سنن : الإبتلاء ، التمحيص ، التمكين

الاوسمة: 

سنة الابتلاء

ومن أهم هذه السنن التي نبَّه إليها القرآن الكريم : سنة الإبتلاء ؛ فهي تضع المؤمن على محك الإختبار ، لقوله تعالى : (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) العنكبوت : 2 ـ 3 ، وقوله جل ثناؤه : (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء : 35 ، وقول عز من قائل : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) المؤمنون : 30 .

·        ومن ثبات تلك السنة أنها قد بسطت في وحي الله وعلمها أناس قبل أن تقرأ في القرآن الكريم ؛ فهذا ((ورقة بن نوفل)) ـ الذي كان لديه علم بما عند أهل الكتب ـ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة : يا ليتني فيها جذعًا ، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك ، فيسأله النبي في تعجب : ((أومخرجي هم؟!)) قال : نعم ، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي (الحديث)1 . 

·        وهذا قيصر الروم يقول في حديثه مع أبي سفيان : ((سألتك كيف كان قتالكم إياه ، فزعمت أن الحرب سجال ودول ، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة))2 .

·        وجاء في الحديث الصحيح : ((إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان . وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً ، فقلت : ربي ، إذًا يثغلوا فبدعوه خبزة ، قال : إستَخْرِجْهم كما إستخرجوك ، وأغزهم نُغْزِكَ ، وأنفق فسننفق عليك ، وإبعث جيشًا نبعث خمسة مثله ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك))3 .

في هذا الحديث دلالة إعتبار ذلك الواقع الضخم ومراعاته، وكذلك ضخامة التكليف وعبء الحمل، كما يوضح مع ذلك كيف تلتقي السنن الربانية، ومنها سُنّة إشتراط الجهد البشري وإبتلاء بعض الناس ببعض، مع سنة العهد الرباني بنصر دينه وأوليائه وإن طال الإبتلاء، فهما مقترنتان متضافرتان تعملان عملاً واحداً في نهاية المطاف4.  

ولعلم الله عز وجل أن الإبتلاء هو الوسيلة لتمييز الصفوف وتمحيص القلوب ، جعله سنة ماضية ؛ فحمل الأمانة لا يصلح له كل الناس ، بل يحتاج إلى قوم مختارين ، وهم الصفوة الذين يُعَدّون لهذا الأمر إعداداً خاصًّا ليحسنوا القيام به .

ويضرب محمد قطب مثلاً لذلك قائلاً : ((أرايت لو أنَّ قائداً أراد إعداد جنوده للفوز في معركة صعبة ضاربة ، أيكون من الرحمة بهم أن يخفف لهم التدريب ويهون لهم الإعداد ، أم تكون الرحمة الحقيقية بهم أن يشدد عليهم في التدريب ، على قدر ما تقتضيه المعركة الضارية التي يعدهم من أجلها ؟ .

والمؤمنون هم حزب الله وجنوده ـ ولله المثل الأعلى ـ والمعركة التي يعدهم من أجلها هي المعركة العظمى : معركة الحق والباطل التي ينصر فيها الله الحق على يد أولئك الجنود حسبما إقتضت مشيئته وجرت سنته))5.   

ومن النتائج المترتبة على سنة الإبتلاء لاحقاً : سنة التمحيص:

 فالمؤمن من جهة يتعرض للمحنة ، فيصقل معدنه من أثرها ، وينضج بها كما ينضج الطعام بالنار .

والمنافق من جهة ثانية لا يستطيع الصمود أمام الفتنة ؛ فتخور قواه ، وتنحل عراه ، ويَنْكُصْ على عقبيه ؛ ولهذا جعل الله تعالى التمحيص مَعْبَرًا لتنقية الصف المؤمن من أدعياء الإيمان ، فيقع به التمييز بين الدر الثمين والخرز الخسيس ، كما في قوله تعالى : (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) آل عمران : 179 ، وقوله تعالى : (وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) آل عمران : 154 . 

وعلى ضوء سنة التمحيص تتحقق سنة أخرى ، وهي سنة التمكين ؛

إذ يمكِّن الله عز وجل للمؤمنين في الأرض بعد أن يثبتوا جدارتهم وإستحقاقهم للنصر بلجوئهم إليه وحده في وقت المحنة ، وتجردهم له وتطلعهم إليه في زمن الشدة ، مستيقنين من نزول نصره بعد الأخذ بكافة الأسباب المأمور بها شرعًا من صبر وتقوى وإعداد . وقد أدرك أهل العلم والبصيرة هذه الحقيقة ؛ فعندما سئل الإمام الشافعي رحمه الله : أيما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يبتلى؟ قال : (لا يمكَّن حتى يبتلى)6 .

ومحصَّلة هذه السنن : أنَّ بعضها يمسك برقاب بعض كحلقات السلسلة يشد بعضها بعضًا ، فلا تمكين بلا تمحيص ، ولا تمحيص بلا إبتلاء ، إذ متى تحققت أوائلها تحققت أواخرها . إنها سنن ساطعة وحقائق ثابتة .

وجدير بالإشارة أن الحكمة من صرامة وثبات السنن الربانية : هو أن تنضبط الموازين ، وتستقر معايير الحكم على الأشياء والمواقف والأحداث والرجال ، لكن من ناحية أخرى : لا ينبغي أن يغتر المؤمن بهذا الإطراد والإستمرار ؛ لأنه قد يورث الغفلة ، قال تعالى : (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ {196} مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) آل عمران : 196 ـ 197 .

الاستدراج والاملاء

فحين يشاهد المؤمن الكفار وهم يسعون في الأرض ويمكَّنون إقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا ، وتفيض عليهم كنوز الأرض وخيراتها ، فيعلم أن ذلك يندرج ضمن ((تمكين الإستدراج)) أو ((سنة الإملاء)) ؛ فمن سنن الله الجارية أن يملي للكفار قبل أن يهلكهم : (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) الحج : 48 .

كما ينبغي أن لا يغتر المؤمن بديمومة وإمتداد النعم ؛ فدوامها ينسي ـ عادة ـ أنها قد تزول في الدنيا بسبب من الأسباب ، أو تضمحل وتذهب بموت الإنسان ، ولذلك نبَّه القرآن الكريم إلى الإعتبار بفنائها وزوالها : (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ {205} ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ {206}‏ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) الشعراء : 205 ـ 207 . 

1  ـ أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ، كتاب بدء الوحي ، باب حدثنا يحيى بن بكير ج1 ، ص 3 قال في فتح الباري : ((جذعًا)) بالنصب على أنه خبر كان المقدرة قاله الخطابي ، وفي رواية الأصيلي : ((يا ليتني فيها جذع)) ج1 ، ص 26 .

2  ـ أخرجه البخاري والسير ، باب : (قُلْ هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) والحرب سجال ، ج3 ، ص 204 ـ 205 .

3  ـ أخرجه مسلم في الجامع الصحيح ، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ، كتاب الجنة ، ج17 ، ص 197 ـ 198 .

4  ـ سفر بن عبد الرحمن : ظاهرة الإرجاء ، ص 16 .

5  ـ محمد قطب : حول التفسير الإسلامي للتاريخ ص 111 .

6  ـ إبن القيم : الفوائد ، ص 227 .

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة