ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم استجابة الناس

ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم استجابة الناس

الدكتور فضل ألهى

يقول بعض الناس: “ينبغي أن لا نضيع جهودنا و أوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون”.

أولاً : لا يُشترط لوجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قبول الناس :

لم يشترط الله تعالى ولا رسوله لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة الناس ، بل أوجب الله تعالى على نبيه الكريم وعلى أمته تبليغ الناس أوامره ونواهيه سواء استجابوا أم لم يستجيبوا . وقد وردت نصوص كثيرة تبيّن هذا . منها على سبيل المثال قوله تعالى :"فإن تولوا فإنما عليه ما حُمّل و عليكم ما حُمّلتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين" .

ومما يؤكد هذا ما قصّه الله تعالى عن أصحاب السبت حيث استمر الصالحون في نهي العصاة عن التحايل للصيد يوم السبت ، ولم يتركوا الاحتساب بسبب عدم استجابة العصاة ، بل صرّحوا أنهم يقصدون من وراء احتسابهم أمرين :

أن يُقبل عذرهم عند الله تعالى .

لعل العصاة يستجيبون فيتركون التحايل ويتوبون إلى الله تعالى .

يقول سبحانه وتعالى عن قصتهم: “وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ، قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون”.

ثانياً : الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية :

إن الحكم على الناس بأنهم لا يستفيدون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الغيبية التي لا يعرفها إلا العليم الخبير . إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع رب العباد ، يقلّبها متى شاء وكيف ما شاء . وما أسهل على الله تعالى تقليبها .

فقد روى الإمام مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : إنه سمع رسول الله يقول: “إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء”.

 وكم من أشخاص يراهم الناس من أتقى الناس فيتحولّون إلى أفسق الناس، وكم من أفسق الناس يأتيهم الموت وهم من أتقى الناس. هذه حقيقة نقرؤها في سير الناس، ونشاهدها في حياتنا اليومية، وبيّنها الصادق المصدوق الناطق بالوحي بقوله: "إن العبد ليعمل _ فيما يرى الناس – عمل أهل الجنة ، وأنه من أهل النار ، ويعمل _ فيما يرى الناس – عمل أهل النار ، وهو من أهل الجنة ، و إنما الأعمال بخواتيمها".

فإذا كان البشر يجهل خواتيم الآخرين فكيف يسوغ له أن يفترض أنهم لا يستجيبون، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استناداً إلى هذا الافتراض؟

ثالثاً : وجوب التأسي بالرسول الكريم في هذا الأمر :

جعل الله تعالى في رسوله الكريم أسوة لنا حيث يقول عز من قائل: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً".

فلنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة : هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظراً لعدم استجابة الناس ؟

كلا ، بل استمر صلوات الله وسلامه عليه في ذلك في أشد الأحوال وأصعبها راجياً من الله هداية المخاطبين ، بل هداية أجيالهم القادمة إن لم يستجب الجيل الموجود .

وسيرته الطاهرة تدل على هذا . فقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله : يارسول الله ، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟

فقال: "لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلاّ و أنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني .فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال :  إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. 

قال:  فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني ،فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين.

فقال له رسول الله : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لايشرك به شيئاً .

هل يُتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم الحريص على هداية الناس أن يقول : " ينبغي أن لا نضيع جهودنا و أوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون؟.

رابعا: احتجاج أصحاب الشبهة ببعض الآيات :

يحتجّ أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها – على حسب زعمهم – الأمر بالتذكير مشروطاً بالنفع ، أو مخصوصاً لمن خاف الوعيد، أو خشي الرحمن بالغيب ، واتبع الذكر . ومن النصوص :

قوله تعالى : (( فذكر إن نفعت الذكرى ))

وقوله تعالى :(( إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ))

كشف النقاب عن حقيقة الاحتجاج :

سنبيّن بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين :

1. النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات .

2. المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين .

أولاً : النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات:

أنزلت تلك الآيات على محمد ، وهو الذي كان يتلوها على المؤمنين ، ويعلّمهم إياها ،وإليه أسندت مهمة بيانها ، وكان صلى الله عليه وسلم صورة حية لما نزلت عليه من الآيات لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بسبب إعراض الناس ؟ كلا ، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد الكفرة وتمردهم ، والفهم الصحيح للآيات هو فهمه وكل استنباط أو استدلال يعارض فهمه وعمله باطل ومردود على صاحبه .

ثانياً: المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين :

بيّن المفسرون المراد بتلك الآيات فأجادوا وأفادوا جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء وسنذكر بعض ما ذكروا – بعون الله تعالى – في هذا المقام .

أما قوله تعالى :(( فذكر إن نفعت الذكرى ))  

السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله تعالى :(( فذكر إن نفعت الذكرى ))؟.

الجواب : أن المعلق (( بأن )) على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه الآيات ، منها هذه الآية :

ومنها قوله تعالى :(( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ))

ومنها قوله تعالى :(( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون )).

ومنها قوله تعالى :(( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم )) فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف .

ومنها قوله :(( فإن لم تجدوا كاتباً فرهان )) والرهن جائز مع الكتابة .

ومنها قوله :(( فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله ))والمراجعة جائزة بدون هذا الظن .

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة