شبهة العقوبات

 

هل يمكن أن تطبق اليوم تلك العقوبات الهمجية التي كانت تطبق في الصحراء ؟ هل يجوز أن تقطع يد في ربع دينار ؟ اليوم في القرن العشربن الذي يعتبر المجرم فيه ضحية من ضحايا المجتمع ، ينبغي علاجه ولا يجوز أن تمتد إليه يد بالعقاب ؟ إن القرن العشرين يجيز لك مثلا أن تقتل أربعين ألفا في الشمال الإفريقي في مجزرة واحدة لأنهم أبرياء، ولكن كيف يجيز لك أن تعاقب فردا واحدا لأنه مجرم أثيم ؟ ويل للناس من الألفاظ .. كم تخدعهم عن الحقيقة ؟ ! فلنترك حضارة القرن العشرين تتخبط في اثامها ، ولنبسط فكرة الجريمة والعقاب في الإسلام. إنه لا يقرر العقوبات جزافا، ولا ينفذها كذلك بلا حساب. وله في ذلك نظرة ينفرد بها بين كل نظم الأرض، نظرة تلتقي حينا برأي الدول الفردية (التي تمجد الفرد) ، وحينا برأي الدول الجماعية (التي تمجد المجتمع) ، ولكنها تمسك بميزان العدالة من منتصفه، وتحيط بالظروف والملابسات كلها في وقت واحد، وتنظر إلى الجريمة في آن واحد بعين الفرد الذي ارتكبها، وعين المجتمع الذي وقعت عليه ثم تقرر الجزاء العادل الذي لا يميل مع النظريات المنحرفة ولا شهوات الأمم وإلأفراد. يقرر الإسلام عقوبات رادعة قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذا سطحيا بلا تمعن ولا تفكير، رلكنه لا يطبقها أبدا حتى يضمن أولا أن الفرد الدي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار. فهو يقرر قطع يد السارق، ولكنه لا يقطعها أبدا وهناك شبهة بأن السرقة نشأت من الجوع . وهو يقرر رجم الزاني والزانية، ولكنه لا يرجمهما الا ان يكونا محصنين، وإلا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة. أي يتبجحان بالدعارة حتى ليراهما كل هؤلاه الشهود، وهما متزوجان. وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإسلام. ونحن نأخذ هذا من مبدأ صريح قرره عمر بن الخطاب، وهو من أبرز الفقهاء في الإسلام وهو فوق ذلك رجل شديد التزمت في تطبيق الشريعة ، فلا يمكن اتهامه بالبحبحة في التطبيق. وعمر لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة، عام الجوع، حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع.
فإذا استعرضنا سياسة الإسلام في جميع العقوبات التي قررها ، وجدنا أنه يلجأ أولا إلى وقاية المجتمع من الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة، وبعد ذلك لا قبله يقرر عقوبته الرادعة وهو مطمئن إلى عدالة هذه العقوبة، بالنسبة لشخص لا يدفعه إلى جريمته مبرر معقول. فإذا عجز المجتمع لسبب من الأسباب عن منع مبررات الجريمة، أو قامت الشبهة عليها في صورة من الصور، فهنا يسقط الحد بسبب هذه الظروف المخففة، ويلجأ ولى الأمر إلى إطلاق سراح المجرم أو توقيع عقوبات التعزير - كالضرب والحبس - بحسب درجة الاضطرار أو درجة المسؤولية عن الجريمة. فهو مثلا يسعى إلى توزيع الثروة توزيعا عادلا، وقد وصل في عهد عمر بن عبد العزيز إلى إلغاء الفقر من المجتمع . ويعتبر الدولة مسئولة عن كفالة كل فرد فيها بغض النظر عن دينه وجنسه ولغته ولونه ومكانه في الحياة الاجتماعية. والدولة تكفل أفرادها بإيجاد العمل الكريم لهم. أو من بيت المال إذا لم يوجد عمل، أو عجز عنه فرد من الأفراد. وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة. ومع ذلك يحقق في كل جريمة تقع، ليتأكد قبل توقيع العقوبة أن مرتكبها لم يرتكبها بدافع الاضطرار. وهو يعترف بقوة الدافع الجنسي وعنف إلحاحه على البشر. ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع : طريق الزواج ، فيدعو إلى الزواج المبكر، ويعين على إتمامه من بيت المال إذا حالت الظروف الخاصة دون إتمامه. ويحرص كذلك على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء التي تثير الشهوة، وعلى وضع الأهداف العليا التي تستنفد الطاقة الحيوية الفائضة وتوجهها في سبيل الخير، وعلى شغل أوقات الفراغ في التقرب إلى الله، وبذلك كله يمنع الدوافع التي تبرر الجريمة. ومع ذلك فهو لا يبادر بتوقيع العقوبة حتى يكون مرتكبها قد تبجح بها استهتارا بتقاليد المجتمع وإمعانا في الهبوط الحيواني حتى ليراه أربعة شهود.
وأول ما يتبادر إلى الذهن هو أن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والخلقية الموجودة اليوم، كلها تباعد بين الشباب وبين الزواج، وتقرب بينهم وبين الجر يمة وذلك صحيح. والإسلام ينبغي أن يؤخذ كله وإلا فهو غير مسئول عن انحرافات الجاهلية. وحين يحكم الإسلام فلن تكون المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعا إلى الهبوط. لن تكبرن السينما العارية والصحافة الخليعة والأغاني المبتذلة والفتنة الهائجة فى الطريق. ولن يكون الفقر الذي يمنع الناس من الزواج. وعندئذ فقط يطالب الناس بالفضيلة وهم قادرون عيها وتوقع عليهم العقوبة وهم غير معذورين. وهكذا شأن الإسلام في بقية العقوبات. يعمل على وقاية المجتمع أولا من دوافع الجريمة، ئم يدرأ الحدود بالشبهات زبادة في الاحتياط. فأي نظام في الدنيا كلها يبلغ هذه العدالة؟ وإن "الإفرنج" الذين يخشى المسلمون تشنيعهم على الإسلام بسبب تطببق هذه العقوبات ليستفظعونها ويرون فيها إهدارا لكيان الفرد واستهتارا بشأنه ، لأنهم لم يدرسوا نظرة الإسلام للجريمة والعقاب عل حقيقتها. ولأنهم يتصورون خطأ إنها كعقوباتهم " المدنية" ستطبق كل يوم، فيتصورون في المجتمع الإسلامي مجزرة هائلة : هذا بجلد وهذا يقطع وهذا يرجم. ولكن الواقع أن هذه العقوبات الرادعة لا تكاد تنفذ. ويكفي أن نعلم أن حد السرقة لم ينفذ إلا ست مرات في أربعمائة سنة لنعرف انها عقوبات قصد بها التخويف الذي يمنع وقوعها ابتداء. كما أن معرفتنا بطريقة الإسلام في وقاية المجتمع من أسباب الجريمة قبل توقيع العقوبة تجعلنا في اطمئنان تام إلى العدالة في الحالات النادرة التي توقع فيها هذه الحدود . . ! ولن يجد هؤلاء "الإفرنج" أو غيرهم ما يخشونه من تطبيق الحكم الإسلامي إلا أن يكونوا كلهم مجرمين بالطبع، مصرين على الإجرام رغم انتفاء المبررات الي تدفعهم إلى الجريمة !
وربما خيل لبعض الناس أنها إذن عقوبات صورية لا قيمة لها في الواقع وهذا غير صحيح. فهي موجودة لتخويف بعض الأفراد الذين لا يلجئهم إلى الجريمة دافع معقول، ولكنهم مع ذلك يحسون ميلا إليها وإقبالا على ارتكابها، فمهما تكن أسباب هذا الدافع فسوف يراجع هؤلاء الأفراد أنفسهم مرات عديدة قبل ارتكاب الجريمة خوفا من العقاب. وإن من حق المجتمع ما دام يعمل في سبيل الخير، ويرعى الجميع بعنايته، أن يطمئن على أرواحه وأعراضه وأمواله أن تمتد إليها يد العدوان. ثم إن الإسلام لا يمتنع عن علاج هؤلاء النزاعين إلى الجريمة بغير مبرر واضح، ولا يتركهم - إذا اكتشفهم - فريسة لما ينطوون عليه من انحراف.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة