رعاية الله للاصلح

هل يجب على الله رعاية الأصلح لعباده؟ لقد ذهبت المعتزلة في قولها بالعناية ان الله خلق افضل عالم ممكن و انه يجب عليه (و بعضهم قال منه) الاصلح. ذلك بأنهم قضوا بأن الجواد لا يجوز له ان يدخر شيئا لا يفعله فما ابدعه واوجده هو المقدور له. ولو كان في علمه ومقدوره ما هو أحسن واكمل مما أبدعه نظاما وترتيبا وصلاحا لفعله، لأنه جواد والجواد لا يبخل على المخلوقات بما فيه صلاحها. اما الغزالي فانه لم يأخذ بهذا الرأي الذي أخذت به المعتزلة، لانه لو أخذ به لجعل ارادة الله مقيدة بما فيه صلاح الانسان وخيره. وكيف يستطيع الغزالى أن يجعل رعاية الاصلح للعباد واجبة على الله، وهو يقول بالقدرة الالهية المطلقة. ولعلنا، إذا اطلعنا على الأصول التي بنى عليها الغزالى أفعال الله ، نستطيع أن نبين حقيقة رأيه في مسالة رعاية الله للاصلح.

-                     ان كل حادث في العالم فهو فعل الله وخلقه واختراعه، لا خالق له سواه. خلق الخلق وصنعهم واوجد قدرتهم و حركتهم، فجميع أفعال عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته.

-                      ان انفراد الله باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة لهم على سبيل الاكتساب، فالله خلق القدرة والمقدور جميعا، وخلق الاختيار والمختار جميعا، فاما القدرة فوصف للعبد، وخلق للرب، وليست بكسب له، واما الحركة المنبعثة عن القدرة، فخلق للرب، ووصف للعبد، وكسب له.

-                      ان فعل العبد، وان كان كسبا له، فلا يخرج عن كونه مرادا له، فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين، ولا لفتة خاطر، ولا فلتة ناظر، الا بقضاء الله وقدرته ومشيئته، عنه يصدر الخير والشر، والنفع والضر، والاسلام والكفر، والعرفان والنكر، والفوز والخسران، والغواية والرشد، والطاعة والعصيان. و الشرك و الايمان.

-                     ان الله قادر على ايلام الخلق، وتعذيبهم، من غير جرم سابق، وسبب ذلك انه ملك مطلق التصرف فى ملكه، ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، أما الظلم فهو التصرف في ملك الغير بغير اذنه، وهو محال على الله.

-                     ان الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء، فلا يجب عليه رعاية الاصلح لعباده، لأنه لا يعقل في حقه الوجوب،  و لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

-                     ان معرفة الله سبحانه وطاعته واجبتان بالشرع لا بالعقل.

-                     انه لا يستحيل أن يبعث الله الانبياء، خلافا للبراهمة الذين زعموا أنه لا فائدة في بعثتهم، اذ في العقل مندوحة عنهم، ان العقل لا يهدي الى الافعال المنجية في الآخرة، كما لا يهدى إلى الأدوية المفيدة للصحة، فحاجة الخلق إلى الانبياء كحاجتهم إلى الاطباء

-                     ان الله ارسل محمدا (صلى الله عليه و سلم) خاتما للنبيين، وناسخا لما قبله، وأيده بالمعجزات الظاهرة، والايات الباهرة.

فالغزالي يفند أراء المعتزلة فيقول: كيف يجب التكليف على الله وهو الآمر الناهي، لا بل كيف يمتنع عليه تعذيب من يشاء بغير جرم سابق، وهو الملك المتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه لا يدعى ظالما، ثم كيف يجب عليه رعاية الأصلح لعباده، وهو مطلق الارادة، لا يسأل عما يفعل. قال الغزالي: " وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله برعاية الاصلح عن مسألة نعرضها عليه، وهو ان يفرض مناظرة قي الأخرة بين صبى وبالغ كانا مسلمين، فان الله يزيد فى درجات البالغ ويفضله على الصبي، لأنه تعب بالايمان بعد البلوغ، ويجب عليه ذلك عند المعتزلى، فلو قال الصبي: يا رب لم رفعت منزلته على؟ فيقول: لأنه بلغ واجتهد في الطاعات، فيقول الصبى أنت أمتني في الصبا، فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى ابلغ فاجتهد، فقد عدلت عن العدل في التفضل عليه بطول العمر دوني، فلم فضلته؟ فيفول الله : لأني علمت انك لو بلغت لاشركت أو عصيت، فكان الاصلح لك الموت في الصبا، هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل، وعند هذا ينادي الكفار من دركات لظى، ويقولون : يا رب! أما علمت اننا إذا بلغنا اشركنا، فهلا امتنا في الصبا، فانا رضينا بما دون منزلة الصبى المسلم، فبماذا يجاب عن ذلك، وهل يجب عند هذا الا القطع بان الأمور الالهية تتعالى بحكم الجلال عن ان توزن بميزان اهل الاعتزال.

 فهذه المناظرة التي عرضها الغزالى هنا، هي المناظرة الكلامية الي جرت بين الاشعري واستاذه ابي علي الجبائي رأس معترلة البصرة ، وقيل انها كانت أحد الاسباب التي حولت الاشعري عن مذهب الاعتزال، الا ان الغزالى يمعن في تحليل مغزاها، ويقول : " فان قيل مهما قدر (الله ) رعاية الاصلح للعباد، ثم سلط عليهم اسباب العذاب، كان ذلك قبيحا بالحكمة، قلنا القبيح ما لا يوافق الغرض ، حتى انه قد يكون الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره، إذا وافق فى غرض أحدهما دون الآخر، حتى يستقبح قتل الشخص اولياؤه، ويستحسنه اعداؤه، فإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه، فهو محال، اذ لا غرض له، فلا يتصور منه قبيح بما لا يتصور منه ظلم . . . ثم يضيف الغزالى إلى هذا التحليل قوله: "الحكيم معناه العالم بحقائق الاشياء، القادر على احكام فعلها على وفق إرادته، وأما الحكيم منا فانه يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء، وفي الاخرة ثوابا، أو يدخر به عن نفسه آفه، وكل ذلك محال على الله."

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
1 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة