رهان باسكال

ينص رهان باسكال ان الإنسان يجد نفسه في قضية الايمان بين موقفين :

1- فإذا هو أنكر الله وجحده وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه يعرِّض نفسه لخسائر كبرى .

2- وإذا هو آمن به وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه لا يخسر شيئاً .

واستنتج باسكال من ذلك أن موقف الإيمان على هذا موقف لا خسارة فيه مطلقاً ، مع وجود احتمال اغتنام أرباح كثيرة منه، وأما موقف الإلحاد على هذا أيضاً فهو موقف لا ربح فيه مطلقاً ، مع وجود احتمال تكبد خسائر كبرى. وبمقارنة هذين الموقفين يترجح موقف الإيمان على موقف الإلحاد قطعاً، ويكون من حق الإنسان أن يؤمن في مقياس العقل .

 وهو الدليل الذي صاغه الشاعر العربي الفيلسوف المعري بقوله:

قال المنجم والطبيب كلاهما *** لا تُبعث الأجساد ، قلت : إليكما

إن صحَّ قولكما فلست بخاسر *** أو صحَّ قولي فالخسار عليكما

والسؤال: هل يقبل ايمان شخص قائم على هذا التفكير؟

طبعا لا يقبل منه لأن الايمان لا يستقيم مع الشك بل مع اليقين. لكن ان كان هذا هو الحال فكيف نفسر الدليل الشبيه الذي طرحه مؤمن آل فرعون ، حين ناقش الكفار في دعوة موسى عليه السلام، وقد حكى القرآن ذلك عنه بقول الله تعالى في سورة (غافر/40 مصحف/60 نزول):

{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * ياقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}.

والجواب ان هذا المؤمن من آل فرعون عرض عليهم أولاً دليل البينات التي جاء بها موسى ، ثم تنازل معهم إلى مستوى آخر لا يستطيعون أن يرفضوه إذا هم رفضوا البينات ، فقال لهم {وإن يك كاذباً فعليه كذبه}، أي : فإنكم لا تخسرون شيئاً إذا تركتم موسى وشأنه فيما لو كان كاذباً {وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم}، أي : فإنكم تخسرون كثيراً بتكذيبه ومقاومة دعوته فيما لو كان صادقاً، فالمنطق الحق يرجح الأخذ باحتمال صدقه على احتمال كذبه، لأن الأخذ باحتمال الصدق يدفع عنكم احتمالات الخطر دون أن تخسروا شيئاً، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تخسروا شيئاً،  ويُطرح هذا الدليل عند آخر مرحلة من مراحل النقاش الذي يرفض فيه الملحد أدلة الإيمان الكثيرة، ويعلن تشككه بها ، أو يطرح في أول مرحلة من مراحل النقاش ، لتوجيه النفس إلى منطقة الإيمان منذ الانطلاقة الفكرية الأولى ، ثم تطرح من بعده الأدلة والبينات الأخرى، فهو إما دافع إلى النقلة الأولى التي تتجاوز منطقة الشك المطلق، وإما ممسك بالنفس في منطقة الإيمان قبل أن تنزلق إلى منطقة الشك المطلق. باختصار هو دليل وحجة لتنبيه عقول المجادلين والمشككين وتحريك افهامهم وحثهم على التفكر واعطاء مزيد من الاهتمام بقضية الايمان وليس هو مبدأ مقبولا كنوع من الايمان لوجود الشك الذي ينافي اليقين المطلوب فيه.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة