فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل الأعمال وأشرفها، لما فيها من المزايا العديدة والفضائل الحميدة ، ولما فيه من الخير العظيم للفرد والمجتمع، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي :-

1- سبب في الخيرية

       لقد جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأمة ، أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، خير أمة أخرجت للناس، وذكر من أسباب هذه الخيرية أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، كما في قوله سبحانه وتعالى  {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه}([1])  قال مجاهد: (({كُنْتُمْ خَيْرَ اُمّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنّاسِ} على الشرائط المذكورة في الآية)) ([2]). والشرائط المذكورة في الآية هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإيمان بالله. وعلى قول مجاهد: كنتم خيرَ أمّةٍ إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمّةٍ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفْشَى. وفي هذه الآية مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به. فإذا تركوا التغيير وتَواطَؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذّمّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم.([3])

       وقال ابن كثير في تفسيره : يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} . وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} . فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)  في حجة حجها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ثم قال: ((من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها))...ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} الآية، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب...} .([5]) .

       وقال ابن سعدي في تفسيره : هذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب التي تميزوا بها وفاقوا بها سائر الأمم ، وأنهم خير الناس للناس ، نصحاً ، ومحبة للخير ، ودعوة، وتعليماً ، وإرشاداً ، وأمراً بالمعروف ، ونهياً عن المنكر ، وجمعاً بين تكميل الخلق، والسعي في منافعهم ، بحسب الإمكان ، وبين تكميل النفس بالإيمان بالله ، والقيام بحقوق الإيمان .([6])

       لا شك أن أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسعى للناس بالخير، بدعوتهم إليه، وتبعد الناس عن الشر بتحذيرهم منه ، هي أنفع أمة للناس . وكما أن هذا الفضل لهذه الأمة على سائر الأمم ، فهو أيضاً فضل يتفاضل به أفراد هذه الأمة بعضهم على بعض، فمن قام منهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أفضل من غيره ، وهو خيرالناس للناس، ومن كان منهم أكثر بذلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأكثر تضحية فلاشك أنه أفضل ممن هو دونه .

       وفي المقابل فإن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد زهد في هذه الخيرية، وتنصل من أخص وصف لهذه الأمة ، وتشبه بأهل الكتاب الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

2- سبب في الفلاح

       وكما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعله الله سبحانه سبباً لخيرية هذه الأمة، فقد جعله أيضاً سبباً للفلاح لمن قام به ، كما في قوله سبحانه وتعالى {وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }([7]) .

       والفلاح مكسب عظيم للإنسان فهو الفوز بالمطلوب ، والنجاة من المرهوب، فلاح في الدنيا ، وفلاح في الآخرة ، فلاح في الدنيا بالحياة الطيبة ، بما فيها من سعة الرزق ، وصحة البدن ، وأمن في الوطن ، وصلاح في الأهل والولد ، وغير ذلك الكثير من جوانب الحياة الطيبة . وفوق ذلك كله الفلاح بالآخرة بالفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، ورضوان من الله، ولذة النظر إلى وجهه الكريم، ومع ذلك النجاة من العذاب الأليم . فياله من فضل عظيم يحصل عليه الإنسان بقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخص صفات النبي صلى الله عليه وسلم

       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي وصف بها في الكتب المتقدمة ، كما في قوله سبحانه وتعالى {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ...}( . وتظهر أهمية هذه الصفة إذا علمت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مدار رسالة الرسل التي بعثوا من أجلها ، فهم يدعون إلى كل خير ويحذرون من كل شر ، فهو زبدة الرسالة ومدار البعثة .

<a data-cke-saved-href="#ref8" href="#ref8" _ftnref8"="" title="">        وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا)).([9])

       وقال ابن كثير في تفسيره : {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} هذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة، وهكذا كانت حاله عليه الصلاة والسلام، لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر، كما قال عبد الله بن مسعود إذا سمعت الله يقول {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له والنهي عن عبادة من سواه كما أرسل به جميع الرسل قبله كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}([10]).

       وقال ابن سعدي (رحمه الله) : من أعظم وأجل صفته ، ما يدعو إليه ، وينهى عنه، وأنه {يأمرهم بالمعروف} وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه . و{ينهاهم عن المنكر } وهو : كل ما عرف قبحه في العقول ، والفطر . فيأمرهم بالصلاة، والزكاة والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار، والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق ، والعفاف، والبر ، والنصيحة، وما أشبه ذلك. وينهى ن الشرك بالله، وقتل النفس بغير الحق، والزنا ، وشرب ما يسكر العقل ، والظلم لسائر الخلق، والكذب ، والفجور، ونحو ذلك .([11])

       فإذا علمت أخي المسلم أن هذه الصفة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) هي أخص صفات النبي صلى الله عليه وسلم فاعلم أنك مأمور بالاقتداء بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت ترجو الله واليوم الآخر ، كما في قوله سبحانه {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} ، فاجتهد بالاقتداء به في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكن من المفلحين كما سبق بيان ذلك .

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخص صفات المؤمنين

      كما سبق بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أخص صفات النبي صلى الله عليه وسلم فهو أيضاً أخص أوصاف أتباعه على دينه من المؤمنين ، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([12]) .

      ذكر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بهذه الصفات الحميدة - أولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مثنياً عليهم بها ، واعداً لهم بالرحمة عليها ، وكان ذكر هذه الصفات بعد صفات المنافقين الذميمة ، حيث كانوا ضد ما عليه المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين قال {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *  وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفّارَ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مّقِيمٌ}([13]) . فاستحق المنافقون والمنافقات على فعلهم هذا من أمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف أن نسيهم الله أي : ((عاملهم معاملة من نسيهم )) ([14]) وتوعدهم بجهنم ، ولعنهم، وأعد لهم عذاباً مقيماً ، فنسأل الله السلامة والعافية من هذه الحال .

      وقد ورد وصف المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات أخر ، منها قوله تعالى {التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ }([15]).

      وقوله سبحانه وتعالى {الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ }([16]) .

     وقوله سبحانه وتعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه}([17]) .

        ولو تأملنا هذه الصفات الواردة للمؤمنين في الآيات المذكورة لوجدنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اقترن بأعظم الأعمال وأجلها ، اقترن بالإيمان بالله ، وبالصلاة والزكاة ونحوها .

       فمن ذا الذي يرضى لنفسه أن ينسلخ من صفات المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟! لا شك أنه لا يوجد مسلم عاقل يريد لنفسه هذه الحال ، والإنسان الذي لا يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إحدى حالين :-

الأولى : لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ، وبهذا يكون متشبها بالذين كفروا من بني إسرائيل الذين حقت عليهم اللعنة على لسان الأنبياء .([18])

الثانية : أنه يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ، وهذا فيه شبه من المنافقين السابق ذكرهم في الآية ، ويستحق  من الجزاء ما ورد في حقهم .

6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة من الهلاك

       إنما تهلك المجتمعات ، ويحق عليها العذاب ، إذا كثر فيها الفساد ، وطغى العباد ، يقول سبحانه {وإذا أَرَدْنَآ أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيراً}([19]) . يقول ابن كثير :  سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها} الاَية، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس.([20])

       والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم سبب نجاة المجتمع من الهلاك الذي ربما أصابه بسبب الذنوب الحاصلة، وتجاوز حدود الله سبحانه وتعالى بالمعاصي من ارتكاب المحرمات ، والإعراض عن الواجبات ، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك مثلاً بديعاً حين قال :(( مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا))([21]) .

      والقائم على حدود الله هو المطيع لله ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وأما الواقع فيها فهو العاصي الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ، وفعله هو سبب هلاك المجتمع ، كما أن من خرق السفينة كان سبباً في هلاك كل من كان في السفينة ، ولكن إذا وجد في السفينة من يأخذ على يديه ويمنعه من فعله الأحمق كان سبباً في نجاته ونجاة كل من في السفينة ، وكذلك إذا وجد في المجتمع من يأخذ على أيدي العصاة فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر يكون سبباً في نجاة هذه المجتمع من الهلاك العام الذي يشمل الصالح والطالح ، كما يقول الله سبحانه وتعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب}([22]، وكما في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش (رضي الله عنها) أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول :((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث))([23]) .

       ولا يكثر الخبث في مجتمع من المجتمعات إلا إذا قل فيه أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

      ولقد أشار الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه إلى طائفة فيما مضى من الزمان كان سبب نجاتها هو النهي عن الفساد في الأرض حين قال سبحانه {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مّمّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ *  وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىَ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}([24]).  

       يقول ابن كثير (رحمه الله تعالى) في تفسيرها : فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله: {إلا قليلاً} أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.([25])

       ومما يدل على نجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذا أراد الله إهلاك الظالمين ما قصه الله سبحانه وتعالى علينا في محكم كتابه عن بني إسرائيل حين قال {وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَا قَالَتْ أُمّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ...}([26]) .

       يبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حال ثلاثة أصناف من بني إسرائيل ، حينما نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الاصطياد في يوم السبت ، فصنف أهملوا النهي وتحايلوا في الاصطياد في هذا اليوم ، ووقعوا فيما حرم الله سبحانه وتعالى عليهم ، وصنف آخر لم يرتكبوا ما حرم الله عليهم فاعتزلوا ولم يأمروا ولم ينهوا ، بل قالوا للمنكرين {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} . أما الصنف الثالث فهم مع اجتنابهم المحرم وامتثال أمر الله سبحانه وتعالى فيه ، لم يسكتوا على فعل الصنف الأول بل بادروا بالإنكار عليهم ونهيهم عن ارتكاب المحرم محتجين بقولهم {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون} .

       فماذا كان جزاء كل صنف من هذه الأصناف؟ قال تعالى  {فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }([27]) ، أنجى الله سبحانه وتعالى الذين ينهون عن السوء وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، وأهلك الله الذين ظلموا وهم الذي وقعوا في الحرام . وأما الذين سكتوا فقد سكت الله سبحانه وتعالى عنهم ولم يبين حالهم ، وقد اختلف المفسرون في مآلهم([28]) . والشاهد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة إذا نزل العذاب على قوم .

6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المكفرات

      من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده أن جعل لهم من الأعمال الصالحة ما يكون سبباً لتكفير الذنوب ، كالصلاة والصوم والحج ونحوها ، ومن هذه المكفرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لما في الصحيحين من حديث حذيفة (رضي الله عنه) قال : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ(رضي الله عنه)  فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا ،قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وَكَيْفَ؟ قَالَ: قَالَ قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: (( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَالَ عُمَرُ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ :أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ))([29]) .

       ففتنة الرجل التي تحصل له في أهله وولده وجاره هو ما يقع فيه من الإثم بسببهم، إما في التقصير بما لهم من الواجبات، أو الوقوع في سببهم في المحرمات، فالفتنة في الأهل على سبيل المثال تكون في الميل إليهن أو عنهن بالقسمة والإيثار ، والفتنة بالولد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد وإيثاره على كل أحد ، أو الإلتهاء بهم عن طاعة الله سبحانه وتعالى، والفتنة في الجار تكون على سبيل المثال في التقصير بحقه، ونيله بالأذى . وهذه الفتنة بالمذكورين قلما يسلم منها إنسان ، ولذا فإنه من رحمة الله سبحانه وتعالى جعل لها أسباباً تكفرها ، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .([30])

7- أنه يزيد في الإيمان 

      من المعلوم في مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وقد بين الأمام مسلم في صحيحه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يزيد به الإيمان حين قال : ((باب كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان)) ثم ساق بعده حديث أبي ذر (رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى))([31]) .

       ووجه كونه سبباً في زيادة الإيمان ، أنه أحد شعب الإيمان ، ثم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الذي يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى سيحاسب نفسه على ما يأمر به وما ينهى عنه خوفاً من الوعيد الشديد الذي جاء في حديث أسامة بن زيد (رضي الله عنه) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه))([32]) . فيكون بهذا من المسارعين إلى ما يأمر الناس به ، ومن المبتعدين عن ما ينهاهم عنه ، فيحصل به من زيادة الإيمان الخير الكثير .

8- الأمر بالمعروف سبب في كسب الأجر الكثير

       من فضل الله سبحانه وتعالى أن جعل هذا العمل العظيم سبباً لحصول الإنسان على ثواب عبادات لم يباشرها ، فمن أمر بصلاة مثلاً كان له مثل أجر من صلاها ، ومن أمر بصدقة أو صوم أو حج أو نحو ذلك من الطاعات ، الواجبات أو المستحبات ، كان له من الأجر مثل أجر من فعلها ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حين قال : ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا))([33]) . وكذلك في قوله : ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))([34]) .

       والأمر بالمعروف  دعوة إلى الهدى ، و دلالة على الخير ، وبالتالي فإن القائم بذلك يحصل من الأجر الشيء العظيم (نسأل الله من فضله) . وأكمل الناس في هذا الجانب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فما عملت الأمة من خير إلا بدلالته إياهم . 

