للأحياء. ولكن أي من الأحياء يستطيع أن يخبرنا عنه إذا مات؟

لقد وقف العقل الانساني عاجزا أمام الموت، وتحول هذا العجز إلى إحساس بالخوف والجزع منه، لأن الموت مزروع في الانسان منذ خرج الى الحياة، فهو جزء من كينونته، مع ذلك فهو لا يستطيع ان يعرفه من خلال موت الآخرين المشاهد، انه لا يعرفه الا اذا مات هو نفسه وحينذاك ماذا تفيد هذه المعرفة ؟

الموت جزء من طبيعة الحياة نفسها

الانسان يخاف الحياة نفسها، إننا نشعر بأن استمرار الحياة في صميمه انقضاء للزمان وانقضاء الزمان معناه السير الوئيد نحو الموت، أو الانحدار السريع نحو هاوية العدم، ولعل هذا هو الذي حدا ببعض المفكرين إلى القول بأن الحياة إنما هي الموت نفسه. لأن الإنسان يشرع في الموت بمجرد ما يولد، وهذه الفترة المحدودة التى يحياها إنما هى المدة التى تستغرقها وفاته، وبهذا المعنى يكون الخوف من الحياة خوفا من الزمان خوفا من الموت. يقول باسكال ان الاهتمام بدفن افكارهم عن الموت قد لا يقل شأنا عن اهتمامهم بدفن موتاهم. حقا إن الموت مزروع فينا ما دام وجودنا نفسه إن هو إلا ضرب من التناهي والفناء، فنحن لا نموت لأننا نمرض او نهرم او نضعف بل لأننا نحيا.

لماذا نخاف من الموت

يقول إدجار ألن بو: "إن خوفنا من الموت إنما يعبر عن فزعنا من أن ندفن أحياء وكأنما نحن نخشى ألا يكون موتنا موتا كاملا أو كأنما نتصور أننا سنظل أحياء في موتنا نفسه. وإذن فإن خوفنا من الموت قد يرجع في جانب منه إلى أننا نتصور أنفسنا أمواتا أحياء، وكأن الموت ليس موتا محضا بل شعورا حيا بالفناء. وما قاله الكاتب يعبر عن الفطرة الانسانية التي لا تتخيل الموت على انه فناء محض، شعور متوافق مع منهج الدين الذي يتكلم في احاديث كثيرة عن حياة في القبر، وعن قبر يكون اما حفرة من حفر النار او روضة من رياض الجنة. ونذكر عندما كنا صغارا كم كنا نرتعب لمجرد سماع الاحاديث حول الميت الذي يفيق في التابوت ويحاول القيام فيصطدم رأسه بسقف التابوت.  في الظلام ، العجز عن القيام بأي شيء، الخوف اللامتناهي. تخيل نفسك في حلم مرعب لا تستطيع الاستيقاظ منه.

تجارب اقتربت من الموت

نظرتنا إلى الموت تختلف بعد الاحتكاك به ومصافحته. عوضاً عن التسوية التي نجريها معه والمصالحة التي نحاول الحفاظ عليها فإن ريم الجندي ترى الموت أسهل بكثير مما يتوهّم البشر، وهي تتقبّله الآن كما لا يتقبّله انسان آخر، لكنّها تلفت إلى أنّ ثمّة ما هو أصعب من الموت وأفظع منه: <<الموت سهل لكن المشكلة والصعوبة هي في شيئين آخرين أوّلهما الألم، فهو شيء غير إنساني. <<حرام>> أن يتوجّع الانسان. أنا عشت ثلاثة أشهر متواصلة من الألم، ورأيت كيف له أن يقود إلى الجنون. المشكلة الثانية هي المهانة والذلّ الجسديان. على مدى طويل لم أستطع الأكل، تحوّلت إلى هيكل عظمي، فقدت شعر رأسي. لم يعد جسمي لي. أنظر إليه وأقول هذه ليست أنا، فأين أنا اذاً؟ في تلك اللحظة كان الموت أسهل عليّ وتمنّيته بالفعل، لكن للحظات، ثم استدركت وقرّرت تحدّي ما يجري لجسدي. صورتي وفكرتي عن جسدي تحطّمت بالكامل>>.

كذلك يقول بزّي إنّه يكره الشيخوخة والتشوّهات والعاهات والألم أكثر بكثير مما يكره الموت، لأنها أصعب من الموت، ففيها حرمان من الموت ومن الحياة معاً. <<حالياً ليست لدي أي مشكلة إلا مع الموت العنيف المؤلم. وهذا يدلّ على كره الألم لا الخوف من الموت>>، يؤكّد بزّي.

كذلك يجعلنا الاقتراب من الموت ننظر إلى الحياة نظرة أخرى. نظرة مكثّفة المشاعر: حب وكره وحقد ونقمة وجبن وشجاعة... في هذا الموضع تقول الجندي: <<كنت أشعر بنقمة وغضب على هذا الألم بالطبع. كنت أحسد الآخرين على كلّ حركة يقومون بها. أحسد شخصاً يفتح باب غرفتي يدخل ويجلس على الكرسي. ياااه ما أروع هذا! أن تدخل غرفة وتجلس على الكرسي، أن تذهب إلى مقهى وتطلب كوب شاي. أن تمشي على الرصيف! أن تأكل تفاحة!! كيف أني لم انتبه إلى حلاوة وروعة هذه الأشياء! كنت غير قادرة على الجلوس حتى في السرير لذلك فقد كان خروجي إلى الويمبي وتناول النسكافيه هو الجنّة في نظري.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة