تربية الفرد في إطار الجماعة

أهمية الجماعة في بناء صرح الإسلام :

يعدُّ ((التجمع)) حقيقة مهمة لتحقيق هذا الدين في حياة الناس بل إن الإسلام لا يتصور قيامه إلا في جماعة .

ولوجاهة هذا الأمر وأهميته في بناء الدين ، فإن من أولئك السور التي نزلت في المرحلة المكية سورة العصر، تبيُّن بوضوح أن دعوة الإسلام لا تكون إلا في جماعة ؛ قال تعالى : (وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ {2} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر : 1 ـ 3 .

وكان التطبيق العملي لهذا التوجيه القرآني في وقت مبكِّر من الدعوة يوم إتخذ النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم مركزاً لدعوته ، يستقبل فيها المسلمين الجدد ، ويبني في نفوسهم حقيقة الإيمان ويقرئهم ما ينزل عليه من آي الذكر الحكيم .

على أن التواصي بالحق والصبر الذي جاء في سورة العصر ، لا يتصور إلا في جماعة يوصي بعضهم بعضاً ، ويتعاون الجميع في بناء صرح الإسلام .

وقد أكد القرآن الكريم بعد ذلك هذا المعنى في سورة البلد في قوله تعالى : (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)البلد : 17 .

يقول صاحب الظلال في هذا الصدد : ((والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة ، ولإقتحام العقبة بصفة خاصة . والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته ؛ درجة تماسك الجماعة المؤمنة ، وتواصيها على معنى الصبر ، وتعاونها على تكاليف الإيمان ؛ فهي أعضاء متجاوبة الحسِّ ، تشعر جميعاً شعوراً واحداً بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه ، فيوصي بعضها بعضاً بالصبر على العبء المشترك ، ويثبِّتُ بعضها بعضاً فلا تتخاذل ، ويُقوّي بعضها بعضاً فلا تنهزم ... وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة))2 . 

ومصطلح ((الصحبة)) يندرج تحت هذا الأصل ؛ إذ كانت علاقة الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم علاقة ملازمة ومصاحبة . طابعها التأسي والإقتداء به في القول والعمل ، ومتابعته في السراء والضراء ، والمنشط والمكره واليسر والعسر .

وقد إستطاع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النمط من التربية أن يصل إلى مدى بعيد يربط الفرد بالجماعة ، بحيث لم يعد الفرد يتحسس آلام الآخرين فحسب ، بل يعيشها واقعاً حياً .

فعندما رجع عثمان بن مظعون رضي الله عنه من الهجرة الأولى إلى الحبشة ، رأى ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء ، وهو يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة ،  فقال : والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي . فمشى إلى الوليد بن المغيرة فردَّ عليه جواره3 .

إنه لم يطق أن يتميز على إخوانه ممن هم يلقون العنت والأذى من المشركين . إنها التربية التي جعلت من المسلمين جسداً واحداً .

ومن الأمثلة التي سجلتها السيرة في ميدان التكافل والتآزر بين عناصر الجماعة المسلمة : ما بذله أبو بكر الصديق رضي الله عنه في تحرير الأرقاء المسلمين إنقاذاً لهم من العذاب الذي مورس عليهم ببشاعة ، فأعتق بلالاً ، وعامر بن فهيرة ، وأم عبيس ، وزنيرة ، والنهدية وإبنتها ، وجارية بني مؤمل ، وغيرهم من الرقيق4 .

وأنفق بسبب ذلك مالاً كثيراً حتى عاتبه والده أبو قحافة . وفيه نزل قوله تعالى : (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى {17} الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) الليل : 17 ـ 18 . حتى قال إبن كثير بأن بعض المفسرين حكى الإجماع بأن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه5 .

إنه في ظل التآزر والإنضباط والشعور بالمسؤولية ، تجمعت حول النبي صلى الله عليه وسلم طلائع المؤمنين الذين آمنوا به ، حيث جمع بينهم شعور قلبي واحد يمكن وصفه بالتطلع إلى هدف مشترك يرقبه الجميع ، ويسعون إليه ، وهو التمكين لدين الله في الأرض .

وهذا الشعور الجماعي هو الذي سينقلهم فيما بعد نقلة أخرى نحو مرحلة التميز التي توصف بها الجماعات بوصف الأمم أو الشعوب .

وجوب التجمع شرعاً :

ولما كان وجود الفرد في الجماعة أمراً ضرورياً ، ولا يتم شيء من المعاني والمواقف المذكورة إلا في إطار الجماعة ، رغَّب الرسول صلى الله عليه وسلم فيها وحثَّ عليها ، بل وأمر بها .

فعن إبن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية1 فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي فيكم فقال : ((إستوصوا بأصحابي خيراً ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يفشوا الكذب ، حتى إن الرجل ليبتدىء بالشهادة قبل أن يُسألها ، فمن أراد منكم بحبوحة الجنة ؛ فليلزم الجماعة ؛ فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الإثنين أبعد ...))2 .

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها كفارة لما بينهما)) قال : ((والجمعة إلى الجمعة ، والشهر إلى الشهر ـ يعني رمضان إلى رمضان ـ كفارة لما بينهما)) ، قال : ثم قال بعد ذلك : ((إلا من ثلاث)) ـ قال : فعرفت أن ذلك الأمر حدث ـ ((إلا من الإشراك بالله ، ونكث الصفقة ، وترك السنة)) . قال : ((أمّا نكث الصفقة : أن تبايع رجلاً ثم تخالف إليه تقاتله بسيفك ، وأما ترك السنة : فالخروج من الجماعة))3 .

وعن إبن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يد الله مع الجماعة))4 .

عقد الموالاة والترابط بين عناصر الجماعة المسلمة :

ولا يتم معنى الجماعة إلا بالمفهوم الذي طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ، حيث ألزمه الله عز وجل في مكة بالمؤمنين وألزمهم به ، وجعل ولاءه  وولاءهم لله ، وخصَّهم وحدهم دون غيرهم بمحبته ورضاه ، وأخذ يغرس في نفوسهم طاعة الله ورسوله ، والإجتماع على ذلك ، ومحبة المؤمنين ونصرتهم ، وبغض الكفر والشرك وأهله .

وهنا نشأت وشيجة جديدة في نفوس الجماعة المؤمنة وهي رابطة العقيدة ، وبدأ يقر في نفوسهم أن هذه هي الرابطة الحقيقية التي تنتظمهم وترصُّ صفوفهم ، وأخذ كل منهم يحس نحو أخيه المسلم برباط من نوع جديد ، إنه يحبه كنفسه ، ويذكّره إذا نسي ، ويوقظه إذا غفل ، ويدفعه إذا أبطأ .

وموقع الفرد في هذه الجماعة لبنة أساسية في بنائها ، وخليّة يمدُّها ويستمد منها .

خلية إذا إنفصلت عن جسمها ماتت ، وإذا ظلت متصلة به ظلت تستمد ، والجسم تتكامل وظائفه وتنسق بشتى خلاياه ، ويضيره أن يفقد واحدة منها5 . 

ولتربية الروح الجماعية عند المؤمنين ، وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد في قوله عليه الصلاة والسلام : ((ترى المؤمنين في تراحمهم ، وتوادهم ، وتعاطفهم ؛ كمثل الجسد إذا إشتكى عضو تداعى له سائر جسده  بالسهر والحمى))6 .

وشبههم عليه الصلاة والسلام بالبنيان في تفاعلهم وتكاملهم وتناسقهم : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، ثم شبك بين أصابعه))7 . 

ولقد ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذه الروح الجماعية ، فكان كل واحد منهم جندياً مرابطاً ينتظر الأوامر من قائده ، ولا يقدم على عمل إلا بعد إستئذانه ، كما فعل من بايع من الأنصار في بيعة العقبة الثانية قالوا : إن شئت لنميلنَّ على أهل منًى بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لم نُؤمر بذلك ، ولكن إرجعوا إلى رحالكم))8 . فهم ينتظرون الأوامر من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ينتظرها من الله عز وجل .

وخلاصة القول : إن الإنسجام العميق بين الفرد والجماعة والإرتباط الوثيق بين القيادة والقاعدة في هذه المرحلة ، يبرز الإتصال الفعّال الذي يربط بين قنوات النظام الداخلي والخارجي للجماعة ، مع وضوح الأهداف المطلوب تحقيقها عاجلاً وآجلاً من كل فرد يعمل لهذا النظام على إختلاف مستواه .

كما يوضح فنَّ وقدرة القائد وبراعته العظيمة على السير الصحيح بمن تحت أمرته ، وهدايتهم وتوجيههم لما في صالحهم ، مع إشاعة روح الحب والودِّ والرضا والصبر والتفاني في العمل حتى يتحقق الهدف المنشود .

 

 


2  ـ سيد قطب : في ظلال القرآن ، ج6 ، ص 3913 .

3  ـ رواه إبن هشام في السيرة ، ج1 ، ص 391 ، والطبراني في المعجم الكبير ، رقم 8316 ، ج9 ، ص 24 . والبيهقي في الدلائل ،  ج2 ، ص 292 .

4  ـ إبن هشام : السيرة ، ج1 ، ص 340 ـ 341 .

5  ـ إبن كثير : التفسير ج4 ، ص 521 .

1  ـ الجولان حالياً .

2  ـ أخرجه الترمذي في السنن ، كتاب الفتن ، باب ما جاء في لزوم الجماعة رقم 2254 ، ج3 ، ص 315 ، وقال : حديث حسن صحيح . والحاكم في المستدرك ، وصححه ووافقه الذهبي ، ج1 ، ص 114 ـ 115 .

3  ـ رواه أحمد في المسند ، ج2 ، ص 229 . وصححه أحمد شاكر في الطبعة المحققة ج12 ، ص 98 ـ 101 . وأخرجه الحاكم في المستدرك ، وصححه وقال الذهبي : على شرط مسلم ولا أعرف له علّة ، ج1 ، ص 119 .

4  ـ أخرجه الترمذي في السنن ، كتاب الفتن ، رقم 2256 ، ج3 ، ص 316 ، وإبن أبي عاصم في السنة ، رقم 81 ، ج1 ، ص 40 . وقال المحقق الشيخ الألباني : حديث صحيح .

5  ـ محمد أمين المصري : المسؤولية ، ص 56 .

6 ـ أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ، كتاب الأدب ، باب رحمة الناس والبهائم ، ج7 ، ص 77 ـ 78 .  

7  ـ أخرجه البخاري في كتاب الأدب ، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً ، ج7 ، ص 80 .

8  ـ أخرجه أحمد في المسند ، ج3 ، ص 462 . وقال الهيثمي في المجمع : رجال أحمد رجال الصحيح غير إبن إسحاق وقد صرح بالسماع ، ج6 ، ص 45 .

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة