تطبيقات اضافية على موضوع العقيدة والنظام

 

الإسلام...نظام أم عقيدة؟

لقد درجنا في أيامنا الأخيرة - وبسبب العدوى الوافدة إلينا من الغرب - أن نتحدث عن الإسلام كنظام. نظام سياسي واقتصادي واجتماعي . . الخ. ولا شك أن في الإسلام تنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وأخلاقية .. الخ. ولكن الحديث عن أي تنظيم أو نظام إسلامي بمعزل عن العقيدة  يفقده روحه، ويحوله - كأي نظام اخر - إلى نظام تقوم عليه " الدولة " وتحرسه تنظيماتها ولا زيادة! وليس الأمر كذلك في الإسلام!

 حقيقة إن النظم الإسلامية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية . . الخ . متميزة في ذاتها . لأنها من صنع الله. فهي خالية من عيوب القصور البشري، والهوى البشري، والنظرة البشرية الجزئية، التي ترى شيئا وتغفل عن أشياء وترى مصلحة الجيل الواحد ولا ترى مصلحة كل الأجيال، بل ترى زاوية واحدة من الشيء الواحد ولا ترى الزوايا كلها مجتمعة في آن . . ولكن هذه المزية - على ضخامتها - ليست المزية الوحيدة في النظام الإسلامي... والوقوف عندها ، تفكيرا أو تنفيذا، يفقد النظام أهم خصائصه وهي قيامه عى العقيدة وانبثاقه منها. .

مقارنة بين الحاضر الغربي والواقع الإسلامي

ولتقدير أهمية هذا إلأمر  الذي فقد أهميته في نظر كثير من المثقفين المحدثين بسبب تلك العدوى الوافدة من الغرب، نضرب أولاً مثالاً من الحاضر الغربي مقارَناً بالواقع الإسلامي ثم نشير إلى حقيقة تاريخية هامة ذات دلالة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان . .

فأما المثال من الحاضر فهو مسألة الخمر . . ففي أمريكا قانون يمنع السكر. وهو لا يمنع شرب الخمر ولكنه يمنع السكر فقط! ولا يمنعه انطلاقا من "روح إنسانية " تقدس قيمة الكيان البشري والمكانة الرفيعة التي خلقه الله عليها لكي يقوم بمهمة الخلافة الراشدة في الأرض مما يتنافى مع حالة الخدر و "الهروب" التي يسعى الشاربون إلى الوصول إليها . . كلا ! إنما يمنعه لأسباب مادية اقتصادية بحتة! فالسكر يؤدي إلى زيادة حوادث الطريق فيعطل الإنتاج ! ! ويحدث خسائر اقتصادية !! أيا يكن الأمر فهناك "قانون " يمنع السكر ! وهناك " توعية " مستمرة ضد هذه الجريمة! وهناك " عقوبة " على ارتكابها! فماذا كانت النتيجة ؟! فلنسألهم هم .. فإن تقاريرهم السنوية تجيب! إن جريمة السكر آخذة في الازدياد المستمر، رغم وجود القانون والتوعية والعقوبة!

 أما في الإسلام فقد حدث شيء آخر . . حين نزلت آية التحريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{90} إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ{91}]سورة المائدة[.  أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي في طرقات المدينة: أيها الناس! ألا إن الخمر قد حرمت ! فقط !.. هذا هو كل الإجراء الذي تم ! فماذا كانت النتيجة؟! كانت النتيجة أن من كان في بيته زق أو دن من الخمر أراقه . . دونما شرطة ولا تحقيق ولا محاكمة! بل أكثر من ذلك ، وأعجب من ذلك .. أن من كان فى فمه شربة من الخمر أراقها! ولم يقل لنفسه: أشرب هذه لأنها في فمي بالفعل، تم امتنع بعد ذلك! ذلك أن الله هو الذي حرم الخمر، وهو يتعامل مع الله! وذلك هو الفارق بين النظام الذي يقوم على العقيدة وينبثق منها، والنظام الذي تقوم عليه "الدولة"وتحرسه تنظيماتها. وفي الإسلام دولة تقوم على النظام، وتشريع يحرسه . . ولكن ذلك ليس هو الإجراء الأول بل هو الإجراء الأخير: "يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" . . فالوازع الأول هو ا لقرآن، والوازع الأخير هو السلطان! تلك شهادة الحاضر الغربي مقارنا بالواقع الإسلامي، وهي غنية عن البيان ..

شهادة تاريخية

 أما شهادة التاربخ، ذات الدلالة الهامة فهي أن الإسلام قد بقي حتى اليوم في الأرض لأنه عقيدة ونظام قائم على عقيدة، وليس لمجرد أنه نظام! لو أنه مجرد نظام لتفتت بمجرد أن تفتت " الدولة " أو بالكثير حين ألغيت الدولة! ولكنه باق حتى اليوم، ينبعث في حركات بعث متتالية متواصلة، لأنه عقيدة لا لأنه نظام . . أو لأنه عقيدة ينبثق منها نظام ..

 وقد حاول أعداؤه في الحروب الصليبية الأولى أن يحطّموه كنظام، أو كدولة حامية للنظام . . ولكنهم أدركوا أنهم فشلوا . . فعادوا في الحروب الصليبية الحديثة يحاولون أن يحطّموه كعقيدة، ليضمنوا ألا تقوم الدولة ولا يقوم النظام . .

 ومن بين حربهم له كعقيدة أن يقولوا للمسلمين "المثقفين" منهم بصفة خاصة - إن العقيدة لم يعد لها اعتبار في هذا العصر الذي نعيش فيه! وإن المهم ليس هو العقيدة انما هو النظام! فإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إن الديمقراطية ليست نظاما فحسب وانما هي عقيدة وإن الشيوعية ليست نظاما فحسب وإنما هي عقيدة أو "فلسفة " كما يقولون!  يحاولون أن يسندوا نظمهم الجاهلية بشيء يشبه العقيدة . . فإذا تحدثوا عن الإسلام أهملوا العقيدة وتحدثوا عن النظام . . ثم قالوا إن النظام الإسلامي غير قابل للتطبيق في القرن العشرين.

انها الحرب بكل وسائل الحرب . . ولن ننتظر من الأعداء غير الحرب .. والله هو الذي يقول: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }البقرة120 ،{ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن  اسْتَطَاعُواْ}البقرة217

العقيدة هي الأساس

إنما نحن ينبغي أن نعرف ديننا على حقيقته، ولا نتلقى حقائق ديننا من أعداء هذا الدين! إن العقيدة في هذا الدين هي الدافع لكل شيء فيه: "هي الدافع لإقامة " النظام" بكل مزاياه الربانية التي لا توجد في أنظمة البشر ومناهجهم. وهي الدافع لحماية هذا النظام الرباني من أعدائه الذين لا يرغبون في رؤيته قائما في الأرض. وهي الدافع لنشر الدعوة، وللجهاد لكي تكون كلمة الله هي العليا في كل الأرض. وهي الدافع للتخلق بالأخلاق الربانية الني ينبغي أن يكون عليها المسلم. وهي الدافع للتعلم. وهي الدافع لعمارة الأرض على الطريقة الربانية المستنيرة الراشدة، التي تنشئ حضارة "إنسانية " شاملة، لا مادية ولا حيوانية ولا آلية متجردة عن الإنسانية . وحين تضعف العقيده أو تنهار . . ينهار هذا كله . . وحين تكون العقيدة قوية فإنها هي تنشئ هذا كله .. كما حدث في الأمة المسلمة الأولى، التي لم تكن من قبل أمة علم ولا حضارة ولا نظام، فدفعها الإسلام إلى إنشاء أكبر حركة علمية وقتئذ، وما زال تراثها - وهو المنهج التجريبي - هو الذي تقوم عليه الحركة العلمية اليوم. وإنشاء أكبر حركة حضارية وقتئذ، تبدو إلى جوارها الحضارة المادية الجاهلية المعاصرة الخاوية من الروح نكسة بشرية تعمل حثيثا على تدمير مقومات "الإنسان"، كما أنشأت تلك الأمة دولة نظامية مترامية الأطراف تحكم كلها بشريعة الله على مستوى الدولة " الأم " لا كما تصنع الامبراطوريات، تخص نفسها بتشريعات لا تنفذها في بقية " المستعمرات " ..

لذلك يحرص القرآن على ترسيخ هذه العقيدة وتقويتها، وجعل عمل التنظيمات والتشريعات والتوجيهات مرتبطة بها ومنبثقة عنها، بقدر ما يحرص أعداء الإسلام على قتل هذه العقيدة وطمس معالمها!

 

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة

لايوجد مقالات مماثلة