       وكلما كان الإنسان أنشط في هذا الجانب ، كان أكثر نصيباً من الخير الذي يحصل له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا الأجر الحاصل هو ثواب آخر ، لأن الآمر بالمعروف حتى لو لم يستجب له المأمور فإنه مأجور على فعله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

9- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجاة من إثم القول 

      إن اشتغال الإنسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوق ما يكسبه من الأجر الكثير والثواب الجزيل ، فإنه يكون سبباً في سلامته من إثم القول ، ومن عثرات اللسان ، وقد قال المولى سبحانه وتعالى {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}([35]) .

      كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حين قال : ((كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله عز وجل))([36]) .

وبعد

       وبعد معرفة هذا الفضل العظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن نفس الإنسان المسلم تتطلع لكسب هذا الخير الكثير ، من تحقيق الخيرية في النفس، وتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة ، والاتصاف بما كان عليه الأنبياء وعباد الله المؤمنون ، والنجاة من الهلاك ، وتكفير الفتنة في الأهل والولد والجار ، وزيادة الإيمان ، وتحصيل الأجر الكثير، والسلامة في القول ، ونحو ذلك من الفوائد العظيمة للفرد والمجتمع التي لا تعد ولا تحصى ، وقبل ذلك كله قياماً بالواجب وتنفيذاً لأمر الله ورسوله .

       وبعد معرفة ذلك كله ، فماذا عساك تفعل أخي المسلم ، هل تزهد في هذا الخير الكثير والأجر الوفير ؟! لعل ذلك يكون سبباً في تنشيط نفسك ، واستثارة همك ، للقيام بهذا العمل العظيم ، ففيه صلاحك وصلاح مجتمعك وأمتك .

      وليس هذا فحسب، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما يجلب لك الخير الكثير ، فهو أيضاً يدفع عنك من الشرور الشيء العظيم ، الذي ينال من ترك الأمر بالمعروف والنهي المنكر ، وهذا ما سأذكره لك بإذن الله في الصفحات القادمة، وفقك  الله لكل خير . 

 

 

([1])  سورة آل عمران ، الآية 110 . 

([2])  القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 4/109 . 

([3])  انظر : المرجع السابق 4/110،111 .  

([4])  تفسير ابن كثير 1/397 . 

([5])  رواه أحمد في مسنده 6/432  .  

([6])  تفسير ابن سعدي 1/409 .

([7])  سورة آل عمران ، الآية 104 . 

([8])  سورة الأعراف ، الآية 157 . 

([9])  أخرجه البخاري ، الجامع الصحيح ، كتاب البيوع ، حديث رقم 2125 .

([10])  سورة النحل 36 . 

([11])  تفسير ابن سعدي 2/100 . 

([12])  سورة التوبة ، الآية 71 . 

([13])  سورة التوبة ، الآيتان 67،68 . 

([14])  ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم 2/269  . 

([15])  سورة التوبة ، الآية 112 . 

([16])  سورة الحج ، الآية 41 . 

([17])  سورة آل عمران ، الآية 110 . 

([18])  وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله . 

([19])  سورة الإسراء ، الآية ، 16  .

([20])  تفسير القرآن العظيم 3/34 . 

([21])  أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الشركة ، حديث رقم 2493 . 

([22])  سورة الأنفال ، الآية 25 . 

([23])  كتاب أحاديث الأنبياء ، حديث رقم 3346 . 

([24])  سورة هود ، الآيتان 116 ، 117 . 

([25])  تفسير ابن كثير 2/465 .  

([26])  سورة الأعراف ، الآيتان 163،164 . 

([27])  سورة الأعراف ، الآية 165 . 

([28])  انظر : تفسير ابن كثير 2/258، 259 .  

([29])  أخرجه البخاري ، كتاب مواقيت الصلاة ، حديث رقم 525 .  ومسلم - واللفظ له- كتاب الفتن وأشراط الساعة ، حديث رقم 144 .

([30])  انظر : ابن حجر ، فتح الباري 6/605 . 

([31])  أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، حديث رقم 720 . 

([32])  أخرجه البخاري .، الجامع الصحيح ، كتاب بدء الخلق ، حديث رقم 720 .  

([33])  أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب العلم ، حديث رقم 2674 . 

([34])  أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الإمارة ، حديث رقم 1893 .

([35])  سورة النساء ، الآية 114 . 

([36])  أخرجه ابن ما جة في سننه ، كتاب الفتن ، حديث رقم 3974 . 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة