خصائص التربية بالأحداث

إن التربية بالأحداث تربية عملية تقوم في واقع الحياة الملموس، ولم تكن مجرد محاضرات أو دروس نظرية، وإنما ترتكز على الواقع ومعطياته التطبيقية. ولعل السمة البارزة في هذه التربية هي "الابتلاء".

1-    فمن خصائص التربية بالأحداث: الاستفادة من تجارب السابقين؛ فهي خبرات عملية، وهي بين موقفين: موقف إيجابي يحسن التأسي به، وموقف سلبي ومنزلقات على الطريق ينبغي الحرص والابتعاد عنها.

فالموقف الإيجابي يشد عزائم المؤمنين، ويبث روح الثبات فيهم، كقصة أصحاب الأخدود التي عبرت عن صبر وثبات السابقين؛ فهي دروس في العقيدة والتربية تقول للمسلمين: إنكم لستم وحدكم على الطريق، إنما سبقكم أمم ابتليت كما ابتليتم، وطغى عليها الطغاة كما طغوا عليكم، فاصبروا على الاضطهاد والتعذيب والتحريق، فكونوا كذلك صابرين حتى يأتي الله بالتغيير على أيديكم.

ومثال آخر: من حديث خباب (رضي الله عنه) حين جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يشتكي إليه من عدوان المشركين، فشد أزره بتذكيره بصبر الأمم السابقة. خباب إنما كان يشكو واقعاً عملياً، وقد رفع الرسول (صلى الله عليه وسلم) من همته بواقع عملي آخر سابق: "لقد كان من قبلكم ليمشط المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه".

2-    ومن خصائص التربية بالأحداث: أنها تحول المفاهيم إلى حركة، وهذا بالضبط ما يخيف الجاهلية، فتتربص بالمسلمين الدوائر وتسعى إلى حصارهم، فينتج عن ذلك الابتلاء.

ولو كان الاسلام مجرد فكر نظري لا رصيد له ولا حركة له في الواقع لما كان هناك أي اعتراض عليه؛ فقد وجد قبل البعثة رجال يطلق عليهم "الحنفاء" اعتزلوا معتقدات المشركين وعبادتهم، واعتقدوا بألوهية الله وحده، وقدموا له الشعائر التعبدية.

3-    ومن خصائص هذه التربية أيضاً: أنها تربط النفس بالعمل لا بالنتيجة. وهذا العمل يستمد قيمته من الإخلاص وإصلاح النية، حيث يقوم المؤمن بآداء الواجب، والإسهام في الخير؛ امتثالاً لأمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) دون أن يفت في عزمه تأخر النتائج.

وهذا الميزان في التقويم له نتائج عظيمة في واقع الحياة؛ إذ يجعل المسلم لا يتطلع إلى النتيجة التي قد تأتي متأخرة، أو تكون غير منظورة، وإنما حسبه أنه يبذل ما في وسعه ويكل أمر النتيجة إلى علام الغيوب، فهو الذي يعلم بتقديره وحكمته الوقت المناسب لقطف الثمرة.

ولقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يأتي آل ياسر وهم يعذبون، فلا يجد ما يواسيهم به إلا أن يقول: "اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".

وفي حديث عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قال: "أقبلت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) آخذاً بيدي نتمشى بالبطحاء، حتى أتى على آل عمار بن ياسر، فقال أبو عمار: يا رسول الله! الدهر هكذا؟ فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): "اصبر"، ثم قال: "اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت".

وقد مات آل ياسر ولم يشعروا أنهما وصلا إلى نتيجة؛ لأن التربية النبوية علمت المؤمنين أن يعطوا في هذه الدنيا ولا يأخذوا فيها شيئاً، فهي علقت قلوبهم بالآخرة، بالجنة والرضوان، هناك حيث الأجر العظيم والثواب الجزيل، مما يدل قطعاً على أن الجزاء ليس مرتبطاً بالنتيجة، وإنما بالعمل والنية.

وخلاصة القول: لقد آتى جهد التربية النبوية أكله في تكوين شخصية إسلامية نموذجية، في ضوابطها الأخلاقية، والتزاماتها السلوكية، وحيويتها الحركية، مما جعل هذه النواة الجهادية الصلبة قادرة بعد ذلك على تحمل ضغوط الوثنية عليها في فتنتها عن دينها: اضطهاداً وتعذيباً، ونفياً وقتلاً، وقطيعة، وتجتاز الابتلاء بصمود وروح معنوية عالية نحو تحطيم النظام الجاهلي والتمكين للنظام الإسلامي بديلاً عنه.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة