دورة التاريخ: الثورات وليدة التزاوج بين القهر والطغيان والفقر

كتب أحد القراء ذات مرة تحليلاً جميلاً عن علم حياة الثورات، قال فيه إن الثورات تعرف بأنها كائنات حية اجتماعية تولد عند تزاوج القهر والطغيان مع الفقر وكبت الحريات. وتمر عند حملها بثلاث مراحل: الأولى هي التعبئة الفكرية، ويعتمد جنين الثورة أثناء هذه المرحلة على التغذية التي تصله من مشيمة المثقفين. والمرحلة الثانية هي الكبت المتصاعد، حيث يعتمد الجنين في تغذيته على مشيمة الطاغية. أما المرحلة الثالثة فهي التعبئة الجماهيرية والتي تتغذى على مشيمة الرموز الاجتماعية، وتؤدي هذه المرحلة إلى عمل إنزيم الشرارة، أي الحدث الذي يعصف بالجميع دون تمييز لتنطلق أولى صرخات المولود الجديد مصحوبة بالألم والدم، بينما يتوقف مصير المولود في هذه الفترة على ما إذا كانت الأم (الشعب) قادرة على تعويض الدماء المفقودة وإطعام الجنين من لبنها. فإذا تغذت الثورة جيداً فستبلغ مرحلة النضج لتحقق كل الأفكار التي تغذت عليها في فترة الحمل.

لكن كثيراً ما تميزت الثورات بالعقوق، فهي تطبق ما تعلمته دون أن تهتم بما تلاقيه الأم من آلام وأحزان، ثم ينزل عليها سخط ربها لتموت وهي شابة؛ فإما أن يقتلها جيل جديد تربى على إيجابياتها ليتخلص من سلبياتها، أو العكس.

أما تلك الأم المكلومة، فلا تيأس بل تواصل الحياة، فإما أن تتورط مع زوج آخر (طاغية) ينكحها فتنجب منه ثورة أخرى، أو تجد زوجاً مستقيماً وعادلاً فتسعد معه.

إن قصص التاريخ مفيدة في تجربة الشعوب، وهي تجعلنا نستحضر عصر ما قبل الثورة الفرنسية ونفتح الملفات. إن أعجب ما يحدث في التاريخ هو ظاهرة انقلاب الأدوار، فالثوريون العرب الذين جاؤوا منذ خمسينات القرن الماضي بشعارات التحرر، تحولوا إلى قيود ثقيلة على حرية شعوبهم، ثم يمضي التاريخ ليروي لنا استمرارية الدورة التي لا تقف عند أحد؛ فسرعان ما يستسلم هذا الشخص الذي حقق وجوده بالتعب والجهد والعمل، لسحر انتصارات وإنجازات الماضي، وذكريات البطولات والمنعطفات المصيرية، فيظن أن الوقوف بنفس مكان إنجاز السابق سيعيد الحدث، في عبودية للشكل ونسيان لروح الإنجاز، فيستسلم لعجلة التاريخ عندما تغادره روح الحقيقة، فيذوي ويبدأ بكل ضراوة مصارعة محاولات التغيير الهادفة لشق طريقها نحو الحقيقة الجديدة التاريخية المتشكلة، على حين غفلة من أعين المراقبين، ونوم العيون عن حركة التاريخ الخفية التي لا تعرف التوقف قط. وهو لا ينتبه إلى أنه يعيد الدورة التاريخية في نغم جديد وحلقة مكررة بدأها هو.

ختم ابن تيمية حياته في سجن القلعة في دمشق، وضُرب بالنعال حتى طارت عمامته، وكان يمثل الحداثة في عالم خرج عن حركة التاريخ.

ولو عاد ابن تيمية في أيامنا هذه لأطبقت عليه الدهشة؛ إذ سوف يتعجب من الناس، وسوف تتعجب منه الجماهير، وإذا أُطلقت عليه النار فيجب أن لا يفاجئنا الخبر، لأنها دورة التاريخ. ولو بعث رمسيس من مرقده وسمع ورأى ما يحدث في مصر، لقال يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ وسيتأمل سحنة البعض فلا يرى غير مظاهر الموت السريري.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة