تنمية الخصائص الفطرية

ومع هذه الخصائص الفطرية – التي لا بد أن توجد في كل من يدعو إلى الإسلام ويقوم بشأنه- فإن هناك ثلاث قضايا لا بد من التركيز عليها في بناء هؤلاء القوم ودعوتهم حتى تتحول خصائصهم هذه إلى خصائص تخدم الدعوة الإسلامية وهي:

1- توجيه الخصائص الفطرية لخدمة الإسلام:

فالإسلام لا يهدف إلى إلغاء الخصائص الفطرية الموجودة عند الناس ، بل يعمل على توجيهها توجيها صحيحا والاستفادة منها فهذا مثلا – عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه- الذي كان قويا شديدا في الجاهلية وكان كثير من القرشيين يهابه ويخشاه –من يوم أسلم تحولت هذه القوة والشدة الموجودة فيه إلى شجاعة في سبيل الله عز وجل ، وإلى جرأة في مواجهة الكفار والمشركين وهذا ما يذكره لنا المصنفون في سيرته رضي الله عنه وارضاه.

يذكر الإمام محمد بن إسحاق – صاحب المغازي – والإمام الحاكم في (المستدرك) وأبن حبان وغيرهم عن أبن عمر رضي الله عنه قال : " لما اسلم (عمر) قال : أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، قال: فغدا عليه – قال عبد الله بن عمر: فغدوت أتبع رجاء أنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت- حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد، قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، قال : يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم قال: حتى فتر عمر وجلس وقاموا على رأسه وهو يقول: أفعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو قد كنا  ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا" (1)- يعني مكة- فهذه صورة من صور القوة في الحق، هذه القوة كانت موجودة في عمر كصفة مجردة قبل الإسلام، لكنه لما أسلم توظفت وتوجهت هذه القوة في سبيل الخير، واستغلت واستثمرت لصالح الإسلام.

فلم يأت الإسلام ليحطم شخصيات الرجال، ويقضي عليها ويجعل الناس كلهم عبارة عن نسخة واحدة أو قالب مصبوب. لقد جاء الإسلام لينقل كل فرد من وضعه الذي يعيش فيه وخصائصه التي يتميز بها ليكون مسلما متسما بخصائص معينة يوجه هذه الخصائص لخدمة الإسلام، لم يأت الإسلام ليجعل الناس كلهم علماء ولا ليجعل الناس كلهم مجاهدين-يحملون السيف في سبيل الله – ولا ليجعل الناس كلهم متعبدين- يحيوون ليلهم ويصومون نهارهم-، بل خاطب الإسلام كل فرد بما يناسبه:

فالقوي في الجاهلية يبقى قويا في الإسلام، والإنسان الذي يتميز –بفطرته بخصائص عاطفية- يجد في الإسلام ما يشبع هذه العواطف فيتحول إلى متعبد إلى الله عز وجل غير خارج في تعبده إلى طرائق الصوفية، والإنسان القوي الشجاع يجد في الإسلام ميدان الجهاد ومن يملك ذهنا متطلعا يجد في الإسلام الحث على طلب العلم والتفكر، ولعل في قوله صلى الله عليه وبارك وسلم: " كل ميسر لما خلق له"( أخرجه البخاري)

إشارة إلى ذلك مع أن هناك قدرا لا بد من توفره في كل مسلم من التعبد والعلم والجهاد ولكن الحديث هنا عن التميز.

إن هذه الخصائص تنمي ولا توأد، وتوجه لخدمة الإسلام ولكنها في الوقت ذاته تهذب ويكف عن غلوائها، فعمر الذي كان قويا شديدا في الجاهلية نجده في الإسلام وقد هذب هذه الصفة فيه إيمانا بالله واليوم الآخر والجنة والنار فصار يكثر من لوم نفسه وتقريعها، روى الإمام مالك في الموطأ، وعبد الله أبن حنبل في زوائده على كتاب (الزهد) لأبيه عن أنس أبن مالك رضي الله عنه:"أنه خرج مع عمر رضي الله عنه إلى أحد الحيطان-أي البساتين- فدخل عمر رضي الله عنه إلى هذا الحائط قال أنس رضي الله عنه: فسمعته –وبيني وبينه الحائط وهو يخاطب نفسه- يقول :"عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ ! والله لتتقين الله أو ليعذبنك" (أخرجه مالك) يخاطب نفسه، وكأنه يقول لنفسه: كيف وصلت يا أبن الخطاب-يا من كنت ترعى غنم أبيك في الجاهلية ولا هم لك في الحياة- إلى أن تكون أمير المؤمنين، ويشار إليك بالبنان؟ ثم يتعجب من هذا الأمر، فيقول : " بخ بخ "- وهي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشئ – ثم يثني على نفسه باللوم ، فيقول: " والله لتتقين الله أو ليعذبنك"، فلن ينفعك بين يدي الله أن تكون أميرا أو ذا منصب بين المسلمين ما لم تقدم بينك وبينه العمل الصالح. وهكذا أفاد الإسلام من هذه الخاصية الموجودة عند عمر – وهي القوة في الحق – مع تهذيبها وتوجيهها توجيها صحيحا، بحيث لا تتعدى حدها.

وهناك أنموذج آخر لرجل يتميز بالشجاعة ، وهو : خالد أبن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، حيث تتحول شجاعته بل يتحول تهوره في الجاهلية إلى شجاعة وإقدام في سبيل الله ونصر الإسلام وخذلان لأعداء الدين، روى الإمام أحمد في (فضائل الصحابة)، وأبو يعلي في مسنده وأبن حبان وغيرهم بسند صحيح: أن خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه كان يقول: " ما ليلة تهدى إلى فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي َ من ليلة شديدة الجليد، بت فيها مع نفر من المهاجرين أصبح بها العدو"( السيرة النبوية لأبن إسحاق)- يعني مجاهدين في سبيل الله عز وجل – فتحول إقدام خالد وشجاعته إلى رغبة حقيقية ملحة دائمة في الجهاد في سبيل الله ويجد هذا الرجل الباسل المجاهد لذته وطمأنينة نفسه في الخروج في سبيل الله حتى وهو يجد ألم البرد والخوف – كما يخاف غيره من الناس- ومع ذلك فهو يحس بأن هذه الليلة ألذ ليلة يقضيها في عمره. فلا بد من استغلال الخصائص النفسية والإفادة منها وتنميتها وتوجيهها التوجيه الصحيح.

2- التركيز على الجوانب الإيجابية في النفس البشرية:

نعلم جميعا أنه لا يكاد يوجد إنسان –مهما يكن شريرا – إلا ويوجد فيه قدر من الخير، وقد يكون هذا القدر من الخير مغطى بطبقة من الانحراف أو الفساد، بحيث إن الإنسان الذي يقابله أول وهلة يتصور أن هذا الإنسان مجموعة من الرذائل تمشي على الأرض، وأنه لا خير فيه أبدا، لكن لو وفق هذا الإنسان بيد حانية تعمل على إزاله الغبار والانحراف الموجود على الفطرة لتكشفت الفطرة عن خصائص جيدة محمودة عند هذا الإنسان، وأقرب مثل على ذلك ما جاء من قصة عمر رضي الله عنه، فعن عامر أبن ربيعة أن أمه ليلى قالت: كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة جاءني عمر وأنا على بعيري ، أريد أن أتوجه ، فقال : " أين يا أم عبد الله؟" فقالت : " آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله"، فقال عمر: " صحبكم الله" ثم ذهب، فجاءني زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر فقال: "ترجين أن يسلم!" فقلت : " نعم" فقال: " والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب" (أخرجه الإمام أحمد). فالفطرة- أحيانا- تكون مدفونة بطبقة كثيفة من الانحراف، ولكن الواقع أن الإنسان لا يخلو من جانب خير والتربية الإسلامية تهدف إلى مخاطبة هذا الجانب الخير، وتحريكه وإثارته، حتى يكبر ويصبح بارزا.

ولو نظرنا في سيرة الرسول صلى الله عليه وبارك وسلم ومعاملته لأصحابه من الشباب وغيرهم – لوجدنا ملمحا قويا في هذا الجانب ، - فعلى سبيل المثال – يروي عبد الله بن عمر رضي الله عنه –فكنت فيمن حاص- قال فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا : ندخل المدينة فنثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا ، فقلنا : لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وبارك وسلم ، فإن كان لنا توبة أقمنا، وإلا ذهبنا، قال : فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وبارك وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا : نحن الفرارون وفي قولهم هذا شعور بحرارة الخطأ واستسلام للجزاء الذي سيقع عليهم ولكن الرسول صلى الله عليه وبارك وسلم أمسك الجانب الآخر وهو بعث الخير في نفوسهم فلم يوافقهم على ما قالوا ولم يقرعهم ويوبخهم على ما فعلوا كلا، بل كما قال أبن عمر فأقبل إلينا فقال : بل أنتم "العكارون" أنتم الكرارون الذين تغادرون العدو ثم تكرون عليه مرة أخرى، فأنتم الكرارون أو العكارون، فأثار الرسول هذا الجانب الخير في نفوسهم واستفاد من شعورهم بالخطأ أو المعصية أستفادة صحيحة يحتاج إليها الدعاة إلى الله عز وجل ويحتاج إليها المربون في كل مكان، قال : فدنونا فقبلنا يده صلى الله عليه وبارك وسلم ، فقال لنا: أنا فئة المسلمين"  رواه أبو دواد والترمذي وحسنه ورواه الإمام أحمد أيضا، فهذا أنموذج لتحريك الخير الكامن في النفوس.

وثمة أنموذج آخر: يحكيه لنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه يقول أنس : بلغ صفية أن حفصة قالت :"بنت يهودي"-وهذا الكلام صحيح، فصفية أبوها يهودي وهو حييَ بن أخطب ومات ولم يسلم.فهذا جانب قد يفسر لنا أنه جانب ضعف قد تحس به صفية خاصة حين تعيرها به أحدى ضراتها –"فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وبارك وسلم وهي تبكي، فقال:"ما يبكيك؟"،فقالت:"قالت لي حفصة: إني بنت يهودي" فقال النبي صلى الله عليه وبارك وسلم: "إنك لأبنة نبي، وأن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟!"ثم قال:"أتقي الله يا حفصة"( الترمذي) وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وبارك وسلم قال لها:"ألا قلت: فكيف تكونان خيرا مني، وزوجي محمد صلى الله عليه وبارك وسلم وأبي هارون وعمي موسى (الترمذي) قد كانت صفية من نسل هارون عليه السلام-فالرسول صلى الله عليه وبارك وسلم حين لمحت حفصة الجانب الذي قد يفسر عند البعض أنه جانب سلبي وهو أن صفية بنت يهودي – لمح صلى الله عليه وبارك وسلم الجانب الآخرن وهو أن صفية من نسل هارون النبي وعمها موسى – عليهما السلام – وزوجها محمد صلى الله عليه وبارك وسلم فلا يضيرها أن يكون أبوها يهوديا.

هذا هو الجانب الثاني من الجوانب التي تعنى بها التربية الإسلامية وهو : استخراج الخير الكامن في النفوس والتركيز على الجوانب الإيجابية عند الإنسان.

3- الحرص على تفجير منابع الخير عند الإنسان:

وذلك  بكثرة طرق الخير، من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وطلب العلم والإحسان...وغير ذلك، بحيث إن كل طاقة عند الإنسان تجد لها مصرفا يصرفها فيه، ويشعر أنه يخدم الإسلام من خلال تصريف هذه الطاقة. ولا شك أننا نجد أن كثيرا من الناس –وخاصة الشباب- يتمتعون بطاقات كبيرة جدا: طاقات جسمية وعقلية...وغيرها. فحين لا يوجد من يستثمر هذه الطاقات تذبل أو تذهب إلى مجالات ليست محمودة، فتضيع في الركض وراء الشهوات وإشباع الغرائز أو قضاء الأوقات مع الأصدقاء المنحرفين، أو تضيع بأي صورة من الصور لكن التربية الإسلامية الصحيحة أوجدت المجالات التي يمكن استثمار هذه الطاقات من خلالها وأضرب لذلك بعض الأمثلة:

يقول الرسول صلى الله عليه وبارك وسلم : " من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير-والمقصود بزوجين شيئين أثنين من أنواع الخير،كأن ينفق دينارين أو درهمين أو بعيرين...أو غير ذلك- "فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة"، قال ابو بكر رضي الله عنه وأرضاه –وهو يستمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وبارك وسلم :" يا رسول الله ما على أحد يدعى من أي من هذه الأبواب من ضرورة- يعني من أي باب دعي الإنسان ما دام سيدخل الجنة، فليس من باس إن دخل من باب الصلاة أو من باب الزكاة أو من باب الصوم أو من باب الجهاد أو من غيرها- "فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟"، قال صلى الله عليه وبارك وسلم "نعم ، وأرجو أن تكون منهم"( البخاري)

إذن طرق الخير كثيرة وقد يشعر الإنسان بأنه يستطيع أن يساهم في مجال معين من مجالات الخير وقد يشعر بأن عنده طاقات كبيرة يمكن أن يصرفها في العديد من المجالات ولذلك كان أبو بكر ممن يدعي من أبواب الجنة كلها، كل ملأ من الملائكة عند باب من أبواب الجنة- يدعونه، ويقولون له : يا أبا بكر هذا خير- يعني هذا الباب خير فتعالى فادخل منه- وهذا فيه مزيد مزية وفضل لأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه وهذا ليس بغريب، فلقد روي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وبارك وسلم قال يوما لأصحابه :" من أصبح منك اليوم صائما؟ قال ابو بكر: " أنا "، قال صلى الله عليه وبارك وسلم: " فمن تبع منكم اليوم جنازة؟" قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه "أنا" قال صلى الله عليه وبارك وسلم: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه :"أنا" قال صلى الله عليه وبارك وسلم:" من عاد منكم اليوم مريضا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه :"أنا" فقال النبي صلى الله عليه وبارك وسلم: " ما اجتمعن في أمرئ إلا دخل الجنة"( مسلم)، فالنبي صلى الله عليه وبارك وسلم سأل أصحابه أربعة أسئلة فيها أربعة من طرق الخير والبر سلكها أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه كلها في يوم واحد فبشره الرسول صلى الله عليه وبارك وسلم بالجنة.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة