ترسيخ الجنسية الاسلامية

 

في تاريخ التربية الإسلامية طريقتان لإخراج الأفراد المؤمنين وترسيخ الجنسية الإسلامية.

الطريقة الأولى: تدبر سنن الله

تقوم الطريقة الأولى على توجيه الوحي المتدرج للرسول ومن معه إلى تدبر أفعال الله وسننه وقوانينه في خبراتهم الفردية والاجتماعية والكونية التي يمرون بها يوميا. أي إن هذه الطريقة كانت تهيئ لآيات الوحي أن

 تتفاعل في نفس المتعلم مع آيات الآفاق والأنفس في تجارب عملية يكون من ثمراتها حصول "اليقين " ثم-الإيمان -الذي يتنزل الوحي بالدعوة إليه. وكان محتوى هذه التجارب يتمركز في قلب الاجتماع البشري وشبكة العلاقات الاجتماعية القائمة في ميادين الفكر والثقافة والسياسة والاقتصاد والفن والاجتماع وسائر شؤون الحياة. وكانت المحصلة النهائية لهذه التجارب العملية هي هدم-صنمية العصر -أي صنمية الأنداد الذين يتلاعبون بمصائر البشر ويحددون "جنسيات " الجماعات الإنسانية و"طبقاتها" طبقا لمصالح عائلاتهم أو طبقاتهم أو قبائلهم أو أقاليمهم أو قومياتهم في التملك والجاه والهيمنة. وفي إطار هذه المحتوى جاءت بقية مكونات الإيمان.

معاني أركان الإيمان

فالإيمان بالله جاء ليقرر أن الله وحده هو رب العوالم والمالك لها والهادي إلى النهج المستقيم المؤدي إلى النعمة والهداية. وليكف أيدي الأصنام – الأنداد عن تحديد "الجنسيات "و" الطبقات "و "الثقافات " الصنمية, وعن وضع الدساتير وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تبرر لهم التصرف بحياة البشر ومقدراتهم ومصائرهم فيعزون ويذلون, ويرزقون ويفقرون, ويحيون ويميتون.   

والإيمان بالملائكة جاء لتعميق الحس الداخلي برقابة ملائكة الله وتدوينهم لأعمال البشر ونشاطاتهم التي تتفاعل خلال الحياة اليومية وتجري في السر والعلن.

والإيمان بالكتب الإلهية استهدف استيقان المؤمنين بمنافع هذه الكتب وتمكينها من توجيه الممارسات اليومية في ميادين الحياة المختلفة .

والإيمان بالرسل استهدف إبراز أهمية الإقتداء بهم وبرسالاتهم وأثر هذا الاقتداء في حفظ النوع البشري ورقيه.

والإيمان بالآخرة استهدف تنمية الشعور بالمسؤولية والمحاسبة المستقبلية عن جميع أشكال التصرف بالأمانات والمسؤوليات الموكلة للإنسان في الحياة الدنيا.

والإيمان بالقدر خيره وشره استهدف إخراج أمة تعي أهمية " التفكير السنني-  القانوني " الذي ينفي أثر أهواء " الأصنام - الأنداد " ورغباتهم في مجرى الحياة, والإيقان بأن كل شيء خلقه الله بقدر _ أي بقانون - ثم يكون من ثمار هذا الإيقان الالتزام بالتفكير العلمي والمناهج العلمية في جميع الممارسات والسياسات وأشكال التخطيط والتنفيذ والتقويم, والإيقان بأن السلوك الخير يورث آثار اجتماعية خيرة متقدمة, وأن السلوك السيء يورث آثار اجتماعية سيئة متخلفة, وأن جميع الدعاوى الإعلامية والفكرية التي تنسب المنجزات الخارقة لإرادات أصحاب النفوذ, أو الوعود التي تنقل عنهم, لا أثر لها في مجريات الحياة وتطور الأحداث, وأن إرادات أهل النفوذ حين تصطدم بأقدار الله - أي قوانينه وسننه - لا يكون مكن ثمارها إلا الضنك والاضطراب والفشل والخسران.

الطريقة الثانية: القولبة الفكرية

أما الطريقة الثانية - طريقة القولبة الفكرية- أي صب معتقدات الأفراد في قوالب غيبية خارج الاجتماع البشري, فقد نشأت في المؤسسات التربوية الإسلامية حين هيمن رجال القوة على رجال الشريعة ودحروهم من البحث في شؤون الاجتماع البشري - خاصة شؤون الحكم والمال-. ومنذ ذلك التحول قام عمل المؤسسات المذكورة في إخراج الأفراد المؤمنين على أساس تلقين المتعلمين " فهم " إنسان معين أو فرقة معينة للإسلام للذين يقعون تحت نفوذ هذه الفرقة في جميع الأمكنة والأزمنة والأسلوب الذي استعمل في هذه القولبة قام على مجرد تلقين ذلك "الفهم " دون أن يصاحب التلقين تجارب عملية في مختبر الآفاق والأنفس. فكان من ثمار هذا التلقين المجرد تكوين "اعتقاد" معين -أي أفكار مثبتة- لا يتغير ولا يتبدل. ثم تطورت هذه الأساليب وأفرزت مناهج تربوية باسم " مباحث العقيدة " والعقيدة - كدلالة على الإيمان الصحيح أو الخاطىء- مصطلح لم يرد في القرآن والسنة, وإنما الذي ورد هو" اليقين" ومشتقاته في الأفعال والأسماء حيث تكرر ذكرها في 28 موضعاً من سور القرآن الكريم , من ذلك قوله تعالى :

يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون

قد بينا الآيات لقوم يوقنون

"وكذلك نري ابراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين".

الفرق بين العقيدة واليقين

وهناك فرق كبير بين " الاعتقاد أو العقيدة " وبين " اليقين" فالاعتقاد مجرد تقبل وتسليم سببه تزاوج " فهم " معين مع "ميل" إيجابي أو سلبي نحو هذا الفهم, فيتولد اعتقاد ايجابي او اعتقاد سلبي. ويمكن أن نمثل لهذا المنهج بالمعادلة التالية :

الاعتقاد أو العقيدة (الايجابية)= فهم معين + ميل أو هوى ايجابي

الاعتقاد أو العقيدة (السلبية)= فهم معين + ميل أو هوى سلبي

فالاعتقاد إذاً قبول فهم معين بسبب ميل نفسي دون " برهان " محسوس. ولقد كان الدافع الأول وراء بروز ظاهرة الاعتقاد هو الميول والولاءات المذهبية والطائفية. وما زالت هذه الولاءات والميول تؤثر في الانتماءات "العقائدية "للأحزاب والجماعات المعاصرة حيث يتداعى غالبية الأعضاء إلى الانتماء دونما برهان أو دليل. والثمرة النهائية ل "الاعتقاد أو العقيدة" هي إخراج إنسان يختزن في رأسه أفكارا معينة دون برهان أو دليل, و"يعصب" عينيه وأذنيه عن كل ما يخالف هذه الأفكار أو لا يرضيها. ويكون من مضاعفات شيوع هذه - الاعتقادات – إقفال العقول وعدم التفاهم ونشوب الخلافات, وتفرق الأمة إلى مذاهب وجماعات من المتعصبين.

أما "اليقين" فهو قناعة  ورضى راسخان نتيجة تجربة محسوسة يتزاوج فيها خبر الوحي مع برهان محسوس من ميدان الآفاق والأنفس. ويمكن أن نمثل له بالمعادلة التالية :

"اليقين"= نظر عقلي في آيات الوحي + نظر تجريبي في مختبر الآفاق والأنفس. أي إن اليقين هو ثمرة تمرير الفرد في " خبرة مربية " يكون من ثمارها مشاهدة معجزة كونية أو اجتماعية أو نفسية تدعم الآية القرآنية وتكشف عن صدقها وأصالتها بطريقة محسوسة.

دور المؤسسات التربوية

والمحصلة النهائية ل "اليقين" هي إخراج إنسان مؤمن " موقن " بما يؤمن به وله القدر على التعايش مع إيمانه في مختلف الأزمنة والأمكنة, وإخراج امة متحدة الكلمة والرسالة من الأفراد المؤمنين من خلال التالي

تربية الناشئة - وغير الناشئة -  "على " الجنسية " الإيمانية تربية عملية. وهذا يعني قيام المؤسسات التربوية بتحويل المعادلات العملية للإيمان إلى المناهج وأنشطة يعيشها المتعلمون في حياتهم اليومية وفي علاقاتهم العامة ويرونها ماثلة في التطبيقات الإدارية والسياسة والاجتماعية وغيرها, ولا بد للمؤسسات التربوية أن تعمل على ترسيخ الشعور بالمسؤولية إزاء متطلبات "الجنسية" الإيمانية وتنمية المهارات العقلية والعملية عند المتعلمين لتساعدهم في التعرف على مظاهر "الجنسية" الإيمانية وعلى تحويلها إلى أعمال وممارسات في مواقف الحياة المختلفة .

التطبيق مع النظرية

ولا بد هنا من التنبيه إلى خطورة الاقتصار على التربية النظرية التي لا تصحبها تطبيقات عملية . ذلك أن آثار هذه التربية كآثار التعلم الإشراطي عند السلوكيين. إذ من التجارب التي أجراها السلوكيون في هذا المجال تجربة الكلب الذي اعتاد على أكل الدجاج الحي, ولمعالجة هذه العادة علقوا بعنق الكلب دجاجة ميتة لا يستطيع الوصول إليها ولا التخلص من نتنها . فكانت النتيجة أن رائحة النتن انتهت بالكلب إلى كراهية الدجاج كله حياً وميتاً. وهكذا التربية النظرية التي تصحبها تطبيقات عملية نتنة أو مخالفة تنتهي بالمتعلم إلى اليأس والإحباط وعدم تصديق الدعاوى المنادية بالقيم الخيرة والأعمال الإيمانية الصالحة. وهنا تبدو حكمة الله في تخصيص أكبر مقته للذين يقولون ما لا يفعلون.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة