صور من فلسفة العاجزين

 

فلسفة العاجزين وليست فلسفة صناع الحضارة، هي الفلسفة التي يتبناها المجتمع، بمظلاته الكبرى ومؤسساته الإعلامية والثقافية. تتلخص هذه الفلسفة الترقيعية في رفع مستوى الحماس واشتعال العاطفة عندما تضرب أرض مسلمة في ثقل أرض فلسطين التي لها حضور وجداني في ضمير كل مسلم، أما حينما يتوقف الضرب وتكف القذائف عن الانطلاق، فالأمر لدى قنواتنا الفضائية ومنابرنا الإعلامية على اختلافها هو اختيار الكف والامتناع عن الدعوة للإنفاق في أوجه الخير الأخرى، وكأنه ما من قضية يمكن أن تحرر نفس المسلم من الشح إلا حين نرى الأشلاء المتطايرة والجثث المتفحمة جراء القصف الإسرائيلي على المغلوبين على أمرهم من أبناء فلسطين. 

ليست هناك قضايا ساخنة أخرى تشغل بال منابرنا الإعلامية وتستفزهم لفتح أبواب الإنفاق في سبيل الله. والحال يحكي بصمت هو أبلغ من أي صوت، كاشفا فداحة تغييب الدعوة لمشاريع تستثمر لصالح المجتمع وتجير في سبيله. 

إن الذي لديه أدنى إلمام بدور الوقف الإسلامي في صناعة الحضارة الإسلامية طيلة ألف عام من السنين، يعرف جيدا الدور المحوري الذي لعبه الوقف في صناعة الحضارة الإسلامية، ووصولها للمستوى المتقدم الذي حققته حتى قادت العالم ألف عام كاملة، نشرت فيه ضوء الحقيقة وكشفت فيه من العلوم والمعارف ما جعل من هذه الأمة نموذجا متفوقا للدين الذي عمر الدنيا وأصلح شأن العباد والبلاد. 

لعب الوقف الإسلامي حين لم يكن هناك فضائيات ولا إنترنت دورا رائدا، كان فيه أحد أهم مصادر تكوين مجتمع المعرفة، الذي صار مجتمعا حقيقيا له ملامحه وصفاته وأدواره على الأرض. وامتد الوقف الإسلامي ليشمل كل باب للخير تقريبا، مقدما أنموذجا للتكافل والتكامل في المجتمع المسلم، وتاركا بصمته الواضحة إلى هذا اليوم. 

من وقف اليتيم والخادم والبهائم السائبة إلى المستشفيات على اختلاف تخصصاتها وخدماتها العلاجية، مرورا بالتعليم الذي أوقفت له أموال طائلة جعلته في متناول الفقير قبل الغني والمعوز قبل الموسر. 

لقد كان لوقف التعليم عبر القرون الإسلامية الزاهرة دور رائد من زمن هارون الرشيد إلى الدولة العثمانية، مرورا بالدولة الأيوبية والمملوكية، وما سبق من دولة الحمدانيين والإخشيديين وغيرهم ممن تنافسوا في إطلاق مشاريع وقفية استفاد منها أبناء المجتمع المسلم، بل حتى عابري السبيل من غير العرب والمسلمين الذين كانوا ينزلون ضيوفا مكرمين في النزل، وأماكن الضيافة والإيواء ولهم حق الضيف حتى يحققوا مقصدهم من الزيارة. 

لقد لعب الوقف دورا رياديا، لأن فكر المجتمع كان نابعا من مقاصد الإسلام العليا التي شجعت على العطاء، وفتحت الباب على مصراعيه للتنافس على فعل الخير وصناعة المجتمع المتمثل لقيم الإسلام في التضامن والتعاون على الخير. 

ورغم عدم وجدة فضائيات، أو انترنت أو هواتف جوالة ولا حتى صحف سيارة أو إذاعة مرئية أو مسموعة، فإن قاطرة الوقف الإسلامي كانت تمضي على عجلات من النوع الممتاز، وكانت ثمار الوقف الخيري وهباته تصل المحتاجين لكثرة العطاء وتنوعه وزخمه ووجوده في مرافق الحياة المختلفة. 

اليوم، ومع توفر مختلف المنابر التي تحمل هم الإسلام وتريد خدمة المجتمع، نجد تقلصا إلى حد الانكماش في فهم دور الوقف، وقدرته على سد حاجات المجتمع المسلم على تنوع تلك الحاجات وتعقيداتها وكثرتها. 

لا نكاد نرى ونسمع عن وقف خيري لبناء مؤسسة تعليمية على مواصفات عالمية، يشارك في تأسيسها عامة الناس ولو بالدراهم المعدودة والمبالغ البسيطة، فدرهم واحد قد يصنع فرقا في معادلة النهوض الحضاري المنشود!! 

وما لدينا من مشاريع خيرية في الوقت الحاضر هي في أغلبها نابعة من أفراد أثرياء، رغبوا في تقديم جزء من أموالهم في أعمال البر والتقوى، وليس هذا الباب هو الباب الوحيد للخير الذي نريد ويحتاجه المجتمع المسلم اليوم. بصورة ملحة وبشكل غير مسبوق، تناثرت وتطايرت أوراق كثيرة كانت بيد أبناء مجتمعاتنا، فصارت اليوم أوراقا تستخدم ضدهم لتمييع أجيال كاملة والذهاب للهاوية أو قريب منها. 

لم نسمع رغم مرارة الواقع عن وقف للفتيات المتعثرات الحظ اللواتي مررن بتجارب لا أخلاقية مع بعض الشباب وهؤلاء الفتيات حتى لو تعثرن بعض الوقت، فيجب أن لا يحكم عليهن بالعيش عاثرات طوال الحياة!! 

إن جيلا بأكمله يتربى اليوم على ثقافة نانسي عجرم، ويتجرع كؤوس الهوى مع راقصات الكليب في واحدة من أخطر وأسوأ الظواهر الاجتماعية التي مرت بها الأجيال المسلمة. وإن جيلا يتربى على قيم غربية وافدة تهدم في الإنسان كرامته وشعوره بالحياء وتستبيح أخلاقه ومشاعره، لهو جيل يراد له أن يعيش ميتا وأن يتنفس هواء كريها ينبعث من أفواه ما عادت تجد في آيات كتاب الله سلوى لها، وما عادت تعنى بالإصغاء لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم!! 

لقد قلب سلم الأولويات حتى صارت قمته قاعا، وبدايته نهاية بدت للبسطاء والسذج كرامة ونجاحا!!كما أن جيلا يتربى على الافتتان بعارضات الأزياء اللواتي كن أجنبيات في عشرينيات القرن الماضي ثم صرن مصريات وشاميات في فترة الستينيات وما بعدها ثم انتقلن ليكن خليجيات في العقد الأخير من القرن الماضي حتى اليوم هو جيل يغترف من مياه آسنة، ويتجرع كؤوسا قذرة مهما بدأت براقة وجذابة!! هذا الجيل البائس من فتيات اليوم إلى أين يفررن بعد المرور بتجارب عاطفية سلبية مع شبان وجدوهن كالفرائس الميتة، ولم يجدوا أية صعوبة في العبث بهن، ورسم خرائط الوهم في أدمغتهن الفارغة. وما هي إلا أيام أو شهور حتى تكشفت الحقائق وظهر حجم الوهم والسراب لدى فتيات وجدن في عجرم وروبي ونانسي أنموذجا متفوقا للنجاح الأنثوي الأمثل والذي يستحق التقليد والمحاكاة. 

إن المجتمع الإسلامي لم يشهد قط دعوات للفجور المزوّق بألوان مبهرجة، كما يحدث اليوم، والمفجع إلى حد الذهول، أن مؤسساتنا ومنابرنا الجادة لا تفعل شيئا سوى أمرين، إما التفرج وضرب الكف بالكف، أو البكاء والعويل والصياح والندب عبر برامج يقدمها أشخاص كل عدتهم وعظ مكرر، ولغة لا تحمل في طياتها ما يشكل فارقا في حس الفتاة أو وجدانها!! 

إن ذبح الأخلاق، ووأد أحاسيس الشعور بالذات وتحطيم قيم الفتاة تحت معاول الطرق على الغرائز، واللعب بالأنثى وتغريبها، هو موت بطيء وإبادة حقيقية لمشروع امرأة كان يمكن أن تكون أما رائعة وزوجة كريمة وأختا وفية وابنة بارة!! وإن نكوص المجتمع وغفلته البلهاء عن احتضان ألم تلك الفتيات واستيعاب حاجاتهن الفورية لمؤسسات (وقفيّة)، تتوفر بها كافة عناصر نجاح تكوين المرأة الايجابية لهو قصور مخل وسذاجة في التصور والفهم. 

وكل ما نراه على صفحات الويب قصص عن فتيات افترسهن ذئاب البشر ثم التندر على حالهن والتشفي من سوء عواقبهن أما أن نجد حلولا حقيقية فهيهات هيهات ذلك أن المنطق الوقائي وحتى العلاجي منطق مرفوع من فكر سواد امتنا حتى إشعار آخر. لتسقط مائة فتاة أو ألف أو أكثر فذلك لا يحرك عضلات التفكير لدى كتابنا الأشاوس الذين يتندرون بالواقع ويستهزئون بتردي الحال لكنهم لا يخبرونا عن المخرج من تلك الظلمة حيث كل دورهم ينصب على جلد الذات ونعتها بأقسى النعوت ثم يجف القلم السيّال، ويتقلص الفكر المتقد عن إمطارنا بحلول أو خيارات للتغيير!! 

آلاف الأقلام المنددة والشاكية لحالنا، يتوقف يراع عباقرتها عن تقديم فكرة عملية واحدة لتغيير الواقع من حولنا!! 

إن الفكرة العظيمة التي تسيطر على كتابنا البكائين هي النقد للنقد ذاته، والشتم للشتم ذاته، أما وصف الحلول وتقديم فكرة عملية لتغيير الحال، مجرد فكرة واحدة عملية تذيل بها آلاف المقالات الشاجبة، فهيهات هيهات، فالعقول مشدودة للقول بأن هناك حريقا يضطرم، أما طريقة جلب الماء من مورد ماء مناسب فتلك عقدة غابت عن ذهن كثير من المشتغلين بالكتابة في هذا الزمن!!

لقد تركوا التغيير لأجيال قادمة تأتي من رحم الغيب وتطهر عقلها من أوزار اليأس والقنوط وتبدأ في البحث عن حلول سهلة وممكنة وعملية وقابلة للتطبيق، متأسية بفعل سيد الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام، حينما كانت رحلته الدعوية مزدانة بآلاف الأفكار الممكنة، فالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كانت فكرة ممكنة، وبناء المسجد النبوي في المدينة كان فكرة ممكنة أخرى، والجلوس لحل مشاكل الناس والإصغاء لمعاناتهم، كان أيضا سلوكا عمليا ترجم معنى التراحم والإصلاح إلى واقع ملموس. 

كانت حياته صلى الله عليه وسلم عبارة عن أفكار، بدت صعبة التحقيق، لكن لقناعته بأن التغيير لا يأتي دون عمل فقد طرح أفكاره واحدة تلو أخرى وكان الجمهور المستمع هو الجمهور المعني بالتطبيق. وتلك سمة الأنبياء وصفة الدعاة العمليين، الذين لا يرفعون شعارات بكماء، بل يضعون خططا على الأرض ويفتحون للناس أبواب العمل الصالح. وأي عمل كان أكبر من تهلل وجهه الشريف مع كل حفنة حنطة، وكف من تمر، ودراهم معدودة، جاد بها المسلمون لتجهيز جيش العسرة في فترة من العام كانت صعبة وقاسية!! 

كانت الأفكار النبوية ـ كلها ـ أفكارا عملية، واستوعبت حياته الكاملة، ونتج عنها أطيب الثمار.لم يشغل نفسه عليه الصلاة والسلام بوصف الواقع ولعن كفار قريش بل شغل نفسه بدعوته وشتان بين الاكتفاء بتعرية الواقع وبين الدعوة العملية التي لها برنامج واضح وخطوات منهجية مدروسة!! وحتى حينما قنت عليه الصلاة والسلام في بعض صلواته فقد أتبع ذلك برد عملي لقن الكفار درسا في العزة والكرامة وحماية الدماء وحقن الأموال. 

إن حياته الكاملة التامة التي شكلت للبشرية فارقا بين الوجود والعدم وبين النور والعتمة باتت اليوم تاريخا لدى بعض منابرنا الثقافية فهم يقدمون الوصف ويعجزون عن تشكيل رؤية لتدفق تلك الأفكار لعالم الحقيقة والواقع.فضائياتنا الجادة، تتكلم بالساعات عن التكافل الإسلامي، وتعجز عن تقديم مبادرة واحدة لكيفية تحقيق ذلك التضامن الإسلامي بمعناه العملي وليس النظري الصامت. 

إن بث الساعات الطوال من الكلام الوعظي، الذي لا يشفعه ويتبعه برامج عملية، تفتح الأبواب لتدفق شتى أنواع العطاء لصناعة المجتمع الذي نريد، هو حالة من المراوحة في المكان، وإن بدا ذكر الله يسري في تلك القناة الفضائية ويتردد في جنباتها، فإن غياب الفكر العملي حتى اللحظة، يعد واحدا من أبرز أنواع القصور التي يعاني منها الخطابي الإعلامي عبر الفضائيات والقنوات التلفازية.

لو غادرنا شطر هذا الباب، وولجنا مواقع الانترنت ذات الحضور الإعلامي المميز، فمن النادر أن نلحظ مبادرة تفتح الباب لتدفق المال لمشاريع حقيقية، تسد بعض الحاجات لمجتمع فتحت عليه نيران التغريب، وتضاعفت فيه مساحة التخريب والألم، بينما اختار المخلصون تشخيص الداء وغفلوا عن نعت الدواء!! 

ما الذي سيستفيد منه المريض إن أخبرناه أنه مبتلى بداء عضال إذا لم يتبع ذلك جملة من السلوكيات الصحيحة لتخفيف آلامه وعلاج أسقامه. هذا مع الأسف الشديد، منطق الكثير من الغيورين اللذين يشجبون الواقع ويلعنون الحال، لكن يغيب عنهم وصف الدواء وتقديمه على جرعات مبسطة لكنها متتالية، تقدم كل خطوة بين يدي الثانية، أملا جديدا وتفتح نافذة حقيقية للإصلاح، بدلا من التلاوم والتباكي على لبن لم يسكب كله بعد!! 

ما زال فينا خير كثير، ونحتاج لمن يفكر بالمنطق العملي ويحفزنا على العطاء، بدلا من أن تمتد أيدينا لجيوبنا فقط في ساعة الموت السريع تحت قنابل شيطان مريد!! شياطين كثر يجب أن تتصدى لهم الأمة مجتمعة، ومن العيب أن نلتفت لشيطان واحد ونعجز عن التصدي لباقي الشياطين!

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة