حول الظن واليقين

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الأستاذ الفاضل : عزام حدبا

يشرفني أن أتناقش معك حول بعض النقاط التي ذكرتها في مقالاتك و أريد شرحا أكثر لها

و أتمنى أن ترد عليها بكامل راحتك ، حتى لا تُحسسني أني أثقل عيك و أن تعتبرني وسيلة لنيل الثواب من عند الله

و سأكتب كلام حضرتك بلون ثم إستفساري بلون مخالف

حضرتك ذكرت أن:

1 . الايمان لا يكون الا بالغيب .. والقرآن الكريم يقول في اول صفحة منه " آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب ".....

إذا كان الإيمان بالغيب يشمل الإيمان بالله و رسله و كتبه و ملائكته و اليوم الآخر و القدر خيره و شره..

. فكيف نعتبر أن الإيمان بكتبه غيب ، يعني الإيمان بالقرآن غيب..؟؟؟

. لماذا وصولنا للإيمان بالله كان أيسر و أوضح من الإيمان بالرسل ؟ 

. لماذا نجد القرآن يذكر و يِؤكد أن السبيل للإيمان بالله يكون بالتأمل في خلقه و مالكوته يعني بالدليل الحسي ، لكن حينما يتكلم عن الإيمان بالرسول لا يكون بنفس الطريقة بل ينكر على من يطلب دليلا حسيا ، على الرغم من أن الإيمان بهما من الأمور الغيبية؟!!!

2 . أساس الإيمان هو العودة إلى الفطرة   :مع ذلك فهذا لا يعني ان الامتحان صعب.. بل هو بسيط جدا ان شاء الله.. وكل ما هو مطلوب منا ان نعود الى فطرتنا السليمة.. فالانسان فطر على الايمان.. وكل ما عليه ان يقوم به هو يحافظ على فطرته ولا ينسلخ عنها..

كيف أعرف أني لست على الفطرة السليمة ، و هل ما نحن عليه الآن من تقدم حضاري فرض علينا ، يفقدنا فطرتنا السليمة.. فكيف سنصل  للإيمان إذا ؟

3 .الظن نأخذ به في حياتنا اليومية : .. ومن هنا يقول الفقهاء ان غلبة الظن لها حكم اليقين في الشرع.. فان غلب على ظنك ان هذا الشيء مضر فهو ضار.. وان هذا الدواء قاتل فهذا انتحار.. وهكذا.. لذلك ارى ان ادلة الاعجاز العلمي في القرآن هي ادلة يؤخذ بها ولو كانت ظنية.. لأننا ناخذ بالظن في كل امور حياتنا..

يعني ممكن يكون إيمان شخص صحيح و هو مبني على غلبة الظن !!!!

4 . تراكم الامور الظنية يجعلها يقينية : ما نريد ان نقوله ان تراكم الادلة على موضوع النظام في الكون قد جعل اكثر الناس تؤمن بوجود إله قادر وحكيم بشكل يقيني لا لبس فيه.. لا يستطيع هذا المؤمن ان يشرح لك اي دليل هو الذي جعله يؤمن بوجود الله او بصحة الاسلام.. فالدليل الاساسي هو تراكم الادلة وتضافرها وليس دليلا معينا بعينه..

أنا الآن أرى كل دلائل النبوة ظنية و هي عديدة بالنسبة لي يعني متراكمة في عقلي ، لكني أعتبر أن هذا الإيمان ناقص لأنه مبني على دلائل ظنية و ليست قطعية .

و لي إستفسارات من مقالات أخرى لك سأذكرها فيما بعد

و تقبل مني فائق الإحترام و التقدير

الباحثة عن الحق

 

الجواب

هل الإيمان بالقرآن غيب؟

نعم .. كل ايمان يكون عادة بأمر غيبي كما قدمنا.. ولا يمنع أن يكون للقرآن الكريم وجود مادي في المصاحف انه غيب من جهة نسبته لله.. أليس كذلك؟ فليس مطلوبا منك فقط أن تؤمني بوجود القرآن بل عليك أن تؤمني انه كتاب الله وكلام الله وهنا الناحية الغيبية في الموضوع إذ اننا لم نشهد هذا الرابط بأعيننا بل آمنا به. وفي أمر الرسل نفس الموضوع فليس عليك فقط أن تؤمني بوجود شخص اسمه محمد فذلك أمر متواتر إنما عليك أن تؤمني أن هذا الرجل مرسل من الله وهذه هي الناحية الغيبية من الموضوع.

لماذا وصولنا للإيمان بالله كان أيسر وأوضح من الإيمان بالرسل ؟ 

لا أجد أن إحداهما أسهل من الاخرى.. لا تقيسي على نفسك.. فأنا أرى مثلا ان الايمان بالرسل أسهل من الايمان بالله ان توصلنا لوجود الله طبعا.. فسهولة الإيمان وبداهته تختلف شخص وآخر.. هناك كثير من الملاحدة في العالم وكثير من الوثنية وكثير من الشرك.. فكيف تجدين مع كل هذا ان الإيمان بالله ميسر للكل.. إنما هي قضية تضارب أهواء وظنون في كل نواحي الإيمان وهي كلها سهلة وبسيطة إن وجدت النية الصافية للبحث عن الحق.

لماذا نجد القرآن يذكر و يِؤكد أن السبيل للإيمان بالله يكون بالتأمل في خلقه وملكوته يعني بالدليل الحسي ، لكن حينما يتكلم عن الإيمان بالرسول لا يكون بنفس الطريقة بل ينكر على من يطلب دليلا حسيا ، على الرغم من أن الإيمان بهما من الأمور الغيبية؟!!!

نعود فنكرر أن كل ايمان هو مبني على الغيب وليس على الحس.. الدليل على وجود الله دليل عقلي وليس حسيا فنحن لم نره عيانا ولم نشهد خلقه للكون.. إنما استنتجنا وجوده من النظام الموجود في الكون ومن قانون السببية الذي ينص على أن لكل متغير سببا.. فالحس يعطيك المعطيات اللازمة للوصول الى الحق وليس دليلا بحد ذاته.. وفي حالة الرسول صلى الله عليه وسلم يلعب الحس نفس الدور للإيمان به.. فالقرآن الكريم وهو المعجزة التي دلت على نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو كتاب محسوس يمكنك مطالعته وتصفحه.. وأنت سبقتني إلى هذا الاكتشاف في السؤال الأول.

كيف أعرف أني لست على الفطرة السليمة ؟

الفطرة موضوع طويل خصصت له مقالا مستقلا في الموقع... نعم ليس من السهل أن نعرف إن كانت بعض الأمور فطرية أم نتاج التربية فمع الوقت تتسرب المعتقدات الذهنية للمجتمع إلى تركيبة شخصية الإنسان وتصبح بمثابة مسلمات فطرية.. وهذا ما نسميه نحن بالفطرة الممسوخة او الارتداد عن الفطرة.. ففي قوم لوط اصبح الشذوذ هو الفطرة والطهارة هي الارتكاس.. وفي الجاهلية كان وأد البنات وغزو القبائل أمرا محمودا وفي جاهليتنا المعاصرة أصبح العري تطورا وحرية والحجاب تخلفا.. لكن أنا أقول إن الفطرة مع ذلك لها ميزان تعرف به إلا وهو مراقبة الطفل الصغير قبل أن يصل لسن التمييز حيث نلاحظ عليه غرائز الأنانية والمحورية والأمومة في حالة البنت والتسلط في حالة الذكر.. فهذه أمور لا يمتلك الطفل بعد العقل الواعي ليتعلمها وإنما هي خلقت فيه ومعه.. ومن ضمن هذه الأمور هي فطرة الإيمان بالله حيث يشعر الطفل بحاجته إلى ذات علية تحميه من الخواطر والمجهول وينسب إليها في الوقت نفسه الأسرار التي يعجز عقله الصغير عن تفسيرها.

غير ان الاستدلال بالفطرة لا يعد دليلا قويا نظرا لصعوبة فصلها عن تأثير البيئة كما قدمنا ونحن نذكرها كنوع من الاستئناس وكنوع من تحفيز المخالف للعودة إلى استكشافها .. لا كدليل ضده..

هل ما نحن عليه الآن من تقدم حضاري فرض علينا، يفقدنا فطرتنا السليمة.. فكيف سنصل  للإيمان إذا ؟

ليس المطلوب هجرة مادية محسوسة فكم منا هجر الدنيا وظل قلبه معلقا فيه.. إنما هي الهجرة الشعورية.. محاولة الانعزال لفترة في ركن ما كي نتدبر في حال الدنيا والآخرة. ولا بأس أن يكون لك محاور تحاورينه كي تصلين إلى الحق كما نفعل الآن.

" قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد"

يعني ممكن يكون إيمان شخص صحيح وهو مبني على غلبة الظن !!!!

لا يكون الإيمان صحيحا إن داخله شك بالطبع..

" قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض"

" إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا"

فالإيمان هو تسليم مطلق... لكن ما أقصده هو أن كل انسان حينما يزداد الظن في باله إلى درجة كبيرة يأخذ قرارا بالتسليم به.. وهذا القرار برفض أي شك به هو ما يسمى بالإيمان.. فالإيمان إذن قرار وليس فقط قناعة.. ومن هناك فإن بعض الناس يعتبروا كفارا مع كونهم مستيقنين من الإيمان وهم الذي وصفهم الله تعالى بقوله " وجحدوا بها واستقينتها أنفسهم ظلما وعلوا

مثلا انا إذا قلت اني مؤمن أو واثق ان زوجتي لا يمكن أن تخونني.. أليس هذا ظنا؟ .. ولكنه بلغ من القوة مرتبة اليقين.. ذلك لاني أردفته بقرار ذاتي.. وإن قلت إني واثق أو مؤمن اني ساحب فلانا الى الابد.. أليس هذا ظنا؟ هو ظن كون القلوب متقلبة ولكن لما أخذت القرار فيه صار بمثابة يقين وايمان.

فإن كنا مؤمنين بوفاء زوجاتنا وبحب أولادنا للأبد. أفلا نؤمن بالله ورسله وكتبه بأقوى من هذا الإيمان؟

بلى ونقول في هذا المجال ما قاله  كعب الأحبار لعمر بن الخطاب حينما سأله في قوله تعالى "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"..  أكنتم تعرفونه يا كعب؟ أي أكنتم تعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ورسالته وأوصافه؟ فقال كعب وهو من أحبار اليهود .. أعرفة كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد .. فلما سألوه لماذا؟ قال لأن ابني أخاف أن تكون امرأتي خانتني فيه أما محمد صلى الله عليه وسلم فأوصافه مذكورة بالدقة في التوراة بحيث لا نخطئه... نعم الإيمان هو قرار نتخذه بناء على غلبة الظن وأي نسبة شك تراودنا بعد ذلك ننبذها على أساس إنها خاطر ضعيف.. فلا يقوى الشك بأمر قد يكون له تفسير لا يستوعبه عقلنا القاصر أن يزعزع ايمانا راسخا..

أنا الآن أرى كل دلائل النبوة ظنية وهي عديدة بالنسبة لي يعني متراكمة في عقلي ، لكني أعتبر أن هذا الإيمان ناقص لأنه مبني على دلائل ظنية و ليست قطعية .

أعتقد أني أفضت في المقطع السابق في كيفية تحويل الظن إلى يقين بقرار ذاتي.. وأضيف أن ما يجعل هذا اليقين أقوى وأكبر هو تراكم هذه الظنون... بحيث تتحول فعلا إلى يقين حتى من الناحية العلمية والرياضية.. وأسوق مثالا من علم الاحتمالات يضرب كثيرا: كم نسبة احتمال أن يأتي قرد ما بمسرحية لشكسبير إذا تركناه يطبع بشكل عشوائي على الآلة الكاتبة؟ نسبة الاحتمال هي ضعيفة جدا لدرجة انه بإمكاننا ان نقول عمليا إنها مستحيلة.. وللعلم فان أدلة الألوهية أو النبوة هي من هذا النمط لمن تدبرها جميعها.. غير أن بعضنا لا يملك كل المعلومات عنها لذا يكون الإيمان بها عنده ضعيفا ومن هنا أهمية البحث عن الحق والمطالعة والحوار كسبيل لرفع الإيمان وترسيخه...

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة