شروط القصاص في الزنا

 

شروط الشهادة في الزنى : وكان غرض الشارع من هذا التشديد أن يسد السبيل على الذين يتهمون الأبرياء ظلما أو لأدنى حزازة بعار الدهر وفضيحة الأبد، فاشترط في الشهادة على الزنى الشروط الآتية :
أولا: أن يكون الشهود أربعة لقوله تعالى : "فاستشهدوا عليهن اربعة منكم" بخلاف سائر الحقوق فإنه يقبل فيها شهادة اثنين فقط. ثانيا: أن يكون الشهود ذكورا، فلا تقبل شهادة النساء في هذا الباب لقوله تعالى : أربعة منكم، أي من الرجال وقوله تعالى: "ثم لم يأتوا بأربعة شهداء". والمراد بالشهداء الرجال بدليل تأنيث العدد.
 ثالثا: أن يكون الشهود من أهل العدالة لقوله تعالى: "و اشهدوا ذوي عدل منكم" وقوله :"إن جاءكم فاسق بنبأ".
رابعا: أن يكون الشهود "مسلمين عاقلين بالغين " وهذه شروط التكليف.
خامسا: أن يعاينوا الجريمة برؤية فرجه في فرجها كالميل في المكحلة، والرشاء في البئر، لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : "ادرؤوا الحدود بالشبهات" . فربما كانا في فراش واحد ولم تحصل منهما جريمة الزنى.
سادسا: اتحاد المجلس بأن يشهدوا مجتمعين، فإن جاؤوا متفرقين لا تقبل شهادتهم وهو مذهب الجمهور.
 هذه هي الشروط التي تشترط لإثبات الزنى، وهي الطريقة الأولى.
وهناك طريقة ثانية لإثبات الزنى وهي طريقة "الإقرار" بأن يشهد الشخص على نفسه ويعترف صريحا بالزنى. والإقرار - كما يقولون - سيد الأدلة ! "بل الإنسان على نفسه بصيرة"، وقد أخذ الرسول صلى الله عليه و سلم باعتراف ماعز والغامدية، وأقام عليهما الحد بمجرد الاعتراف ولم يكلفهما البينة، ولكن يطلب التثبت في أمر الإقرار. واعتبر بعض الفقهاء "الحبل " كقرينة على اقتراف فاحشة الزنى. ولم يحصل في عصره صلى الله عليه و سلم إقامة حد الزنى إلا عن طريق الإقرار وذلك في حادثتين اثنتين هما حادثة ماعز، وحادثة الغامدية وإليك بيانهما .
1 - قصة ماعز الأسلمي:
روي أن "ماعز بن مالك الأسلمي " كان غلاما يتيما في حجر "هزال بن نعيم " فزنى بجارية من الحي فأمره هزال أن يأتي النبي صلى الله عليه و سلم ويخبره بما صنع لعله يستغفر له، فجاء النبي صلى الله عليه و سلم وهو في المسجد فناداه : يا رسول الله "إني زنيت" فأعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم وقال له : ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال : "إني زنيت " فاعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال "طهرني يا رسول الله فقد زنيت" فقال له أبو بكر الصديق : لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله صلى الله عليه و سلم لكنه أبى فقال يا رسول الله : "زنيت فطهرني" . فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت" قال لا، فساله رسول الله صلى الله عليه و سلم باللفظ الصريح الذي معناه : "الجماع " فقال نعم ، قال : حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم ، قال: كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم فسأله النبي هل تدري ما الزنى؟ قال : نعم أتيت منها حراما ما ياتي الرجل من أهله حلالا، قال : فما تريد بهذا القول : قال إني أريد أن تطهرني فامر صلى الله عليه و سلم به فرجم، فلما أحس مس الحجارة صرخ بالناس : يا قوم ردوني إلى رسول الله فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله غير قاتلي، ولكن الناس ضربوه حتى مات فذكروا فراره لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه وسمع الرسول بعض الصحابة يتكلم عنه ويقول : لقد رجم رجم الكلاب فغضب وقال : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم ". وفي رواية أخرى . "والذي نفسي بيده أنه الان لفي أنهار الجنة ينغمس فيها"
2 - قصة الغامدية :
وروى مسلم في صحيحه أن امرأة تسمى "الغامدية" جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : يا رسول الله "إني زنيت فطهرني" فردها صلى الله عليه و سلم فلما كان من الغد قالت : يا رسول الله لم تردني ؟ لعلك تردني كما رددت ماعزا؟ فوالله إني لحبلى، فقال : "أما الآن فاذهبي حتى تلدي "، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت : هذا قد ولدته ، قال : "فاذهبي فارضعيه حتى تفطميه "، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فنضح الدم على وجه "خالد بن الوليد" فسبها، فسمعه صلى الله عليه و سلم فقال : "مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ، ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت".
أقول : إن مثل هذه الحوادث قد وقعت في "عصر النبوة" أفضل العصور وحصلت مع بعض الأفاضل من أصحاب الرسول، وذلك لحكمة سامية حتى يكتمل التشريع ويتم الدين بتنفيذ الحدود من الرسول صلى الله عليه و سلم في عصره وزمانه وليظل تشريعا عاما خالدا مدى الأزمان وعبر الأجيال، فلو لم تحصل أمثال هذه الحوادث لأصبحت هذه "الحدود الشرعية التي فرضها الله وأوجبها على عباده أخبارا تروى، وحكايات تذكر، ولما أمكن أن تنفذ في عصر منالعصور بعد، وقد أراد الله عز وجل أن تبقى شريعة خاتم المرسلين شريعة كاملة خالدة مطبقة في جميع العصور، وقانونا نافذا على جميع الأمم ، فحصل ما حصل من وقوع بعض الصحابة في بعض المخالفات - مع أنهم أكمل الناس - ليتم التشريع ويكمل الدين بتنفيذ الرسول الحدود عليهم. فانظر إلى هذه النفوس الكريمة التي لم تتحمل عظم هذا الذنب فجاءت تريد الطهارة منه "إني زنيت فطهرني " لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فيا لها من نفوس كريمة رباها الإسلام ودربها على الطهر والعفة والاستقامة؟

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة