حكمة الحج

·        هجرة إلى الله تعالى

·        التجرد من الدنيا (دفع المال واتحمل المشقة) ومجاهدة النفس (ترك الزينة والتطيب)

·        تتجلى فيه وحدة الامة (يأتون من جميع انحاء العالم)

·        تتجلى فيه المساواة بين المؤمنين (لباس موحد)

·        يذكر الآخرة وبالحشر (اللباس الابيض البسيط)

·        التأسي بمعاناة الانبياء وجهادهم (سيدنا ابراهيم عليه السلام وسيدنا اسماعيل عليه السلام، سيدتنا هاجر رضي الله عنها...)

·        الطواف انسجام مع حركة الكون (الكون كله يطوف..

 

قال الله تعالى {‏ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين.فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين }‏[ آل عمران ‏96، ‏97 ]، وهذه الفريضة من أركان الإسلام الخمسة التي بينها الرسول صلوات الله وسلامه عليه في حديث (‏ بنى الإسلام على خمس )‏، وقد فرض مرة واحدة في العمر على كل مسلم ومسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‏ يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت صلى الله عليه وسلم حتى قالها ثلاثًا ،ثم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم )‏ .‏ والحج هجرة إلى الله تعالى استجابة لدعوته وموسمًا دوريًا يلتقي فيه المسلمون كل عام على أصفى العلاقات وأنقاها ليشهدوا منافع لهم على أكرم بقعة شرفها الله.‏ وعبادات الإسلام وشعائره تهدف كلها إلى خير المسلمين في الدنيا والآخرة، ومن هنا كان الحج عبادة يتقرب بها المسلمون إلى خالقهم، فتصفوا نفوسهم، وتشف قلوبهم فيلتقون على المودة، ويربط الإيمان والإسلام بينهم رغم تباعد الأقطار واختلاف الديار، إذ إن من أهداف الإسلام جمع الكلمة وتوجيه المسلمين إلى التدارس فيما يعينهم من شئون الحياة ومشاكلها اقتصادية وسياسية واجتماعية.‏ والقرآن والسنة يرشدان المسلم إلى أن يجعل حجه لله وحجه امتثالاً لأمره وأداء لحقه ووفاء لعهده وتصديقًا بكتابه.‏ ومن أجل هذا وجب على الحاج أن يخلص النية لربه فيما يقصد إليه، وألا يبتغى بحجه إلا وجه الله تعالى.‏ ومن مظاهر الإخلاص في الحج وحسن النية أن يرد ما عليه من حقوق لأصحابها إن استطاع، والتوبة إلى الله بإخلاص مع الاستغفار، وتسليم الأمر إليه إن عجز عن الرد، وأن يترضى أهله، ويصل رحمه، ويبر والديه، قال تعالى {‏ وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولى الألباب }‏ [البقرة ‏ 197].انتهى كلام الشيخ جاد الحق.

1- وفي الحج يظهر التجرد من الدنيا، حيث يضحي المسلم بماله ووقته وصحته، غير راغب في متاع من الدنيا، طامعا في كرم موالاه أن يرجعه بحج مبرور، وذنب مغفور.

2- وفي الحج تظهر وحدة الأمة وتماسكها، وأن المسلمين يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، فالكل يؤدي شعائر واحدة، ويتوجهون وجهة واحدة راجين القبول من الله تعالى .

3- وفيه المساواة ، ذلك المبدأ الإسلامي الرفيع، فلا فرق بين عظيم وحقير، أو كبير وصغير، فالكل سواء ، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح.

4- وفي الحج تربية للنفس، وتهذيب لها، وترقيق للقلوب، بالانصياع لأوامر علام الغيوب، وستار العيوب، وخروجا عن عادات ألفتها، من حب الدنيا وشهواتها، واللهث وراءها ، فتتعلم النفس أن تكون عند حدود الله وقافة، طائعة ، راضية بما يقدر.

5- وفي الحج تجسيم لحضارة الإسلام، فيتذكر المسلم عند أداء الشعائر أبانا إبراهيم، وابنه إسماعيل،وأمنا هاجر، فيعلم أن المسلمين يرجع تاريخهم إلى أبي الأنبياء إبراهيم ، وغير ذلك من المعاني السامية التي يستشعرها الحاج خلال رحلة الشوق إلى الله تعالى.

الحج عبادة التغيير :

يقول الاستاذ جاسم المطوع: إن الحج موسم التغيير , ومؤتمر التزكية , ومجمع التطهير , يستشعر الحاج بعد الانتهاء من مناسك الحج أنه إنسان آخر , جاء مثقلاً بالذنوب والهموم وعاد خفيفاً رقيقاً , يعود من حجته ( منشرح الصدر ) يغمره الشعور بالأمن والطمأنينة وراحة البال , هذا الشعور يمده بطاقة روحية تنسيه متاعب الحياة وهمومها . هل تخيلت شعور المولود الجديد كيف يكون ؟!  هكذا يعود الحاج من حجته وكأنه مولود جديد .. ولهذا ورد في الأثر : { إنه من علامة قبول الحجة أن يعود الحاج خيراً مما كان }

إن التهيئة النفسية التي يعيشها الحاج قبل أداء مناسك الحج لا يعيشها لو أراد مناسك الحج , يعيش الحاج قبل حجته وكأنه سيذهب إلى حياة أخري ليست كحياتنا لها طابع خاص , ولبس خاص , ومعاملات خاصة , فتجد المسافر يسأل أسئلة كثيرة قبل السفر , ويسال كذلك أثناء السفر , وما كان يسأل مثل هذه الأسئلة في أية عبادة أخري .. وهذا يدل على التغيير النفسي للحاج قبل أداء مناسك الحج . ومن الأمور التغييرية قبل الحج , لزوم تخلص الحاج من الديون أو الحقوق المتعلقة بالله تعالي أو المتعلقة بالعباد , فيقضي ما عليه من صيام أو غيره . ومن الأخلاق التغييرية للحاج قبل سفره نص العلماء على استحباب الرفقة الصالحة للحاج في حجته , وذلك لان الإنسان بطبيعته يتأثر بمن حوله , فلو نوي الحج بنية التغيير وكانت الرفقة سيئة فإنه سيتأثر بهم ويرجع من حجته كما كان ولهذا قال ابن الجوزي – رحمة الله – { احذر معاشر الجهال فإن الطبع لص , لا تصادقن فاسقاً , فإن من خان أول منعم عليه , لا يفي لك }  فهذه نصوص تفيد أن الطبع لص فلهذا يحرص الحاج على الرفقة الصالحة حتى تعينه على نية التغيير والتي نواها قبل حجته .

المساواة وتهذيب الاخلاق

إن اللون الأبيض يرسل للحاج رسالة مفادها { المساواة } فالكل في الحج يلبس اللون الأبيض فلا تمييز بالألوان , ولا تمييز بالإشكال و تمييز بنوعية القماش وإنما الكل يتساوى في تلك البقعة من الأرض فليس على لباس إحرام الأمير نياشين , ولا يحق له ان يلبس فوقه العباءة , كما أنه لا يجوز لحاج وهو محرم وضع النجوم والتيجان على ملابس الإحرام ولو كان ذلك لتنظيم السير وهكذا الكل يتساوى أمام الرب تبارك وتعالي : { فكلهم لآدم وآدم من تراب }

وفي الطواف معان تربوية وسلوكية للحاج ينبغي أن يفطن حول البيت بزحامهم وتدافعهم ورائحة عرقهم واتساخ ملابسهم , وارتفاع أصواتهم واختلاف أجناسهم , كل ذلك له تأثير على الحاج وتغيير في سلوكه وأخلاقه وقوة إرادته وصبره , حيث انه مع هذا كله لا يتكلم بكلمة نابية , ولا يتأفف ولا يتضجر ولا يلوم أحداً , وإذا ما انتهي من طوافه يستغرب من نفسه ويتساءل :

-أين تلك النفسية التي سريعا ما كانت تغضب ؟!

-أين تلك النفسية التي ما كانت تتحمل رائحة العرق ؟!

-أين النفسية التي كانت لا تحب الزحام ؟!

-أين تلك النفسية التي كانت تنتقم إذا ما أهينت ؟!

ويصل الحاج بعد هذه الأسئلة النفسية إلى قناعة : { أن الطواف عبادة التغيير } وأنه يستطيع أن يغير من سلوكه وأخلاقه بعد الحج .

تذكر الآخرة

وأما شكل لباس الإحرام وطريقة لبسه فإنه يذكر الحاج باليوم الآخر وينقل نفسية الحاج من النفسية الدنيوية إلى النفسية الأخروية فنجد الحاج من النفسية يسير فوق الأرض ولكن قلبه يسير تحتها وكأن لباس الإحرام بشكله يخاطب الحاج بقوله : أيها الحاج أنا إحرامك اليوم وكفنك غداً وهذا دليل قلة حياتك وصغر عمرك فاغتنم الفرص والمواسم وغير من حياتك وأعمالك بما يرضي ربك ومولاك وما أنا إلا معنى من المعاني التغييرية والتي تدعو الحاج إلى تغيير قلبه من القلب الدنيوي إلى القلب الإيماني الأخروي.

 مجاهدة النفس

على الرغم من بساطة المحظورات إلا أنها مدرسة يتربى من خلالها الحاج على معان كثيرة فالقضية إذن ليست هي عدم الأخذ من الشعر وتقليم الأظافر ووضع الطيب وغيرها ولكن هي معان يراد منها معني تغييري في النفوس وهي تعويد النفس وتربيتها على الضبط والدقة في تنفيذ الأمر وقوة الإرادة ومجاهدة النفس .

فعلى سبيل المثال :

1-الطيب : رمز لزينة الدنيا ومفاتنها .

2-الأخذ من الشعر وتقليم الأظافر : رمز لضبط شهوة النفس وهواها .

3-وطء النساء : رمز لفتنة النساء وزينتهن .

4-قطع الشجر وقتل الحيوان البري : رمز لحياة السلام والأمن ونفي لحياة العدوان والاعتداء على الأرض وأهلها .

2- الانسجام مع الكون

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون" (سورة الأنبياء: 33)

تدلنا هذه الآية الكريمة على حقيقة مهمة تتعلق بنظام الحركة في الكون، ويسهم العلم الحديث في تجلية هذه الحقيقة، وإلقاء الضوء عليها بعد أن أثبت أننا نعيش في كون فسيح تعتمد الحركة فيه على الدوران الذي هو أشبه بالطواف حول مركز معين. فالأرض تدور في فلك خاص بها حول الشمس مرة كل عام، والقمر يدور في فلك خاص به حول الأرض مرة كل شهر عربي، كما أن الكواكب الأخرى تدور في أفلاك خاصة بها حول الشمس، ومعظم هذه الكواكب لها أقمار تدور حولها، اكتشف العلماء منها أكثر من ستين قمرًا حتى الآن.  والمجموعة الشمسية التي ينتمي إليها كوكب الأرض تدور حول مركز مجرة "الطريق اللبني" أو "درب التبانة"، وهي تحتوي على نحو 130 بليون نجم. ومجموعة المجرات الكونية تدور جميعها حول مركز لا يعلمه إلا الله وحده.. وكأننا.. بهذا التصور العلمي لهيئة الكون.. نلفت الأنظار إلى الحركة الدورانية، أو الطواف، كسنة كونية تتجلى في الخلق كله.

وإذا انتقلنا إلى عالم المتناهيات في الصغر، نجد أن الذرة التي لم يرها أحد بعد بالعين المجردة ولا بأقوى المجاهر (الميكروسكوبات)، نجدها تتكون من نواة لا يزيد قطرها عن جزء واحد من مليون جزء من الملليمتر، ويدور حولها إلكترون أو أكثر في مدارات، أو أفلاك خاصة، وهذا يعني أن جميع ذرات المواد الصلبة، والسائلة، والغازية في هذا الكون تعمل فيها ظاهرة الطواف. يدخل في ذلك جميع الذرات التي تؤلف أجسامنا، وطعامنا، وشرابنا، والهواء الذي نستنشقه، وكل كائن حي من نبات أو حيوان، وكل شيء مادي على الأرض من بحار، ورمال، وجبال، أو في السماء من نجوم، وكواكب، وأقمار، أو بين السماوات من غازات، ونيازك، وشهب، ومذنبات، وغيرها.

ولا يتخلف عالم الأحياء عن هذه السنة الكونية التي تدل على وحدة الكون ووحدانية الخالق سبحانه وتعالى، فقد كشف العلم الحديث من خلال تقنية المجاهر القوية أن السائل المعروف باسم "السيتوبلازم" في الخلية الحية يدور، أو يطوف، حول نواتها..  وأهم ما يجمع بين أنواع هذه الحركة في جميع حالاتها هو الدوران، أو الطواف، في عكس اتجاه عقرب الساعة.  وهكذا يتعدد الطائفون، سواء في حالة الإلكترونات حول نواة الذرة، أو حالة الكواكب حول الشمس، أو الأقمار حول الكواكب، أو النجوم حول مراكز المجرات، أو المجرات حول مركز لا نعرفه.. فالكل في هذا الكون يطوف. وتتوجه بنا الفطرة النقية المؤمنة إلى صورة أخرى من صور الطواف جعلها الله جل وعلا من أهم مميزات الإسلام، وهو الطواف حول الكعبة المشرفة الذي يعتبر من شعائر الحج والعمرة.

والطواف حول الكعبة شعيرة تعبدية قد لا يدرك البعض حكمتها، لكنه طبقًا لحقائق العلم الحديث يرمز إلى سر عظيم من أسرار الكون يقوم على شهادة التوحيد الخالص لله تلبية للنداء الإلهي الذي أمر إبراهيم الخليل -عليه السلام- أن يؤذن في الناس بالحج، مصداقًا لقوله تعالى: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (سورة الحج: 26-27).

فكأن الكعبة المشرفة مركز للجاذبية الروحية التي ينبغي أن تكون بين العبد المؤمن وبيت الله العتيق. هذا البيت الذي يستقبله المسلمون ويتجهون إليه في صلاتهم خمس مرات على الأقل كل يوم وهم بعيدون عنه، وهذه الجاذبية الروحية هي القوة الخفية التي تجعل كل قادم يطوف حول الكعبة بمجرد الوصول إليها، تمامًا مثلما يطوف أي جِرم سماوي بمجرد وقوعه في أسر جاذبية جرم آخر أكبر منه.

ونلاحظ هنا أيضًا أن المسلمين يطوفون حول الكعبة المشرفة في عكس اتجاه حركة عقرب الساعة، حيث يكون القلب أقرب إلى مركز الجذب والطواف.. ونلاحظ هذا "التيامن" أيضًا في اتجاه الحركة عند السعي ذهابًا وإيابًا بين الصفا والمروة، الذي هو من شعائر الله.

وتدلنا هذه الرؤية الإيمانية الشاملة على أن الطواف سلوك كوني يشير إلى مظاهر الوحدة والتماثل بين التكاليف الشرعية ونواميس الظواهر الكونية؛ ولهذا كان شعار التلبية في الحج أثناء الطواف حول الكعبة هو النداء الناطق بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك".

وهكذا نجد أن الكشوف العلمية التي يتوصل إليها الباحثون تدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن الدين الإسلامي الحنيف هو دين الفطرة الإيمانية النقية الذي يقدم للإنسان رؤية صحيحة متكاملة تنسجم مع حقيقة الوجود الإلهي المهيمن على نواميس الكون، ومن هنا فإن شهادة أن "لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ينبغي أن تُفهم عقلاً قبل نطقها باللسان وإحساسها بالقلب، وذلك في إطارها الشامل من الفكر التوحيدي واليقين الإيماني الذي يجمع بين وحدة النظام في بناء الذرة وبناء المجموعة الشمسية، وبين وحدة الطاقة بردّها إلى أصل واحد وإن تعددت صورها، وبين وحدة الحركة في طواف الإلكترونات حول نواة الذرة، وطواف الأقمار حول الكواكب، وطواف الكواكب حول الشمس، وطواف السيتوبلازم حول نواة الخلية الحية، وطواف المسلمين حول الكعبة المشرفة.

2- المؤمن منسجم مع حركة الكون (في ظلال القرآن)

في قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (الأحزاب 72). اتفق المفسرون ان المراد بالامانة التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه بعد ان اشفقت السموات والارض ان تحملها. كل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته ، وإلى عقله للوصول إلى الله.   إن السماوات والأرض هذه الخلائق الضخمة الهائلة ، التي يعيش الإنسان فيها أو حيالها فيبدو شيئا صغيرا ضئيلا تعرف بارئها وتهتدي إلى قوانينه بحكم خلقتها وتكوينهاوتجري وفق هذه القوانين دون ان تتخلف دورتها جزءا من ثانية. يقول الله عز وجل: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (فصلت 11) فليس هنالك إذن إلا هذا الإنسان الذي يخضع لهذه القوانين مكرهاً في أغلب الأحيان. وهو ترس صغير جداً في عجلة الكون الهائلة؛ والقوانين الكونية الكلية تسري عليه رضي أم كره. فإن عاند هذه السنن الكونية تحطم وانكسر وان مشى مع الركب المؤمن الطائع فاز فوزا عظيما.

تفسير أوائل سورة المائدة (الحج) للشعراوي

"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد "

تتحدث البداية عن ضرورة الوفاء بالعقود و تحليل تناول بهيمة الأنعام  كطعام. و سورة المائدة كما نعلم جاءت في الترتيب المصحفي بعد سورة النساء التي تتضمن الكثير من العقود الإيمانية، فقد تضمنت سورة النساء عقود الانكاح و الصداق و الوصية و الدين و الميراث، و كلها أحكام لعقود، فكأن الحق سبحانه و تعالى يطلب منا أن نفي بالعقود بعدما عرفناها.

" يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله و لا الشهر الحرام "  تأتي بعد آية احلت أشياء ، كأن الحق يقول للعبد : مادمت قد أعطيت فانا أمنع عنك، أعطيتك أشياء وأمنعك أشياء . وسبحانه حين يحظر على الإنسان شيئا ويمنعه منه ؟ فهويعطي هذا الشىء لأخ مؤمن، ومادام الأمر كذلك فلا يستطيع ولا يصح أن تنظر الى الشىء المسلوب منك فقط بل انظر إلى المسلوب من غيرك بالنسبة لك . وعلى سبيل المثال حين يامرك الحق : " لا تسرق ! ، فانت شخص واحد ، ويقيد سبحانه حريتك بهذا الأمر،ولكنه قيد في الوقت نفسه حرية كل الناس بالنسبة إليك . وعندما تقارن الأمر بالنسبة لنفسك تجد أنك المستفيد أساسا ؟ لأن كل الناس ستطبق حكم الله بالا يسرقوا منك شيئا، وفي هذا خدمة لكل عبد. وهب أن واحدا سرق ، إنه لن يستطيع أن يسرق من كل الناس . ولو سرق ألف من الناس شخصا واحدا فما الذى يبقى له ؟

و ساعة يقول الحق "يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " أي لا تجعلوا شعائر الله حلالا. و الشعائر هي معالم الدين كلها. ذلك أننا إذا رأينا الشعار نعرف البلد . وكذلك أعلام الدول ، فهذا علم لمصر ، وذاك علم لانجلترا ، وئالث علم لفرنسا ، إذن فالشعار هو المعلم الذى يدل على الشيء . وشعائر الله هى معالم دين الله المتركزة فى " افعل"  و" لاتفعل " زمانا ومكانا ، عقائد وأحكاما.  لكن الشعائر غلبت على ما نسميه مناسك الحج ، وأول عملية فى مناسك الحج هي الاحرام ، أى لا نهمل الإحرام . ومن شعائر الحج الطواف ، وجب عليك أن تطوف حول البيت ، وكذلك السعي بين الصفا والمروة ، والوقوف بعرفات و رمي الجمار، كل هذه شعائر الله التي امر الا يحلها المؤمنون ، أى أمر - سبحانه - ألا يتهاونوا فيها. لأن هذه الشعائر هى الضابط الإيماني . والحج هو أمر بالعزلة لبعض الوقت عن النعمة. لأن الإنسان يذهب لحج في رحلة الى المنعم و ان الإنسان يغير ملابسه بملابس موحدة ولا يتفاضل فيها  أحد على أحد . لأن الناس في الحياة اليومية تتفاضل بهندامهم ، وتدل الملابس على مواقعهم الاجتماعية . وعندما يخلعون جميعا ملابسهم ويرتدون لباسا موحدا ، تكون السمة المميزة هى إعلان الولاء لله .          

وكذلك عندما يأتي الأمر بألا يقص الإنسان شعرة منه سواء أكان عظيما فى مجتمعه ام فقيرا ويتراءى الناس جميعا وينظر بعضهم إلى بعض فيجدون أنهم على سواء على الرغم من اختلاف منازلهم وأقدارهم وتكون ذلة الكبير مساوية لذلة الصغير . وذلك انضباط إيماني لا بين الإنسان والمساوي له ، ولكنه إلانضباط مع الكون كله ، بكل أجناسه . فالشجرة بجانب الحرم محرم على كل إنسان أن يقطعها أو يقطع جزءا منها . وبذلك يأمن النبات فى الحرم ، وكذلك الحمام والحيوانات وأيضا يأمن الانسان. لأن الجميع فى حرم رب الجميع ، وتلك مسالة تصنع رعشة ورهبة إيمانية فى النفس البشرية . وتكون فترة الحج هى فترة الانضباط الإيماني. و تتوافق فيها كل أجناس الوجود . فالإنسان يتساوى مع الإنسان ولا يلمس الحيوان وكذلك النبات ، ويبقى الجماد وهو خادم الجميع من أجناس الكون. لأن الحيوان يخدم الإنسان ، والنبات يخدم الحيوان ، والجماد يخدم الكل ، وهو خادم غير مخدوم .

 ويصنع الحق حماية للجماد فى الكعبة نفسها ، فيأمر الناس باستلام الحجر الأسود أو بتقبيله إذا تيسر ذلك أو بالاشارة إليه . وهكذا يكون الجماد مصونا فى بيت الله الحرام. و يعوضه الله بأن جعله منسكا، وجعله شعيرة و جعل الناس تزدحم عليه و تقبله بينما لا يقبل الانسان الحيوان او النبات، لكنه يقبل الجماد ادنى الاشياء. و يرجم الانسان حجرا اخر هو رمز ابليس، وذلك حتى يعرف الانسان ان الحجرية ليست قيمة في حد ذاتها، و لكنها اوامر الآمر الاعلى، حتى لا يستقر في ذهن الانسان تعظيم الحجر، فالحاج يقبل حجرا و برجم حجرا آخر.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة