سمات السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد

الاوسمة: 

1- إن هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأجرام سماوية ، وما يصدر عن هذه الموجودات وما يتعلق بها ويحل فيها ، وما يقع من حوادث كونية كنزول المطر وهبوب الريح وثوران بركان وتعاقب الليل والنهار ، وما يحصل للإنسان من أطوار خلقه وتكوينه في بطن أمه وما يحدث له وللأمة من شقاء وسعادة ورفعة وسقوط وعلو وانحطاط وقوة وضعف وبقاء وفناء ونحو ذلك كل ذلك الذي ذكرنا وجوده وحدوثه في العالم لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق صارم لا يخرج عن أحكامه شيء.

2- الوجه الأول لهذا القانون العام :

ولهذا القانون العام الذي أشرت إليه وجهان : (الوجه الأول) هو الذي تخضع له جميع الكائنات الحية في وجودها المادي وجميع الحوادث المادية ، ويخضع له كيان الإنسان المادي وما يطرأ عليه مثل نموه وحركة أعضائه ومرضه وهرمه ولوازم بقائه حياً ونحو ذلك. وهذا الوجه من القانون العام وما يخضع له مما ذكرناه من الأمور المادية للكائنات ، أقول هذا الوجه من هذا القانون لا يختلف في وجوده أهل العلم بهذه الأمور المادية ، ولا يختلفون في خضوع ما ذكرناه له.

 

3- دلالة القرآن على هذا الوجه من القانون :

قد دل القرآن الكريم على هذا الوجه من هذا القانون العام في آيات كثيرة منها قوله تعالى : (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي إليها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) , وفي خلق الإنسان وخضوعه لهذا الوجه من القانون قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) ، من الواضح البين أن خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها وهو في بطن أمه يخضع في ذلك كله إلى قانون عام ثابت.

4- من سمات هذا القانون الثبات والاستمرار :

ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول ، ثباته واستمراره بدليل اطراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون ، فالأرض تحيا بالمطر ويخرج منها النبات ، قال تعالى : (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون). وكذلك جريان الشمس والقمر ، وجريان الفلك في البحر وفقاً لهذا القانون العام ، ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظواهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون ، ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفت النظر إليها واعتبارها من آيات الله تعالى. فمن هذه الآيات قوله تعالى : (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).

5- آلات المعرفة بهذا القانون :

وآلات المعرفة بهذا القانون العام هي ما أشارت إليه الآية الكريمة : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون). قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : (وجعل لكم) أي وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به.

6- سبيل المعرفة بالقانون العام (بوجهه الأول) :

وسبيل المعرفة بالقانون بالآلات التي ركبها الله في الإنسان (السمع والأبصار والأفئدة) يكون بالمشاهدة والنظر والتأمل واستخلاص النتائج في ضوء ذلك للتعرف على القواعد التي تحكم موجودات هذا العالم وحوادثه المادية. جاء في تفسير الآلوسي بصدد الآية الكريمة : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) ، قال الآلوسي رحمه الله تعالى : (والمعنى : جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزيئات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم – أي بعقولكم – وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية).

والقرآن الكريم أمر بالنظر والتفكير فيما خلق الله السموات والأرض ليزداد الناس يقيناً بأن الله الخالق العظيم ، وليعلموا أن ما خلقه الله كان بدقة ونظام ، وأن كل ما فيه يجري بأمر الله ، أي وفق ما وضعه له من نظام. فمن هذه الآيات الداعية إلى النظر في الكون والتأمل بما فيه للوقوف على أسراره وكيفية جريانه قوله تعالى : ( قل انظروا ماذا في السموات والأرض) .

ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قبل المسلم والكافر ، وأكثرهما جدية ونشاطاً ونظراً وبحثاً وسعياً أكثرهما وقوفاً عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته. فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين ، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه ، لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم ، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة الإسلامية فما تبيحه أو توجبه فهو مباح أو الواجب وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام.

7- الوجه الثاني من القانون العام :

أما الوجه الثاني من القانون العام فهو الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات. وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء والعز والذل والرقي والتأخر والقوة والضعف ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقاً لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني.

8- هل يوجد هذا القانون في الشريعة الإسلامية :

ونتساءل : هنا هل يوجد هذا القانون بوجهه الثاني في الشريعة الإسلامية ويخضع له البشر في أفعالهم وسلوكهم وما يترتب عليها من نتائج في ضوء قواعد هذا القانون وأحكامهم ؟ والجواب : إن الشريعة الإسلامية – بكتابها العزيز القرآن ، وبالسنة النبوية الكريمة – تبين بوضوح وجلاء وجود (سنة عامة) لله تخضع لحكمها تصرفات البشر وأفعالهم وسلوكهم ومواقفهم من شرع الله وما قد يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهل تعني (سنة الله) ما نعنيه بالقانون العام الذي نتكلم عليه ؟ والجواب يعرف بعد أن أبين تعريف سنة الله في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء التفسير.

9- تعريف سنة الله :

السنة في اللغة تعني السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة. وفي النهاية لابن الأثير : (والأصل في هذا اللفظ – السنة – الطريقة والسيرة. وفي حديث المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم). وقال الفيروز آبادي في معنى (السنة) : والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من سن سنة حسنة) أي طرق طريقة حسنة ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحراها. وقال شيح الإسلام ابن تيمية : (والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول : ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار). وقال الإمام الرازي في تفسيره : (والسنة : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع) .

10- التعريف المختار لسنة الله :

يلاحظ أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى (الطريقة المتبعة) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة.

11- سنة الله هي القانون العام :

وحيث أن سنة الله تعالى المتعلقة بأفعال البشر وسلوكهم هي طريقته المتبعة في معاملته للبشر، كما قلنا، وما يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهذا يعني أن معنى (السنة) هو معنى (القانون العام) من حيث خضوع أفعال البشر وسلوكهم إلى أحكام هذه (السنة) التي يمكن تسميتها بالقانون العام.

12- سنة الله تتسم بالثبات والاطراد والعموم :

وما دامت (سنة الله) هي القانون العام الذي يحكم أفعال البشر وسلوكهم فإنها تتسم بالثبات والاطراد والعموم ، وهذا هو شأن القاعدة القانونية. فهي ثابتة لا تتغير ، قال تعالى : (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً). وقال تعالى : (فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً).

وهي مطردة لا تتخلف ، ويدل على اطرداها أن الله تعالى قص علينا قصص الأمم السابقة وما حل بها لتتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ، ولولا اطرداها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها. فمن هذه الآيات قوله تعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار) بعد أن قص الله تعالى علينا ما حل ببني النضير لسوء أعمالهم ، قال الآلوسي في هذه الآية : أي فاتعظوا بما جرى عليهم – أي على اليهود من بني النضير – من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار ، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي ، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله – الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين – إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عز وجل بل توكلوا عليه). وكذلك قوله تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين).

وهي ، أي سنة الله ، تتصف بالعموم أي أنها عامة يسري حكمها على الجميع دون محاباة ولا تمييز ، قال تعالى : (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر) ، (ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مذكر). أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. وقال تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به) ، والمعنى أن كل من يعمل سواءً يلق جزاءه ، لأن الجزاء بحسب سنة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه. فسنة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم. ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل بهم ، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم ، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها.

13- السبيل لمعرفة (سنة الله) :

والسبيل لمعرفة سنة الله أي الوجه الثاني للقانون العام هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم وسنة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فما فيهما هو القول الفصل ، وما بيناه – أي القرآن والسنة النبوية – من أنه هو (سنة الله) أي قانونه العام الذي تجري بموجبه أحداث ووقائع البشر ، فهذا البيان هو الحق المبين والقول الصدق : (ومن أصدق من الله قيلاً) ، وهو الإخبار الحق الصادق عن هذا القانون العام (ومن أصدق من الله حديثاً).

14- الإخبار عن (سنة الله) بصيغ متنوعة :

وقد يخبرنا الله تعالى (سنته) أي عن القانون العام الذي وضعه الله لحكم سلوك البشر وأفعالهم وما يصيبهم ، قد يخبرنا عن ذلك بغير لفظ (السنة) كأن يعبر عن (سنته) بتقرير نتيجة معينة بناء على وصف معين أو حالة معينة أو بناء على سبب أو شرط معينين ، فيكون هذا الإخبار بهذه الصيغ إخباراً عن سنة ثابتة لله تعالى كما في قوله تعالى : ( تلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) ، وقوله تعالى : (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

15- أهمية دراسة سنن الله :

وسنن الله تعالى التي بينها الله في القرآن الكريم أو بينها الرسول صلى الله عليه وسلم جديرة بالدراسة والفهم ، بل إن دراستها وفهمها من الأمور المهمة جداً والواجبة ديانة ، لأن معرفتها معرفة لبعض الدين قال تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين). قال الآلوسي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : ( والمراد من ( كل شيء) ما يتعلق بأمور الدين أي بياناً بليغاً لكل شيء يتعلق بذلك ، ومن جملته أحوال الأمم أنبيائهم).

ومن الواضح أن أحوال الأمم مع أنبيائهم التي اعتبرها الآلوسي رحمه الله بحق أنها من جملة الدين ، هذه الأحوال تعني ما جرى لهم مع أنبيائهم وما حل فيهم بسبب سلوكهم معهم وموقفهم منهم وفقاً لسنة الله ، وما طلبه الله منا من الاتعاظ والاعتبار بهم. فيتحصل من ذلك أن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين ، وأن هذه المعرفة ضرورية. ومن الواجبات الدينية لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا تقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة ، وبذلك ننجو مما حذرنا الله منه ، ونظفر بما وعد الله به عبادة المؤمنين المتقين.وهذه السلسلة القادمة من المقالات سوف تتحدث عن الوجه الثاني من القانون العام الذي يحكم المخلوقات في هذا العالم ، والوجه الثاني من هذا القانون العام هو ( سنة الله ) المتعلقة بسلوك البشر وأفعالهم في الدنيا وما يترتب عليها من نتائج في الدنيا والآخرة.

 

قانون السببية ( سنة الله في الأسباب والمسببات ) 

تعريف السبب :

السبب في اللغة كل شيء يتوصل به إلى غيره. وبهذا المعنى اللغوي للسبب ورد في قوله تعالى : ( وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً ) فالمعنى : آتاه الله من كل شيء معرفة وذريعة يتوصل بها فاتبع واحداً من تلك الأسباب. سواء كان هذا الشيء مادياً كآلة من الآلات المادية أو كان معنوياً كالعلم والقدرة.

كل شيء بسبب :

وقد دل القرآن الكريم على أن كل شيء يحدث بسبب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة. فقانون السببية أي ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها ، هذا القانون عام شامل لكل ما في العالم ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات). فمن الأسباب المادية قوله تعالى : (وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم). ومن الأسباب المعنوية : (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً). والقرآن الكريم – كما يقول ابن القيم – مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة ، فيأتي بباء السببية تارة كقوله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية) ، ويأتي باللام تارة كقوله تعالى : ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم) ويأتي بذكر الوصف المتقضي للحكم تارة كقوله تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) ، فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها.

من مقالة قديمة لي في قانون السببية :

وقد يكون من المفيد أن أذكر هنا شيئاً مما جاء في مقالة لي نشرتها في مجلة التربية الإسلامية ببغداد قبل ما يقرب من ثلاثين سنة بعنوان : (القانون الرهيب) جاء فيها : (كثيراً ما يقول الناس إن الشيء الفلاني حدث صدفة ، ويمر هذا اللفظ على الأسماع كأنه قول صحيح. والواقع أن هذا اللفظ غير صحيح ، وليس له المدلول الذي يتبادر إلى الأذهان… فليس في الكون مكان ( للصدفة) وإنما هناك أسباب ومسببات ونتائج تسبقها مقدمات .. ما يسمى (صدفة) ما هو في الحقيقة إلا حدث يجهل الناس أسبابه.. ولكن الجهل بالشيء لا يعني عدم وجود ذلك الشيء وتوضيح هذه الحقيقة أن هذا الكون الواسع العجيب المدهش الذي خلقه الله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين).. هذا الكون يجرب بموجب أسباب ومسببات تكون قانوناً عاماً هو في غاية الدقة والإحكام والشمول بحيث لا يخرج عنه شيء ولا يفلت منه مخلوق.. يحكم كل شيء من المخلوقات بلا استثناء: من أصغر ذرة إلى أكبر جرم ، ومن الجماد والنبات بأنواعه إلا ذي الروح بأنواعه ، ومن حركة الذرة في مادتها التي لا نشعر بها إلى حركة الريح العاصف التي تقلع الأشجار وتخرب البيوت .. فالكل خاضع ومنقاد لهذا القانون الرهيب لا يستطيع منه تفلتاً ولا خلاصاً.. وهذا الخضوع التام من الجميع ما هو في الحقيقة إلا خضوع للملك القوي الجبار واضع هذا القانون وخالق هذا الكون ، وعلى هذا دل القرآن الكريم ، قال تعالى : (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) ، وقال تعالى : ( وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون). وهذا القانون الإلهي العام المسمى في القرآن الكريم بـ (سنة الله) لا يقبل التبديل ولا التحويل.

وقد ذكرت كلمة (سنة الله) وأنها لا تتبدل ، في القرآن الكريم في مواضع كثيرة حتى يرسخ مفهومها في النفوس وتنحسر الأوهام عن العقول. (وسنة الله) أو هذا القانون الإلهي العام يقوم على الأسباب والمسببات وربط النتائج بالمقدمات على نحو هو في غاية الدقة والصرامة والاطراد.. والإنسان – وهو جزء من هذا الكون ، ولكنه جزء ممتاز – يخضع لهذا القانون في جميع حركاته وسكناته وتقلبات أحواله كما تخضع له أيضاً الأمم في علوها وانخفاضها وسعادتها وشقائها وعزها وذلها وبقائها وهلاكها .. وهذا الخضوع من الأفراد والأمم في جميع أحوالهم لهذا القانون الرهيب يساوي بالضبط خضوع الأحداث الكونية المادية لهذا القانون ، فكما أن سقوط تفاحة من شجرة هو نتيجة حتمية لأسباب معينة أدت إلى هذا السقوط ، فكذلك يعتبر سقوط دولة أو هلاك أمة نتيجة حتمية لأسباب معينة أدت إلى هذا السقوط ، فكذلك يعبر سقوط دولة أو هلاك أمة نتيجة حتمية لأسباب معينة أدت إلى هذا السقوط.

وهذا ما تقضي به سنة الله العامة التي لا تقبل التخلف ولا التبديل : ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً) ، وكل الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث الاجتماعية هو أن أسباب الأولى واضحة بينة مضبوطة إذا عرفناها أمكننا الحكم بدقة على نتائجها وميقات هذه النتائج ، فالماء مثلاً ينجمد إذا بلغت درجة برودته كذا درجة ، ويصل إلى الغليان إذا وصلت درجة حرارته إلى كذا درجة وبعد كذا من الوقت ، وهكذا ..

أما أسباب الأحداث الاجتماعية فهي بمختلف أنواعها من سياسة واقتصادية وحضارية وعمرانية وغلبة ونصر وهزيمة وخذلان.. الخ ، أسباب دقيقة وكثيرة ومتشبعة ومتشابكة وقد يعسر على الكثيرين الإحاطة بها تفصيلاً .. ولكن مع هذا العسر يمكن للتأمل الفاحص الدقيق أن يعرفها ويحيط بها علماً ، كما يمكنه الجزم بحصول نتائج معينة بناء على أسباب معينة وإن لم يمكنه الجزم بميعاد حصول هذه النتائج ، فنستطيع مثلاً أن نحكم على وجه الجزم واليقين بزوال حكم أو سلطان إذا وجدناه قائماً على الظلم والإرهاب وإن كنا لا نستطيع تحديد وقت زواله على وجه الدقة والضبط كما نحدد ميعاد غروب الشمس أو شروقها ..

ومن أجل هذا الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث البشرية يغفل الناس كثيراً عن سنة الله في الاجتماع البشري وفي تصرفات وسلوك الأفراد والأمم ، ويظنون أن أمورهم لا تخضع كما تخضع الظواهر الكونية لقانون الأسباب والمسببات ، ويقوي هذا الظن الخاطئ في نفوسهم أنهم يرون –في الظاهر – أسباباً متشابهة في دولتين أو أمتين ، ولكن أحوالهما مختلفة ، فيقولون : أين هو القانون العام الذي تزعمون ؟ وهذه الأسباب فيهما واحدة ولكن لم تؤد إلى نتائج واحدة ؟ وفاتهم أن الأسباب تؤدي حتماً إلى مسبباتها إلا لمانع ، وأن المقدمات تؤدي حتماً إلى نتائجها إلا لعارض ، وهم لم يبصروا الموانع والعوارض ، كما لم يبصروا كل الأسباب والنتائج فتراكم الخطأ عليهم فلم يعودوا يبصرون.

وسنة الله بينتها آيات كثيرة في القرآن الكريم ، فنحن نجدها في آيات قصص القرآن وسيرة الأنبياء ، وما جرى لهم مع أقوامهم ، وفي أخبار الأمم السابقة وفي صراع أهل الحق مع أهل الباطل. لو ذهبنا نعد هذه الآيات لألفيناها أكثر من آيات الأحكام ، فعلى ماذا يدل هذا ؟ نعتقد أن هذه الكثرة من آيات القرآن التي جاء فيها ذكر ( سنة الله) ومعناها وتطبيقاتها ، تدل دلالة قاطعة عن أهمية المعرفة بسنة الله في الكون ووجوب فهمها من قبل المسلمين ، كما يجب عليهم فهم أمور العبادات التي تخصهم ، لأن الله عز وجل لا يخص بالذكر في القرآن الكريم إلا ما يلزم ذكره ويحتاج الناس إلى معرفته ، فإذا تكرر ذكر شيء دل ذلك على أهميته ، ولهذا جاء في هذه الآيات التي أشرنا إليها ما يدعو إلى التأمل والاتعاظ والافتكار في سنن الله ، كما جاء فيها دعوة صريحة إلى وجوب فهم سنن الله في الاجتماع البشري. فمن النوع الأول قوله تعالى : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب). ومن النوع الثاني قوله تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).ولهذا ترى أن من الضروري جداً للمسلمين عموماً – الحكام والمحكومين – أن يتفهموا سنن الله في الاجتماع البشري لينجوا من الهلكة أو ليتخلصوا منها إذا وقعوا فيها وقعوا فيها فعلاً ، وأن يعلموا أن هذا الفهم من لوازم الإيمان ومن فهم أحكام الإسلام.

الأسباب والمسببات من فعل الله :

وليكن معلوماً أن كون الشيء سبباً لغيره أو كونه مسبباً عن غيره ، هو من فعل الله تعالى وحكمه ، فهو تعالى خالق الأسباب والمسببات. لولاه لما صار هذا الشيء سبباً لغيره ولا صار هذا الغير مسبباً عنه. ومعنى ذلك أن السبب إنما يعمل ويستدعي مسببه بموجب سنة الله ونفاذها.

المسببات تكون بأسبابها لا عندها :

قال بعض الناس : إن المسببات تكون عند وجود أسبابها ولا تكون بهذه الأسباب ، فالإحراق مثلاً يحصل عند وجود النار وليس بالنار. وهذا القول غير صحيح ، فالمسببات تحدث أو تكون بالأسباب الموجبة لها ، لا أنها تحدث أو تكون عند وجود هذه الأسباب. والأسباب إنما صارت أسباباً بما أودعه الله تعالى فيها من معاني السببية التي تستوجب نتائج معينة تناسب هذه المعاني ، وكل هذا بتقدير الله ومشيئته وسنته في خلقه. فالإحراق يكون بالنار ، فالنار هي سبب الإحراق ، والإحراق يكون بالنار لما أودع الله فيها من معاني الحرارة المستوجبة للإحراق ، لا أن الإحراق يحدث عند وجود النار.

والشبع أو الغذاء يكون أو يحصل بأكل الخبز ونحوه لا عند الأكل ، والولد يخلقه الله في بطن أمه بإلقاء ماء الرجل في رحم امرأته لا أنه يخلقه عند هذا الإلقاء ، والنبات يكون بالبذر لا عند البذر. وإنما صارت المسببات ناتجة عن أسبابها لما أودعه الله في هذه الأسباب من معان وقوى تستوجب هذه المسببات ، وسواء في هذه الأسباب المادية والمعنوية والمسببات عنهما ، كالإحراق الناتج عن النار ، فالنار سبب والإحراق مسبب عنها. وهذا في الأسباب المادية ومسبباتها، وكذلك جعل الله تعالى الأشياء المعنوية أسباباً لنتائج معينة هي مسببات عنها ، فجعل الإيمان والأعمال الصالحة سبباً لرضوان الله وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وجعل الاستغفار سبباً لمغفرة الله ورحمته ، وجعل الاختلاف المذموم والظلم من أسباب هلاك الأمم وهكذا.

الرد على من لا يعتبر الأسباب :

وقد رد ابن تيمية على من لم يعتبر الأسباب وينكر أن تكون مسبباتها ناتجة عنها ، فقال : ( ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل وهو طعن في الشرع أيضاً ، فالله تعالى يقول : ( وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها) ، وقال تعالى : ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) ، وأمثال ذلك ، فمن قال يفعل الله تعالى عندها ، أي عند هذه الأسباب ، لا بها ، فقد خالف لفظ القرآن ، مع أن الحس والعقل يشهد أنها أسباب ...).

اعتراض ودفعه :

وقد يقال : إن السبب وإن كان صحيحاً وتاماً فليس من المحتم أن يستوجب مسببه مما يدل على أن المسبب لا يحدث بالسبب ، وإنما قد يحدث عنده ، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) مع قوله تعالى : ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون) ، فدل على أن المسبب لا يحصل بالسبب بل عنده. والجواب: إن ( الباء ) في قوله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) هي ( باء) السببية ، فالأعمال الصالحة هي سبب دخول الجنة ، واستوجبتها بوعد الله وسنته. فالمعنى : ادخلوا الجنة بسبب أعمالكم. والذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو: ( باء) المقابلة أو المعاوضة ، فليس العمل عوضاً ولا ثمناً كافياً لدخول الجنة ، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته.

لا بد للأسباب من شروط وانتفاء الموانع :

وليكن معلوماً أن السبب إنما يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه أي إذا تحققت شروط عمل هذا السبب وفعاليته واستدعاءه لمسببه. كما لا بد من انتفاء موانعه أي انتفاء الموانع التي تعيق عمل هذا السبب أو تسلبه فعاليته بحيث يصبح غير قادر على استدعاء مسببه. فالأكل مثلاً سبب للغذاء والشبع واستدامة الحياة ، ولكن بشرط سلامة أعضاء الإنسان الضرورية لتلقي الطعام والاستفادة منه ، وانتفاء الموانع أي انتفاء العوائق التي تعيق عمل هذه الأعضاء في انتفاعها من الأكل.

والزرع سببه حرث الأرض وإلقاء البذر ، وشرطه صلاحية الأرض للإنبات وصلاحية هذا البذر للنبات وتوفر الماء الكافي وانتفاء الموانع من خروج النبات والثمر كانتفاء الآفات التي تهلك الزرع والثمر أو تمنع نموه وهكذا …

وقد صرح غير واحد من العلماء بضرورة تحقق شروط السبب وانتفاء موانعه حتى ينتج هذا السبب مسببه ، فمن أقوالهم قول الفقيه الشاطبي : ( وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ولا استكملت شرائطها ولم تنتف موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى ، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره. وأيضاً فإن الشارع لم يجعلها أسباباً مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سبباً شرعياً سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا ، فالثمرة واحدة.

وقال شيخ الإسلام : ( فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره ، وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ، ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود ، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك. ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له. وبالطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل الله البدن من الأعضاء والقوى.وقول ابن تيمية : ( وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه ، بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ) هذه الأسباب الأخرى هي التي يسميها البعض بالشروط ، وقد سماها ابن تيمية نفسه شروطاً في موضع آخر من كلامه.

الأسباب والقضاء والقدر :

ولا يجوز إسقاط الأسباب وعدم مباشرتها بحجة الإيمان بالقضاء والقدر كأن يترك الإنسان العمل وغيره من أسباب الرزق بحجة أنه إذا كان الله قد قدر له رزقاً فلا بد أن يأتيه ويحصل عليه عمل أو لم يعمل.فهذا الاحتجاج من قبيل الوهم والتوهم ، وقد رده النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه ، قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة. فقال رجل يا رسول الله : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فقال : من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. فقال : اعملوا فكل ميسر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ :( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى).

قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : ( وفي هذا الحديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر ، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها كل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره ).وأيضاً فإن الله تعالى أمر الناس بالدعاء والاستغفار وبغيرهما من الأسباب المؤدية إلى مسبباتها من تفريج الكروب وغفران الذنوب وتحصيل المقاصد ، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسال الله تعالى ولا أستغفره اعتماداً على الخطأ كان مخطئاً ، لأن الله تعالى جعل الدعاء ونحوه من العبادات أسباباً تنال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره. وإذا قدر الله للعبد خيراً يناله بالدعاء أو بغيره من الأسباب لم يحصل ما قدره له بغير هذا السبب من الدعاء وغيره. وما قدره الله وقضاء وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب تقع فيقع ما ارتبط به من مسببات ، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات.

الأسباب والتوكل :

زعم البعض أن من تمام التوكل ترك الأسباب حتى التي جرت عادة الناس بها كحمل الزاد في السفر مثلاً عن طريق سلوك الصحراء كما كان الحال في الزمن الماضي حتى قال هذا البعض من الناس : إن من تمام التوكل أن لا يحمل المتوكل الزاد في سفره للحج وفي غيره من الأسفار فيدخل إلى الصحراء بلا زاد ولا ماء اتكالاً على الله تعالى.

قال ابن تيمية في رده على هذا القول : ( وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنة الله في خلقه وأمره ، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسباباً ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة. فمن ظن أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسباباً لها فهو غالط).

والحقيقة أن إسقاط الأسباب والإعراض عنها وعدم مباشرتها بحجة التوكل على الله تعالى يفضي بفاعل ذلك إلى مخالفة الشرع فإن الله تعالى قد أمر بالأخذ بالأسباب فمن أعرض عنها فإنه يعرض عما أمره الله تعالى به ، قال ابن القيم: (والله أمر القيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره ، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلها؟).

تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل :

وليكن معلوماً أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ، بل إن التوكل نفسه من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه ، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل. ثم إن حقيقة التوكل الثقة بالله والطمأنينة به والسكون إليه فالتوكل – كما قال الإمام أحمد – هو عمل القلب ، ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح.

وعلى هذا فالتوكل الشرعي الصحيح هو الاعتماد الكامل على الله والثقة بكفايته لعبده مع مباشرة العبد للأسباب المشروعة أو العادية التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها ، ويدل على ذلك الحديث النبوي الشريف : ( لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) رواه الترمذي . ففي هذا الحديث الشريف دلالة على مشروعية العمل للكسب والأخذ بالأسباب ، فالطير لا يأتيا رزقها وهي في عشوشها بل بسعيها ، فقد ألهمها تعالى بالسعي لتحصيل رزقها فتخرج جياعاً وترجع بطاناً ممتلئة البطون شعباً. وهكذا ينبغي أن يكون صادقاً في توكله يباشر الأسباب للحصول على مقصوده ومطلوبه. وعن أنس ( أن رجلاً قال : يا رسول الله ، أعقلها – أي ناقته أو بعيره – وأتوكل ؟ أو أطلقها وأتوكل ؟ قال : اعقلها وتوكل) رواه الترمذي. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز).ويقول شيخ الإسلام في هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) أمر بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمر مع ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله ، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين.

الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب :

ومع الأمر بتعاطي الأسباب ومباشرتها فإن الاعتماد القلبي على الله تعالى لا عليها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها ، وحال بدنه قيامه بها ، وهداه هي حقيقة التوكل : يباشر المسلم الأسباب وثقته بالله واعتماده عليه ، كالفلاح في أرض (الديم) التي تسقى بماء المطر ، يحرث الأرض ويلقي البذور واعتماده على الله في إنزال المطر وإخراج الزرع. وعلى هذا فإذا كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعليه أن يقوم بها مع توكله على الله ، كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو وهو يلبس جنة الحرب ويحمل السلاح ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أمره به الشرع من أمور الجهاد ، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط.

سنة الله في الأسباب وعلاقتها بالسنن الأخرى :

سنة الله في الأسباب تشغل مساحة كبيرة جداً من سننه الأخرى ، وقد لا أكون مغالياً إذا قلت : إن السنن الأخرى تقوم على سنته تعالى في الأسباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى لتبدو للمتأمل فيها كأنها من مفردات سنة الله في الأسباب وليست سنناً مستقلة ، وإن إفرادها بالذكر وبأسماء خاصة بها إنما هو لإبرازها ولفت النظر إليها لمعنى خاص بها ، وتبقي مع ذلك قائمة على سنة الله في الأسباب ومعتمدة عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة